قديم 17-12-2007, 11:36 AM   #1 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
الصورة الرمزية أجناديـن
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
الدولة: بين البشر ( لا ملائكة ولا شياطين )
المشاركات: 6,877
عدد مرات شكره للأعضاء: 164
شُكر 362 في 174 موضوع
أجناديـن is on a distinguished road
افتراضي حـنـيـن الـحـج

بسم الله الرحمن الرحيم
.
.
.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
.
.
.
.

(( حنين الحج ))

للشيخ : علي بن حمزة العُمري
12/12/2007




الحمد الله مدّبرِ الليالي والأيّام، ومصرفِ الشهور والأعوام، الملكِ القدوسِ السلام، المتفرد بالعظمة والبقاء والدوام ...

أحمده سبحانه وتعالى وأشكره.. قدّر الأمور فأجراها على أحسنِ نظام، وشرعَ الشرائعَ فأحكَمها أيمّا إحكام، وبحكمته ورحمته تتعاقبُ الليالي والأيام.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، أمرَ بحجِّ بيتهِ الحرام، وأشهدُ أنَّ نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم- خير الأنام، أطهرُ نفس أحرمت، وأزكَى روحٍ هَتفت، وأفضلُ قدمٍ طَافت وسَعت، وأَعذبُ شفةٍ نَطقتْ وكبَّرتْ، وذكَرتْ وهلّلَتْ، وأشرفُ يد رمَتْ واسْتَلَمَتْ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

أْكرِم بخلْقِ نبيٍّ زانَهُ خُلُقُ =بالحقِّ مشتملٍ بالبشرِ متَّسِمِ
كالزَّهْر في تَرفٍ والبدرِ في شَرَفٍ =والبحرِ في كَرَم والدَّهر في هِمَمِ
جاءتْ لدعوتهِ الأشجارُ ساجدةً =تمشي إليهِ على ساقِ بلا قَدَمِ
ياربِّ أزكى صلاةٍ منكَ دائمةً =على النبي بمنهلِّ ومُنْسَجِمِ


إنها لحظات ويأذن الله - تبارك وتعالى- لهذه الحشود المؤمنة الوافدة من بقاع الأرض، التي قطعت الوهاد والقفار، وعبرت الأوديةَ والبحار، وتركتِ الديار َوالأوطان، والأولادَ والجيران، والمالَ والمتاع، والأهلَ والضِياع، مقبلةً إلى مكة.. لنكون من وفد الله، ومن ضيوف عباد الله.

الحجاج والعمّار وفد الله دعوه فأجابهم، وسألوه فأعطاهم. علموا أن الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وفريضةٌ من فرائضه العظام، أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تدلُّ على فضائل الحج تغلغلت إلى شغافِ قلوبهم، ينتظرون ليلة البدء، ليفوزوا بموعود الله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كما روى الترمذي بسند حسنٍ عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (تابعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنهما ينفيانِ الذنوبَ والفقر، كما ينفي الكيرُ خبَث الحديد والذهبِ والفضة، وليسَ لحجةٍ مبرورة ثوابٌ إلا الجنة، وما من مؤمن يظلُّ يوَمه محرمًا إلا غابت الشمس بذنوبه) (1).

ساعات معدودات، ولحظات مباركات، وتتحرك الوفود. نعم، وفود الله، وضيوف الله، وأهل الله، إلى المشاعر، لتمتزج المشاعر في المشاعر، وتبدأ رحلة الحج.

رحلة الحج، رحلة العمر، رحلة المغفرة، رحلة المنافع، منافع القلب والروح، منافع الراحة والأمان، منافع الرضا والأنس، منافع الأمة.

ما هي إلا ساعات ويأذن الله لضيوفه أن يزوروه:

على عيني بكت عيني على روحي جنت روحي
هواك وبعد ما بيني وبينك سرُّ تبريحي
حيائي منك يبعدني وداعي الشوق يدنيني
ووجه الصفح يخجلني ويقتلني ويحييني
هرعت إليك يا ربي وقلت عساك تقبلني

مددت يدي
إليك ومنكَ يا ربّاه
ومن طول النوى أوّاه

فأقبل إلي يا عبدي وهلل تجد أنسي
وبادر إليّ يا ضيفي ولبِّ ترَ فضلي


فلبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والرغباء إليك والعمل، لبيك ذا الفضل، لبيك ذا المجد.

إذا عزم المسلم على الحج، قوّى عزيمته وخاطب نفسه:


وقلتُ للنفسِ جِدِّي الآن واجتهدي= وساعديني فهذا ما تمّنيْتُ
لو جئتكم قاصداً أسْعَى على بَصَري= لم أقضِ حقاً وأيُّ الحقِ أدَّيْتُ


ويختار أحد الأنساك الثلاثة:

إما الإفراد، وهو أن يذهب إلى مكةَ لأداءِ الحج فقط.
أو التمتع، وهو أن يأتي بعمرةٍ كاملةٍ، ثم يتحلل ثم يحرم بالحج يوم الثامن من ذي الحجة.
أو القران، وهو: أن ينوي الحج والعمرة بإحرام واحد فيأتي بعمرة كاملة كالتمتع، ولكن يبقى على إحرامه حتى يحج.

وأما عن الأفضل في أنواع الأنساك فهو مختلفٌ فيه، وفي كلٍّ خيرٌ فمالك والشافعي، أخذوا برأي الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة أم المؤمنين وجابر بن عبدالله وغيرهم، في أنَّ الإفراد أفضل.

وأما الإمام أبو حنيفة وسفيان الثوري وغيرهم فيرون القِرانَ أفضل، وأما الإمام أحمدُ فرأى التمتع أفضل وعدد من التابعين.

ولكلٍ اجتهاده، فمن اختار أحد هذه الأنساك متأولا السنة، مجتهدًا، أو ناقلا عن مجتهد فله ذلك، دون تثريب على أحد، فإذا ما استعان الحاجُ بالله واختار نسكه بعد تطهره وتنظفه، لبى الله تعالى رافعاً صوته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: (أتاني جبريلُ فأَمرني أن آمرَ أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) (2). رواه الترمذي. ويستمرَّ في التلبية فلا يسمع صوته حَجَر ولا مَدَرٌ إلا وشهد له يوم القيامة، شهد له بالصدق، والتوجه لله، شهد له أنه لن يرجو ولن يؤمل ولن يسأل إلا الله، الله وحده لا شريك له.

ويستحبُ الإكثارُ منها إذا صعدَ مرتفعاً، أو هبطَ وادياً، وإذا أقبلَ الليل والنهار، أو التقت الرِّفَاقُ، ويستحبُ له بعد وقت من التلبية أن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألَ الله الجنةَ ويستعيذَ بالله من النار، ولو زاد بالمأثور عن ابن عمر رضي الله عنهما بقوله: (لبيكَ وسعديكَ والخيرُ بيديكَ والرغباءُ إليكَ والعمل، لبيكَ ذا النَّعمْاءِ والفَضْل لبيك، لبيك مرغوباً ومرهوباً إليك لبيك) (3) جاز فعله كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

لبيكَ اللهم لبيك لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمةَ لكَ والملكَ لا شريكَ لك لبيك.

والتلبيةُ سنة لفعله صلى الله عليه وسلم وأَمْرِه بها، ويُسنَّ ابتداءُ التلبيةِ عَقِبَ إحرامه لقولِ جابر رضي الله عنه: فأهلَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيدِ: لبيكَ اللهم لبيكَ لبيكَ لا شريك لكَ، لبيكَ إن الحمدَ والنعمَة لكَ والملكَ لا شريكَ لكَ لبيك(4).

ويُسنُّ الإكثارُ منها ورفعُ الصوت بها للرجال دون النساء لقوله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية). رواه الترمذي.

ويلبي الحاج منذ أن يخرج من البنيان حتى يصل إلى بداية الطواف ، فإذا شرع في الطواف قطع التلبية، ثم يستأنفها بعده.

ويسنُّ الدعاء بعد التلبية فيسألُ اللهَ الجنةَ ويستعيذُ به من النار، كما روى ابن خزيمة(5) عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتُسنُّ كذلك الصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد التلبية، ولكن لا يرفع صوته لا بالدعاء ولا بالتلبية.

ويستحب الإكثار من التلبية إذا صعد نشزاً، أو هبط وادياً، أو أقبل الليل أو النهار، أو التقت الرفاق. وإن زاد المسلم على هذه التلبية ما جاء في الأثر: "لبيكَ ذا المعارج، لبيكَ وسعديك، والخيرُ بيديك، والرغباءُ إليكَ والعمل"(6)، أو كما قال عمر رضي الله عنه: (لبيك ذا النعماء والفضل لبيك لبيك مرهوباً ومرغوباً إليك لبيك) فلا حرج.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأفضل أن يلبي تلبيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نُقل عن الصحابة من زيادة في التلبية فهو جائز غير مكروه، ولا مستحب عند أصحابنا).

إلهنا ما أعدلكْ مليكَ كلِّ منْ مَلَك=
لبيكَ قد لبيتُ لك لبيك إنَّ الحمدَ لك=
والملكَ لا شريكَ لك ما خابَ عبدٌ سأَلك=
أنتَ له حيثُ سَلَك لولاكَ يا ربّ هَلَك=
لبيكَ إنَّ الحمدُ لك والملكَ لا شريك لك=
والليلُ لمّا أَنْ حَلَك والسابحاتُ في الفلك=
وكلُّ من أهلَّ لك سبّح أو لبىَّ فَلَك=
يا مخطئاً ما أْغَفَلك عجِّل وبادر أَجَلك=
اختمِ بخيرٍ عَمَلك لبيكَ إنَّ الحمد لك=
والملكَ لا شريكَ لك والحمدَ والنعمةَ لك=
__________________
.
يا الله

أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي

*


مجموعة مواقع الإسلام
موقع الشيخ : محمد الددو
صفحة الشيخ صالح المغامسي
موقع د . عبد الكريم بكار

متغيبة حتى حين ، سأكون بخير إن شاء الله
دعائكم يهمنا وسيعيننا بعد الله
أجناديـن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
الأعضاء 2 يشكرون أجناديـن على هذا مشاركته المفيدة:
قديم 17-12-2007, 11:39 AM   #2 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
الصورة الرمزية أجناديـن
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
الدولة: بين البشر ( لا ملائكة ولا شياطين )
المشاركات: 6,877
عدد مرات شكره للأعضاء: 164
شُكر 362 في 174 موضوع
أجناديـن is on a distinguished road
افتراضي



والحج قد يكون فيه نصب وكد، وإن حج مع أرقى المخيمات، وتناول أحلى الطيبات. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا..

روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن عبادة بن الصامت قال: (صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخطى إليه رجلان: رجلٌ من الأنصار، ورجل من ثقيفٍ فسبَق الأنصاري الثقفي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للثقفي: إنَّ الأنصاريَّ قد سبقكَ بالمسألة، فقالَ الأنصاري: لعلّه يا رسول الله يكون أعْجَلَ مني فهو في حِلّ قال: فسأل الثقفي عن الصلاة فأخبره، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: إن شئتَ خَبَّرْتُك بما جئتَ تسأل عنه، وإن شئتَ تَسْأَلُني فَأُخْبِرك؟ فقال: يا رسول الله تُخبرني. قال: جئتَ تسألني: مالكَ من الأجرِ إذا أَمَمْتَ البيت العتيق، ومالكَ من الأجرِ في وقوفكَ بعرفة، ومالكَ من الأجر في حَلْق رَأْسِك، ومالكَ من الأجر إذا ودَّعتَ البيتَ، فقال الأنصاري: والذي بعثكَ بالحقِّ ما جئتُ أسألكَ عن غيره. قال صلى الله عليه وسلم: فإنِّ لكَ من الأجر إذا أَمَمْتَ البيتَ العتيقَ أن لا ترفَع قدماً أو تَضَعُها أنتَ ودابتك إلا كُتبت لك حسنةٌ ورفعت لكَ درجةٌ، وأما وقوفكَ بعرفةَ فإنِّ الله عز وجل يقول لملائكته: يا ملائكتي ما جاءَ بعبادي؟ قالوا: جاءوا يلتمسونَ رضوانكَ والجنة، فيقول الله عز وجل: فإني أشهد نفسي وخَلقي أني قد غفرت لهم عدد أيام الدهر وعددَ رمَال عالِجٍ (وهو رمل كثير متراكم). وأما رميك الجمار، فإن الله عز وجل قال: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَاكَانُوا يَعْمَلُونَ)(7)، وأما حَلْقُ رأسكَ فإنه ليس من شعرك شعرة تقع على الأرض إلا كانتْ لكَ نوراً يوم القيامة، وأما البيتُ إذا ودعتَ فإنك تخرجُ من ذنوبكَ كيوم ولدتكَ أُمك)(8).

أناس جاءوا من حول البحر الأبيض والأسود والأحمر، ومن شطآن المحيط الأطلسي والهندي والهادي، ومن أعماق القارات الخمس، من كلِّ شبر يطلعُ عليه نور الشمس، أو تحلُّ فيه هدأة الليل، علموا أن الحج ركن من أركان الإسلام، وفريضةٌ من فرائضه العظام فهان عليهم كلُّ أمر، ليستجيبوا لأمر الله (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(9).

جهزوا أنفسهم، وحزموا أمتعتهم؛ إذ علموا أن الدنيا غيرُ مأمونة، وأن الأجل قد دنا فسارعوا قبل الرحيل، يحدوهم قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الجامع: (عجّلوا الخروجَ إلى مكةَ؛ فإنَّ أحدكم لا يدري ما يعرضُ له من مرضٍ أو حاجة) (10).

والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر الناس ويحثهم بالمسارعة والتعجيل، ويلقي باللائمة على من تقاعس وتكاسل، كما ثبت في الحديث الصحيح (إن الله تعالى يقول: إن عبداً أصححتُ له جسمه ووسعتُ عليه معيشتَه تمضي عليه خمس أعوامِ لا يَفِدُ لي لمحروم) (11).

وما جاء هذا التأنيب الكريم إلا لما سيفوتُ هذا المتأخر من أنس الحياة في الدنيا والآخرة.

لقد هان على أولئك الحجاج كلُّ أمر، فاستخاروا الله، وتزودوا بالتقوى، وساروا مع الرفقةِ المذكرة وقتَ الفترة، الناصحةِ وقتَ الغفلة، تركوا أوطانهم وأولادهم، فإلى أين أيها الحجاج، إلى أين؟!

سرنا نشقُّ البِيْد للبلدِ الذي =بِجُهدٍ وشِقِّ للنفوسِ بلغناهُ
رجالاً وركباناً على كلِّ ضامرٍ =ومن كلِّ ذي فجٍ عميقٍ أتيناهُ
نخوضُ إليه البرَ والبحرَ والدُّجى= ولا قاطعٍ إلا وإنَّا قَطعناهُ
ولا صدَّنا عن قصدنا فَقْدُ أهلنا =ولا هجرُ جارٍ أو حبيبٍ أَلِفناهُ
عرفنا الذي نبغي ونطلبُ فَضْله= فهان علينا كلُّ شيءٍ بَذلناهُ
فَمنْ عرفَ المطلوبَ هانتْ شدائدٌ =عليه ويهوى كلَّ ما فيه يلقاهُ


يسير هؤلاء الحجاج بهتاف واحد، ولباس واحد، ودعاء واحد، ومقصد واحد. يا ترى ما هو جزاؤهم بعد هذا المسير المتعب، وهذا السفر الشاق، وهذه الرحلة المضنية؟

إن جزاءهم أنهم ما ساروا مسيراً، ولا رفعوا قدماً ولا وضعوا أخرى إلا حُطَّت عنهم خطاياهم، كما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم: (ما ترفعُ إبل الحاجِّ رجلاً ولا تضعُ يداً إلا كتبَ الله تعالى له بها حسنةً أو محا عنه سيئةً أو رفعه بها درجة)(12).

والبعض يفكرون في نفقة الحج، ومدى ما يخسرون! لا يا أخي الحاج بل استبشر بما أخبرك به نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم: (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ويضاعفها الله إلى سبعمائة ضعف).

فإذا ما جاءت لحظة الانطلاقة في اليوم الثامن من أيام الحج وهم في ملتقاهم التحضيري الرائع لاستقبال يوم عرفة، إذا ماجاء اليوم الثامن تهيأت النفوس واستعدتْ للتعرض لرحمة الله.

وهاهو ذا الشاعر العربي المسلم، يرى أفواج الحجيج في منى على حين لم يستطع هو اللحاق بهذا الفوج المبارك، وهذا الوفد العزيز فينادي في أهل منى:


انقطعنا ووصلتم فاعملوا =واشكروا المُنْعِمَ يا أهلَ منى
قد خسرنا وربحتمْ فَصِلُوا= بِفُضُولِ الرِبحِ من قد غُبِنَّا


وقال آخر:

يا سائرينَ إلى البيتِ العتيق لقدْ =سرتمْ جُسوماً وسرنا نحنُ أرواحا
إنا أقمنا على عذرِ وقدْ رحلوا =ومنْ أقامَ على عذرٍ كمنْ راحا


فإذا ما أصبحَ الحاج في اليوم التاسع وجد القلب يزداد هيجاناً، والنفس تتعلق رجاءاً بموعود أرحم الراحمين، يا الله .. ما هي إلا لحظات ويحشر مع الملايين في بقعة واحدة، ملايين البشر يدعون في مكان محدد، فيسمعُ اللهُ أصواتهم جميعاً. الله أكبر، كم في هذا اليوم من ذنوبِ غفرت، وكم من عيوبٍ سُتِرتْ، وكم من أمراض شفيت، وكم من أرزاق بسطت، وكم من قلوب صَلُحت، وكم من سرائر نُقِّيت، وكم من أعينٍ دَمعت، وكم من دعوةٍ رُفعت، وكَم من نفوسٍ قُبلت، ووالله ما كان لها إلا هذا المكان!.

يوم عرفة، يومُ مغفرة الذنوب، والتجاوزِ عنها، والعتقِ من النار، والمباهاةِ بأهل الموقف. كما جاء في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما منْ يومٍ أكثرَ من أن يعتقَ اللهُ فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ماذا أراد هؤلاء) (13).

يا الله. ربنا يسأل ملائكته، ماذا أراد هؤلاء،ماذا أراد هؤلاء...:

ووجْهَكَ نبغي أنتَ للقلبِ قبلةٌ= إذا ما حججنا أنتَ للحج رُمناهُ
فما البيتُ ما الأركانُ ما الحَجُر النقي= وَلاَ زمزمَ أنتَ الذي قد قَصْدناهُ
وأنتَ مُنانا أنتَ غايةُ سُؤْلنا =وأنتَ الذي دنيا وأخرى أردناهُ


وخرّج ابن حبان في صحيحه عن جابر عن النبيّ عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما من يومٍ أفضلُ عندَ الله من يوم عرفة، ينزلُ اللهُ تباركَ وتعالى إلى السماء فيباهي بأهل الأرض أهلَ السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثاً غُبْراً ضاحين جاؤوا من كل فجٍّ عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلمْ يُر أكثرَ عتيقاً من النار من يوم عرفة)(14).

وخرج الطبراني وغيره من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل يدنو إلى السماء الدنيا عشيةَ عرفة، فيُقبلُ على ملائكته فيقول: ألا إنّ لكلِّ وفدٍ جائزة، وهؤلاء وفدي شُعثاً غُبْراً، أعطوهم ما سألوا، وأخلفوا لهم ما أنفقوا، حتى إذا كان عند غروب الشمس أقبل عليهم فقال: ألا إني قد وهبت مسيئكم لمحسنكم، وأعطيتُ محسَنكم ما سأل، أفيضوا باسم الله).

فيخرجون من يوم عرفة وذنوبهم مغفورة، وعيوبهم مستورة، رجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم"(15).

أكرمهم الله أحسن إكرام، وأنعم عليهم أفضل إنعام، فهم ضيوف الرحيم الرحمن، وأنْعِمْ بضيف الله في وِفَادة الله!

يخرجون من عرفات وقلوبهم طاهرة، ونفوسهم صافية، يودعون هذا المكان، ويحيّون هذا الجبل الذي حَطمه الناس، جاءوا بذنوب تهدُّ الجبال والجبلُ يتحملهم، ويحضنهم، وهو يسمع نشيجهم وحزنهم.

ثم بعد ذلك إلى أين .. إلى المشعر الحرام .. إلى مزدلفة.. )فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ واذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وإن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (16). فيصلون المغرب والعشاء جمع تأخير ثم يبقون إلى الفجر، ويرخص بعد منتصف الليل للنساء والضعفة ومن في حكمهم بالانصراف إلى منى.

ويأتي صباح اليوم العاشر يوم الحج الأكبر، أعظم الأيام عند الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر" رواه أبو داود.

إنها أيام منى .. (أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله عز وجل).

الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. في هذه الأيام يعيشُ الحجاجُ أجملَ لحظاتِ العمر، وأمتعَ وأسعدَ أوقاتِ الحياة. يعيشون مع ضيوف الله، مع وفد الله جل جلاله.

الله أكبر:

كم من أرواح تعانقت، وكم من قلوب تآلفت، وكم من مجالس إيمانية أقيمت، يلتقي الحاج بإخوانه في الله، بالعلماء، بالصالحين، بالمحبين الذين جمعهم الله في هذا الموسم، ووالله لو نادى من نادى لما جُمعوا. ولكن، إنما هي هداية الله ضيوفَه وأحبابَه.

لا تصدقوا أنَّ الحجَ مغفرة للذنوبِ فحسب. لأن المغفرةَ موجودةٌ في الحج وفي غيره.

إنما الحج وصفه الله بثلاث كلمات، لو علم بها أهل الأرضِ لما تخلّفوا عن الحج، يقول الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )(17) هذه الكلمات الثلاثة، هي هدية الله الخاصة للحجاج، ولا توجد والله إلا في هذا الموسم، إنها منافعُ الراحة والأَمن والمغفرة ولقيا الصالحين، والأنس بالله، وتعميق مشاعر الحب للإسلام، ورؤية المسلمين من كل أرض، والتفكير في قضايا الأمة، وتذكر المصير.


ثم بعدئذ تأتي اللحظات التي لابد منها، لحظات الوادع، لحظات الختام، ليودع الحاج بيت الله الحرام. فقد بدأ به مسيرة الحج، وهو يختم به المسيرة لتكون رحلة المؤمن في حياته دوماً وأبداً مع الله.

وفي الشوط السابع من طواف الوداع يقف الحاج مع نفسه، ينظر إلى البيت العتيق، وعينه تدمع، وقلبه يَألم، بدأ بالبيت يطوف قدوماً، وها هو يطوفه وداعاً، وبينهما صلاة وسجود، وتهليل وتلبية، وتكبير ونحر، ومشي على الأقدام، وذكر على الدوام، يدعو الله وهو في الشوط الأخير: (اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك، حملتني على ما سخرت من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فزدني رضا، وإلا أرجوك فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغباً عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني،وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك وما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير).

هنا تنتهي هذه الرحلة المباركة، فقد كان ضيفاً من ضيوف الله، ومنعّماً بتوفيق الله، ومعرّضاً لمغفرة ورحمة الله، ومؤنساً بحب الله، هنا يقف ويقول: ياربّ قد سرت لرضاك، حفظت لساني، وسعيت بأركاني، هطلت عيني دمعاً، وتحرك قلبي خوفاً، اتبعت سنة نبيك صلى الله عليه وسلم ما استطعت، راجياً ثوابه، مؤملاً في فضله.

يعاهده على استمرار الطاعة، فيودع البيت، وكلّه أمل بالله كبير أن يرجع طاهراً نقياً،بقلبٍ أزكى، ونفسٍ أصفى، ولسانٍ أحلى، يحمل شريطاً رائعاً لن ينساه في عمره.

وهكذا أيها الإخوة الحجاج.. إن رجعتم إلى بيوتكم فكونوا شاكرين لآلائه، مثنين على نعمه.

أحجاج بيت الله ألف تحية =بأوجهكم نور من الله يسطعُ
نزلتم ضيوفاً في رحاب كريمة =إليها يحن القلب دوماً ويخشعُ
ضيوفاً على المولى الكريم ببيته= وانتم سجود في حماه وركَّعُ
ولما سعيتم بين مروة والصفا =صفا قلبكم مما يرين ويطبعُ
وقد شكر الباري لكم سعيكم بها= فطوبى بهذا الأجر طوبى تمتعوا
ولما وقفتم للنداء جميعكم =علمتم بأن الأمر لله يرجعُ
هنئاً لكم قد نلتم العفو والرضا =وذكركمُ يوم القيامة يرفعُ


وأما من لم يكتب له الحج، فإن رحمة الله تعمه بإذن الله إن كان ذاكرًا طائفًا.

فمن فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه. ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبيِّتْ عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه. ومن لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف. من لم يقدر على نحر هديه بمنى، فليذبح هواه هنا، وقد بلغ المُنَى. من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.

نُفِحَت في هذه الأيام نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كل قلب أجاب إلى ما دعي. يا همم العارفين بغير الله لا تقنعي، يا عزائم الناسكين لجميع أنساك السالكين اجمعي، لحب مولاك أفردي، وبين خوفه ورجائه اقرني، وبذكره تمتعي. يا أسرار المحبين بكعبة الحب طوفي واركعي، وبين صفاء الصفا ومروة المروى اسعي وأسرعي. وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي، ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي ثم إلى منى نيل المنى فارجعي فإذا قُرِّبت القرابين فقرِّبي الأرواح ولا تمنعي. لقد وضح الطريق ولكن قلَّ السالك على التحقيق وكثر المدعي.

لئن لم أحج البيت أو شطَّ ربعُه =حججت إلى من لا يغيب عن الذكرِ
فأحرمت من وقتي بخلع نقائصي =أطوف وأسعى في اللطائف والبرِ
صفاي صفائي عن صفاتي ومروتي= مروءة قلبي عن سوى حبة فقرِ
وفي عرفات الأنس بالله موقفي =ومزدلفي الزلفى لديه إلى الحشرِ
وبت المنى مني مبيتي في منا =ورمي جماري جمر شوقي في صدري
وإشعار هديي ذبح نفسي بقهرها= وخلعي بمحو الكائنات عن السرِ
ومن رام نفراً بعد نسك فإنني =مقيم على نُسْكي حياتي بلا نفرِ


ـــــــــــ

الهوامش

(1) أخرجه الترمذي (810)، والنسائي (5/115)، وابن ماجة (2887). قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب، من حديث عبد الله بن مسعود، وفي مسند أحمد (167) من حديث عمر صلى الله عليه وسلم. قال الأرنؤوط: صحيح لغيره.

(2) أخرجه الترمذي (1829) عن خلاد بن السائب عن أبيه، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

(3) أخرجه مسلم (1184) عن ابن عمر صلى الله عليه وسلم.

(4) أخرجه مسلم (1218) عن جابر صلى الله عليه وسلم.

(5)

(6) أخرجه أبو داود (1813) ، وابن ماجه (2919) من حديث جابر صلى الله عليه وسلم.

(7) السجدة، آية (17).

(8) أخرجه الطبراني في الأوسط (3/16) وأورده الهيثمي في المجمع (3/354) وقال: رجاله ثقات.

(9) آل عمران، آية (97).

(10) أخرجه البيهقي في الكبرى (4/240) وأبو نعيم في الحلية (7/114) عن ابن عباس صلى الله عليه وسلم.

(11) أخرجه ابن حبان في صحيحه ( 15/406 ) .

(12)

(13) أخرجه مسلم (1348) عن عائشة رضي الله عنها.

(14) أخرجه ابن حبان (3853) عن جابر بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، قال الأرنؤوط: حديث صحيح إسناده قوي.

(15) أخرجه الطبراني في الكبير (13566) عن عبد الله بن عمرو بن العاص صلى الله عليه وسلم. ولو شواهد ذكرها الألباني في الصحيحة (1625).

(16) البقرة، آية (198).

(17) الحج، آية (28).
__________________
.
يا الله

أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي

*


مجموعة مواقع الإسلام
موقع الشيخ : محمد الددو
صفحة الشيخ صالح المغامسي
موقع د . عبد الكريم بكار

متغيبة حتى حين ، سأكون بخير إن شاء الله
دعائكم يهمنا وسيعيننا بعد الله
أجناديـن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
هؤلاء الأعضاء يشكرونك يا "أجناديـن" على مشاركتك المفيدة:
قديم 25-11-2008, 11:00 PM   #3 (permalink)
صديق نشيط
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: مصر
المشاركات: 672
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 7 في 7 موضوع
هيمه is on a distinguished road
افتراضي

جزاك الله الخير
وبارك فيكى
__________________
الحب كالطفل… يتغذى ويتنفس .. فينمو ويكبر … فإن أنت أرضعته لبناً طاهراً.. شبّ بين يديك يوماً بعد يوم ليملأ حياتك بالسعادة.. أما إن أرضعته من نفايات نفسك.. فلا تعجب إن مات مسموماً !!!
هيمه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-11-2008, 11:23 PM   #4 (permalink)
صديق جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 3
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 1 في موضوع 1
eng.esmaeil is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاكم الله خير الجزاء على هذا الموضوع القيم

ورزقنا الله وإياكم حج بيته الكريم

اللهم آمين
eng.esmaeil غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-11-2008, 04:58 AM   #5 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
الصورة الرمزية أجناديـن
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
الدولة: بين البشر ( لا ملائكة ولا شياطين )
المشاركات: 6,877
عدد مرات شكره للأعضاء: 164
شُكر 362 في 174 موضوع
أجناديـن is on a distinguished road
افتراضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جزاكما الله خيراً.
__________________
.
يا الله

أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي

*


مجموعة مواقع الإسلام
موقع الشيخ : محمد الددو
صفحة الشيخ صالح المغامسي
موقع د . عبد الكريم بكار

متغيبة حتى حين ، سأكون بخير إن شاء الله
دعائكم يهمنا وسيعيننا بعد الله
أجناديـن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع


الساعة الآن 06:49 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.3, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92