كلّ سنة أشعر بألم لأني لم أستطع الحج. فلقد ذقت حلاوة العمرة وأطمع بالمزيد . والطمع هنا مكرمة.
ما زلت أذكر أنهم قالوا لي: حين تبصرين الكعبة ستنسين الدعاء من رهبة الموقف. وسيفوتك هذا الخير.
لكني حين شاهدتها وعلى رغم ما اعتراني من رهبة، رفعت يديّ إلى السماء ودعوت. كنت أعلم أنّ الله سيستجيب دعائي ولقد استجاب كلّ دعائي. فلله الحمد.
ما زلت أذكر فتاة صغيرة التقيتها في أوّل صلاة في الحرم، تقول لنا : سووا الصفوف. فما ملكت أن مسحت رأسها وقبّلت جبينها.
أحمل من هذه الزيارة ذكريات عزيزة ، أنا أحقّ بالوفاء لها من أبي الطيّب لشيبه.
أما هذا العام ، فقد اشتدّ حنيني. وزاده شدّة اتصال زوجي بي من على صعيد عرفة ، يقول لي : ليتك في هذا الموقف!.
وكيف لا ؟
إنّه موقف الحبّ والخوف والرجاء والشكر.. إنه موقف الطهارة الكاملة..إنّه موقف الإخلاص.
ليتني في ذاك الموقف. ألبي مع الملبين. الله الواحد الأحد الذي لا يعلو فوق أمره أمر،
لا شريك له في الطاعة، لأنّه لا شريك له في المحبة، ولا شريك له في الجبروت، ولا شريك له في القدرة ،ولا شريك له في الإنعام.
المحبة والخوف والرجاء والشكر.أليست هذه هي أسباب الطاعة؟ .
فإن كنت تعلم أنّ الله وليّ نعمتك فهذا موجب الحب والشكرفالطاعة.
وإن كنت تعلم أنه قادر عليك فهذا موجب الخوف والخشية فالطاعة،
وإن كنت تعلم أنه عادل رحيم فهذا موجب الرجاء فالطاعة.
والطاعة علامة الإخلاص.
لذا أنت تردد ملء قلبك:لبيك. إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وما أعظم هذاالموقف الجامع!:
حشود المؤمنين تلبي بصوت واحد معلنة الإخلاص الكامل لمولاها. لتؤكّد على أنّ كلمة التوحيد تجمعها. وأنّ نداء الله يوحّد أهدافها.
وهي تعرف تمام المعرفة نداء الله إذ تلبّيه

إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ).
وما العدل ‘إلا الميل عن الهوى (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) . فهو إخلاص المحبة: أن تطيع الله فلا تعصيه لأجل محبوب آخر.
وما الإحسان إلا مقابلة الخير بأفضل منه والشرّ بالصفح والعفو رجاء أن يقابلك الله بصفح جميل. فلا يبلغ هذه الرتبة إلا من رجا الله وحده، دون البشر.
وما إيتاء ذوي القربى إلا حمد لله على نعمه.
وما الفحشاء والمنكروالبغي إلا أسباب غضب الله وسخطه. ولا يجتنبهما إلا كل خوّاف من عذاب الله وحده، آمن من كل ما عداه.
فما أجمعها آية للخير تحثّ عليه، وللشر تنهى عنه!
توحيد في الحب والخوف والحمد والرجاء. معانٍ هي موجبات كلّ خير.
معانٍ استهدفتها عبارات التلبية.
هي الرسالة تحملها أمة الإسلام وتجهر بها ملء سمع البشرية. هي حضارة الإسلام.
حين يلبي الملبي هل تراه يستحضر أمر الله فيعاهد حقاً على تلبية أمره؟ هل تراه يذكر أنّه يلبي منعماً يرجى، ويحبّ ويشكر ،قادراً يخشى غضبه؟ .هل تراه يتفكّر في هذا الانتماء إلى رسالة أممية اختصت بها أمّته؟ .
أخشى أنّ الأكثرين لا يفعلون. وإلا كانت الحال غير الحال.
أخشى أن أشهد هذا الموقف فتفوتني فرصة تدبّر هذه المعاني . فرصة قد لا تتكرر أبدا. فرصة للتزوّد الطويل بالإيمان .
وعلامة هذا الزاد أن تحمل معك من عرفات الحبّ فلا تعرف الحقد، وتحمل الرجاء فلا تعرف اليأس، وتحمل الخوف فلا تستخفّ بمعصية، وتحمل الشكر فتترجمه إنعاماً على خلق الله.