قديم 16-12-2007, 02:20 AM   #1 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية ام المظفر
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 942
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 4 في 4 موضوع
ام المظفر is on a distinguished road
افتراضي وقفات مع . . الحج


وقفات مع . . الحج

من هناك . . وفي أو ظل أول بيت وضع للناس مباركا وهدىً للعالمين . . تشرق على قلب المؤمن نفحات هي العبير الزلال وأطيب . . وتطلع على نفسه ذكريات هي الضياء في ظلمة الليل البهيم . .

من هناك . . حيث القلوب الخاشعة . . والدموع المرسلة . . والأكف الضارعة . . من هناك . . . حيث الأوزار تلقى . . والآثام تعفي عليها التوبة النصوح . . تنادي المؤمن ساعات إيمانه . . وتصرخ به خفقات قلبه فيصحو من الغفلة . . ويستأنف طريق الحياة الذي يبدأ بالامتثال لأمر الله وينتهي بجنة عرضها السموات والأرض .

عندما يفتح المؤمن قلبه لخطاب السماء ، ويحاول أن يبصر أمور دينه بوحي صحيح ، ونفس مشرقة وعقل مستنير ، يستطيع أن يكون حيث يريد له الإسلام أن يكون . . و المسلمون الآن على موعد مع الحج ، وشد الرحال إلى المسجد النبوي ، وزيارة الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه ؛ واستجابوا لدعوة القرآن ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) .

وانتشرت مظاهر الإيمان والطاعة ، والخشوع لله الواحد القاهر ، والعبودية المطلقة لعظمته وجلاله سبحانه والمساواة التي تحقق اكبر تجربة يمكن أن يرتحل إلى تحقيقها الإنسان .
وإن ما تصنعه شعائر الحج والعمرة وآداب الزيارة في نفس المؤمن ــ أن لو أديت العبادة على وجهها الصحيح المشروع ــ تعجز عن صنعه تربية سنين .


هذه المناسك وهذه الذكرى تعيدنا إلى عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى الإنسان الطيب الطائع العابد الأواب ، والى ابنه العابد التقي المطيع إسماعيل حيث يقيمان قواعد البيت على أساس التقوى ، ويضمان مع كل حجر فيه نفحة من الإيمان الحي ويمزجان مع كل ذرة رمل فيه قطرات فواحة من التقوى والمحبة والطاعة ، ثم يرفعان يديهما إلى ربهما الكريم ليقبل منهما جهدهما المتواضع في صورة بيت الطاعة والتقوى والعبادة ، الرمز الخالد لعبودية الإنسان في الأرض وطاعته لربه ، ولقدسية الأمر الإلهي النافذ . وتعود بنا هذه المناسبة أيضا قرونا عديدة إلى الوراء حين قصدها لأول مرة رسولنا الكريم محمد صلوات ربي وسلامه عليه ، بعد أن تركها مودعا آسفا طريدا ، لأن فئة الظلم والكفر والضلال قد أخرجته من مكة فارا بدينه ، منتصرا لدعوته . . متحفزا لإقامة أسس مجتمع جديد ، ودولة حديثة في مكان أمين .

نعم .. تعيدنا المناسبة إلى ذلك الوقت عندما قصدها رسول الله حاجا ليتحدى طغيان الكفرة الظالمين الذين نصبوا أنفسهم حماة لها ، فملئوها ضلالا وكفرا وعنادا ، وزرعوها أصناما وأوثانا وتماثيل ، فقصدها رسول الإنسانية ليعيد إليها ذلك المعنى الإيماني الرائع ، ليرفع قواعد الإيمان من جديد كما أقامها إبراهيم ، وليرفع من هناك ــ البيت العتيق ، من الحجر الأسود الذي جعل الله فيه منافع للناس ــ ليرفع صوته بالتكبير يجلجل في أنحاء مكة فيبلغ صداه القوي أطراف الجزيرة ، ويسري دويه الهائل في بلاد الروم وفارس ، وينذر الجهل والكفر والظلم في الأرض بأن دعوة الإسلام سوف تبلغ المشرق والمغرب ، وسوف تطوي صفحة الأوثان إلى الأبد .

نعم . . هناك حين قصدها بدت شراذم الكفر حيرى مذعورة تنظر إلى الطريد المشرد بالأمس ووراءه جحافل النصر الظافرة ، ذلك الذي شردته وأنكرته وعذبته ، جاءها بقوة ساخرة بهم حتى كانوا ينظرون إليه بعيون مغتاظة . .حاقدة.

ومضت سنة فيها من حكمة التدبر والتريث والتخطيط ما يستحق الدراسة والتمعن ، ثم دخلت جيوش اليمان مكة ظافرة منتصرة وحناجرها تدوي بنشيد السماء يعلو ويعلو حتى يصل إلى الجوزاء ، وكتائب الإيمان تفاجأ أوكار المعاندين في كل مكان فيستسلمون لنور الحق مرغمين ، وتشتعل مكة كلها ثورة للحق ، وانتصارا للإيمان .

لقد خرت دولة الأوثان إلى الأبد وانتكست الأصنام محطمة ، وتحققت كلمة إبراهيم عليه السلام مرة ثانية ( فجعلهم جذاذا ) ولم يترك لهم كبيرا ولا صغيرا ، بل كانت صيحة الحق تملأ المكان ، وكان الله هو الأكبر ، وكان الله هو الأعلى ، وكانت دعوة الله هي الحق الذي يزهق الباطل .

ولأول مرة يتحلق المسلمون دوائر حول الكعبة ، يعبدون الله ويسبحون بحمده على هذا النصر العظيم ، وكان صوت بلال مدويا من أعلى مكان في البيت ، من اشرف مكان : ( الله أكبر )

نعم .. لأول مرة تبدو حلقة المسلمين متكاملة .. متراصة .. مطمئنة وحدة لا ينفذ فيها عدو ، ولا يقطعها حقود .

وتوالت الأيام والأعوام ، والحلقة تتسع وتمتد وتكبر وتنتشر من المشرق إلى المغرب ، ويسري صوت التكبير الداوي ، ويبلغ صداه إلى كل مكان حين أعلن رسول الله . . رجل الإنسانية صلوات ربي وسلامه عليه حقوق الإنسان ، فأخذ يمتد ويمتد ويشكل حول الكعبة حلقات وحلقات ، بل يصل قلوب المؤمنين برباط روحي مقدس لا ينطفئ لهيبه.

أي وحدة هذه التي تبدأ من هذا المركز الإيماني العظيم ؟!!
وأية قوة تلك التي انطلقت من القلة التي تحلقت لأول مرة حول الكعبة يوم فتح مكة لتحطم فيما بعد طواغيت الأرض ودول الظالمين ؟!
وأي معنى ذلك الذي جعل هذا المد يكتسح هذه الممالك والدول في عدد قليل من السنين ؟
وحينها كانت أنظار المؤمنين القليلين وهم يخرجون من الكعبة تنظر إلى البعيد ، إلى بيت المقدس قبلتهم الأولى ، ومعراج رسولهم المقدس ، وانطلقوا بعد سنوات ليحرروه من يد الظالمين ولتعلو فيه كلمة ربهم العظمى . .

واليوم ومواكب الحجيج قد توجهت إلى بيت الله الحرام . . حيث الطهر والإيمان . . يشهدون منابت البطولة ، ومدرسة الإيمان وذكريات أمجادهم العظيمة ، هناك حيث سيقفون في عرفات ويقرؤون : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . . ) هناك آلا يتذكرون قبلتهم الأولى . . . ؟

آلا يسمعون البيت العتيق يصرخ في وجوههم أنكم آثمون . . آثمون إذا بقيت القدس مهانة ، والقبلة ذليلة ، والمآذن خرساء منكوبة .
آلا يسمعون الأنين الباكي من الكعبة الشريفة ، أنين اللوعة والشوق إلى الصخرة المشرفة ، إلى مسرى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، نعم . . كأني أسمع جلجلة الصوت الغاضب هناك . . الصوت الذي يهتف بالجموع الحاشدة من المسلمين ، والتي جاءت إلى مكة تائبة . . . كأني اسمع الصوت الجريح يصرخ في وجوههم . . لكأني أسمع استغاثات باكية من القدس المنكوبة ( أيتها الآلاف . . يا من جئتم إلى ربكم تائبين . . يا من أتيتم إلى البيت عابدين أنسيتم فرض الجهاد عليكم ؟ أنسيتم ضرورة الدفاع عن مقدساتكم ؟ أهانت عليكم حرماتكم ؟ )

أيحل الخصام والشقاق والتخاذل ، بدل الوحدة والألفة والاستعداد ؟
أيكون الضياع والذل والعار، بدل الفوز والعزة والانتصار ؟
أتبقى قدسكم ذليلة ؟ أيبقى البيت مهانا ؟ أتبقى المآذن خرساء ؟ أيبقى الكفرة الظالمون يعيثون في أرضكم فسادا ؟
ماذا تقولون غدا لربكم ؟؟
أيها الحاجون لبيت الله ، ماذا أنتم صانعون بمستقبلكم ؟ ويبلغ الصوت مداه البعيد . . تهتز له الجبال ، تثور له البحار ، انه صوت ربنا العظيم الذي أكرمنا.
إنها مناسبة كريمة ، تحيي القلوب . . وتشحذ الهمم . . وتعيد الثقة . . وتزهر الآمال ، إذا كانت خالصة لله ، إذا كانت انسلاخا من كل فساد .

((والبيت العتيق يظل يجلجل غاضبا : عودوا إلى دياركم ، غير مأجورين ولا مقبولين ، حتى تحرروا أرضكم من الظالمين والمحتلين ، وتحرروا أنفسكم من كل فساد أثيم . ))

من الجدير أن أذكر أن هدير التلبية المقدس ( لبيك اللهم لبيك ) الذي تضج به الصدور ، وتنطلق به الحناجر ، لم يكن في شرعة الإسلام ، إلا عنوان توجه المؤمنين الصادق إلى عالم الغيب والشهادة ، والإعلان القوي المدوي ، عن اعترافهم له بالربوبية ، وتوحيدهم المطلق لذاته والإقرار بأنه هو المنعم المتفضل وانه مالك الملك الجدير بكل حمد وشكر . .
وبعد ذلك . . ألم يكن من كريم فضل الله . . . وسعة رحمته وإحسانه أن يهيئ لعباده مواسم خير ينظر بها إليهم ، ويعيد أكفهم التي رفعت إليه . . مملوءة بالمغفرة والعطاء ، ويجعل من دموعهم التي سكبوها ، وزفراتهم التي صعـّـدوها . . معالم نور في حياتهم . . تضيء لهم الطريق . . وتهون عليهم الصعاب . . وترقى بهم إلى مدارج الخير . .

ومن الجدير أيضا أن أذكر التكبيرات التي شرعت في العشر من ذي الحجة والعيد ترسيخا لكل معاني العبودية لله وتحرير المؤمن من كل عبودية لسواه ، ومن كل خوف إلا منه ، فهو أكبر من كل كبير ، وأعظم من كل عظيم . . . و لأمر ما شرع هذا التكبير في العشر من ذي الحجة والعيد الأضحى . .

آلا ما أحوج أمتنا وقد ران على حياتها ما لمثله يذوب القلب ن وتتقرح الأكباد. . . أن تستشعر عند العيد معنى التكبير. . ما أحوجها والعدو ينتقصها في أرضها ووجودها ، أن يكون لها من ( الله أكبر ) في الآذان ، ما يذلل الصعاب ، ويقضي على بواعث الدعة والوهن . . وإننا لا نملك أكثر من الكلمة نسلمها إلى الطريق عسى أن تصل إليكم ، لنسأل الله الذي لا رب غيره ولا خير إلا خيره ... أن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدا . . حتى تعود ـ بالإسلام ـ سيرتها الأولى فتكون لها الكلمة المسموعة في أرضها وفي العالمين ؛ وأثناء ذلك يكون العيد عيدا بحق ، والتكبير تكبيرا بحق ، وتنتهي ظاهرة:
فلا الآذان . . آذان في منارته
إذا تعالى . . ولا الآذان آذان .


آلا إن وعد الله لا يخلفه . . وسننه في الكون ماضية لن تجد لها تحويلا ولا تبديلا . . آلا وإن وعده بالنصر والتمكين والاستخلاف للمؤمنين الصادقين المستضعفين قائم ما قامت السموات والأرض ، شريطة أن يكونوا على المنهج الذي رسم ، وعلى الطريق التي أوضح لهم معالمها . . فعسى أن نبرهن من خلال الاغتصاب والعدوان ، وظلام المآسي والنكسات ، وغبار التنكيل والتعذيب ، وشدة الكرب في قلب الحقائق والأذى والتشريد . . و لصوصية الفكر قبل لصوصية الأرض . . عسى أن نبرهن من خلال ذلك كله . . منطلقين من روح الحج . . مؤتمر الحق والعبودية لله أننا ما نزال جديرين بأن يتحقق فينا من جديد قول الله القادر القهار : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) .


.
.
ام المظفر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-12-2007, 02:09 PM   #2 (permalink)
صديق ماسي
 
الصورة الرمزية المبتسم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 3,036
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 63
شُكر 16 في 9 موضوع
المبتسم is on a distinguished road
افتراضي

__________________


نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المبتسم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع


الساعة الآن 07:35 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.3, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68