أملُ العودةِ يجتاحُ مشاعرَ النفوسِ عند الفراقِ ، و يغلبُ الطباعَ عند نهاية البدايات ، فتصيرُ القلوبُ مُتطلِّعَةً إلى ساعةِ مجيئه ، و منتظرةً وقتَ قُدوْمِه ، فتنطُقُ الألسنةُ بعباراتٍ تُومئُ لذلك ، و تتكلمُ بجُملٍ تحملُ معانيه .
العَوْدةُ إعادةُ لَبْدءِ البداية بعد انتهائها ، و تحصيلٌ للوِصالِ بعد الانفصال ، و تلك النهاياتُ المُرَّة تُسْتحلى بأملِ العودة و الرَّجعة ، و لو كان أملاً ليس له حقيقة ، فإبداؤه كافٍ في تعليق القلبِ و تشويق النفسِ .
النهاياتُ فواجعُ تَلْحَقُ النفوس ، و خبرُها مُؤْذٍ مُزعجٌ ، و لكنها ضرورةُ حياةٍ ، فليس شيءٌ باقٍ على حالٍ ، قانون " فناءُ الموجودات " .
قد تكون النهايةُ لِذاتٍ محسوسةٍ ملموسةٍ ، و قد تكونُ لِصِفاتٍ تُدركها النفوسُ ، فالكلُّ تحت ذاك القانون ، و ليس فوقَ القانون الربَّاني الكوني شيءٌ .
يُصَرَّحُ بشأنِ النهايةِ إذا لم يُدرِك أحدٌ أمرَها ، و هو غالبُ النهاياتِ ، و بداياتُ بُدُوِّها خَفِيَّةٌ ، تحتاجُ إلى بصيرةِ قلبٍ ليُدرِك مجيءَ الخَفِيَّاتِ ، و جُلُّ النهاياتِ كانت بداياتُ مجيئها خافية ، فغابَ إدراكُ البصيرةِ لها فعمِلَتْ عملَها فتحقَّقَ وَقْعُ النهايةِ ، و ساعةُ الندمِ ذَم .
التلميحُ بالنهايةِ يُسْلَكُ عند ذوي العلائقِ القلبية ، و الروابط الروحية ، فيفهمُ القلبُ رسالةَ اللفظِ ، و بريقَ اللحظِ بتفسيرِ القلبِ له ، و تُدرك الروحُ ذلك من الروحِ ، و الجسدُ لأهل الروابط الظاهرة و الذين لم يدخلوا مملكة المودة ، فأحاديثُ القلوبِ تلميحٌ و تلويح ، و أحاديثُ الجوارح تصريحٌ و تفصيح .
و النهاياتُ ليست إلا شِكلَيْن مِن حيثية الزمَنِيَّة :
_ نهايةٌ أبديةٌ ، تقعُ بموجبٍ يقتضي ديمومةُ النهاية ، فلا وصْلَ بالصورةِ التي كانت قبلها ، و ربما يكون الوصلُ مختلفاً عن سابقِ الحالِ الأول ، فأشبَهتْ الأبديةَ بهذه .
_ نهايةٌ أمَدِيَّةٌ ، لها شيءٌ تنتهي فيه ، فترجعُ كما كانتْ ، و ربما لاقتْ حُسْناً في الحالِ بَعدُ ، و هذه أقلُّ فاجعة من سابقتها ، و كلُّ نهايةٍ عِماية .
في النهاياتِ رسائلُ ، تُوجبُ على ذي النهاية أن يأتي بها على وجهٍ كاملٍ ، لتكون النهاية أجملُ ، و أبرأ لذمةٍ ، يَحملها بريد القلبِ إلى مَن له شأن العناية ، تلك :
_ إتمامٌ لِحَقٍّ .
ما كان لساعةِ النهايةِ أن تأتي دونَ أن تُسْتَوْفَى الحقوق اللازمةُ منها ، و أن تُعطى كلُّ ذاتِ حقٍّ ما لها على صاحبِ النهاية ، لأن الانتهاءَ على إخلالٍ في حقٍّ يكونُ مَوْرِد تُهمةٍ ، و قرينَ شَكٍّ .
_ إصلاحٌ لِعِشْرَةٍ .
فكما البداياتُ تكون بجمالِ اللقاءاتِ ، و حُسْنِ التواصُلِ ، و سلامةِ الخِلطة ، فكذا لِتَكنْ النهايةُ مختومةً بذلك ، فإنَّ شابَ العِشْرَةَ سوءٌ و عَيبٌ أفسدا كان الإصلاحُ لازماً ، لتكون شمسُ النهايةِ مُشرقة بمدحٍ لصاحبها .
_ تجميلٌ لِمَوَدَّةٍ .
بِرعايةٍ لكمالٍ فيها ، و تحسينٍ لتمامها ، و صيانةٍ لحقِّها ، طِيْبُ القلبِ من تجميلِ المودَّةِ ، و سلامةُ الصدرِ منها ، و البسمةُ المرسومةُ كذلك ، و الكثيرُ من أحاسنِ الأخلاقِ مندرجةٌ في قائمة التجميل للمودَّة .
_ الوعدُ بالعَوْدِ .
تشويقُ النفوسِ من مُدخلاتِ السرور ، و تعليقُها بالفألِ القادمِ من مُبهجاتِ القلب ، و الوعْدُ بالعَوْدِ عند الفُرْقَةِ أخلاقٌ مجموعةٌ في خُلُقٍ ، و صفاتُ حُسْنٍ رعاها قلبٌ ، و ليسَ مُتعِباً و لا مُكلِّفاً جُهداً ذاك الوعد ، فإنْ تمَّ فخيرٌ كان ، و إن لم يَتِمَّ فذكرٌ طيِّبٌ .
ع . العُتَيِّق
__________________
*
*
[ حينَ يُهدى إلى الشخصِ رَمْزُ شعارٍ يُميِّزُه ، يكون الشكرُ لازماً غيرَ منفَكٍّ ، و متَّصِلاً غيرَ منقطعٍ ، فلمن أهدى إليَّ هذه الصورةَ شُكرٌ ، و لكلِّ مَنْ أهداني صُوْرَةً ترْمُزُ لشعاري ... عبد الله العُتَيِّق ]
رغـم أن موضوعك عن " العودة "
إلا أنني ألمــح بين سطورك شيئا عن "الرحيل "
.
.
لحظــات كثيرة نتمنّى فيها أن نعود لهم... ويعودوا لنـا
\
\
سلمـت اناملك مبدعةَ
__________________
Some people make the world SPECIAL just by being in it
:
.