دأبت بعض الأقلام الساحاتية على استعداء السلطة ضد الطائفة الشيعية في المنطقة الشرقية والتي كان من آخرها دعوة "الأخ أكاي" لمطاردة أحد الوجوه الشيعية المصنفة إعلامياً ضمن "سرب الاعتدال" وهو الأستاذ / حسن الصفار, ولا أشك أن دافع الإخوة في دعوتهم هو الحرص على هذه البلاد وأمنها وعقيدتها , ولكني أحسب أن هذه الدعوات التحريضية ضد طائفة يقارب عدد أفرادها 700ألف يرقد معظم أفرادهافوق موارد أكبر مصادر الطاقة في العالم تصب في غيرمصلحة البلد وأمنه واستقراره كما أن فيها مخالفة "للنظرة الشرعية" الفاحصة لحقيقة الأوضاع الحرجة التي تعيشها منطقتنا في عالم ما بعد 11سبتمبر بعد احتلال العراق وإمساك اللوبي الصفوي لدفة الحكم هناك بالإضافة للتهديد الأمني الذي تشكله مجموعات القاعدة في الداخل .
ويبدو لي أن وجهة نظر هؤلاء الإخوة تتلخص في بيان المخالفات الشرعية للرافضة والمطالبة بإعمال القبضة الأمنية ضد عامة أفراد الطائفة "بلا تفريق" بحجة تبعيتهم المذهبية "الحتمية" للعمائم الإيرانية في إيران والعراق , بل والجزم بعمالة كل شيعي لإيران , والربط بين مليشيات الموت العراقية والطائفة الشيعية في السعودية , وبالتالي فعلى الدولة أن تضرب بقبضة من حديد على كافة الزعامات الشيعية حتى تلك التي تدشن خطاباً إعلامياً معتدلاً نوعاً ما, ويمارس هؤلاء الإخوة الفضلاء "خلطاً معتاداً" يجعل من الموقف العقدي والفكري لأي طائفة "مسوغاً شرعياً" لضرب هذه الطائفة أو تلك وظلمها والتضييق عليها ....وهذا "الخلط" موجود في الجهة المقابلة في إيران والعراق من قبل رموز النظام الصفوي ضد أهل السنة ولكن الفرق الجوهري بين الطرفين أن الطرف الصفوي يمارس هذا الإقصاء والتصفيه بمكر وخبث "وقدرة" فيرفع القوم شعارات الوحدة الإسلامية الزائفة وهو يمارس ألوان التصفية الجسدية والفكرية على الأرض , بينما يمارس الطرف الأول إقصاءً ضد الشيعة دون أن يقدم على الأرض خطوة سوى صورة متواضعة لتيار فكري لا يستأسد إلا على الشيعة وفي أوقات محددة وفق " ظروف المرحلة" , كما يعكس صورة غير محببة لتيار إسلامي مبغض للوحدة والاجتماع .
والذي لا أشك فيه من خلال احتكاكي واطلاعي على كتب القوم ومواقعهم أن الشيعة ككل الطوائف فيهم المعتدل والمتطرف والمنسلخ عن مذهبه , ولاريب أن السطوة السياسية والمادية للنظام الإيراني ساهم في تقوية وتضخيم "رجال إيران" في الخليج , وتهميش المرجعيات الشيعية المعتدلة , ساعد في هذا التحريض السني الذي دفع بالجيل الناشىء من الشيعة لأحضان المذهب الصفوي وعزز الصورة السلبية عن أهل السنة , فالخطاب السلفي المعاصر الذي اكتفى بتكفير الشيعة وجمع كفرياتهم في رسائل وكتب وأكد على هجرهم ومشروعية التضييق عليهم...دون أن يدلف لخيار الدعوة والحوار واللين معهم إلا مؤخراً , فضلاً عن أن يقدم مشروعاً إسلامياً واقعياً يكفل لهذه الطائفة أو غيرها العيش الكريم في ظل الدولة "السنية" الإسلامية ..ساهم هذا كله في توسيع دائرة النفوذ الصفوي داخل الأقليات الشيعية في الخليج , مع أن هذا الجانب عُني الاسلام بتنظيمه فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة كان أول ما قام به كتابة الصحيفة تنظم العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم من الطوائف كاليهود , ولئن كانت الدولة الإسلامية حوت مشروعاً ينظم علاقاتها مع كل الطوائف التي تعيش تحت ظلها كاليهود والنصارى أو ما اصطلح على تسميتهم ب "أهل الذمة" فوجود "ميثاق إسلامي" ينظم العلاقة بين أهل السنة وغيرهم من "أهل القبلة" من باب أولى .
استطيع أن ألخص ورقتي النقدية تجاه طرح هؤلاء الإخوة لفضلاء في نقاط محددة فأقول :
1_ أن "تجريم" كل الطائفة الشيعية بشكل مطلق خلاف العدل المأمور شرعاً , فمن أظهر الاعتدال والحرص على وحدة البلاد وأمنها فيُقبل منه ويشكر على موقفه , لا أن نجتهد في تخوينه وتضييق الخيارات أمامه فإن كان قولاً سيئاً قلنا "هذه حقيقة الرافضة , وإن كان قال كلاماً جميلاً قلنا " لا تصدقوهم...هذه عقيدة التقيه ..!! , بل ينبغي تشجيع هذا الطرح والمطالبة بالمزيد , وأما البحث عن "الخفايا" و"ما خلف الكواليس" فهذا من اختصاص الجهات الأمنية وليس من شأن المفكر والمثقف وطلاب العلم.
2_ لو افترضنا أن تيار الصفار ومن معه لا يعدون إلا "النسخة المنقحة" للتيار المتطرف الشيعي الذي يدعو للصدام , فبعض الشر أهون من بعض , إذ أن الطموح الشيعي انتقش هذه الأيام ومن الحماقة استفزازه عبر مطالبات مثالية غير واقعية بالضرب بهراوة أمنية ضد الرموز المعتدلة .
على أحبتنا وإخواننا أن يعلموا أن العالم أصبح قرية واحدة , وأن بلاد الحرمين تعيش وضعاً استثنائياً حرجاً بسبب كارثة 11سبتمير التي أدخلت هذه البلد في "قفص الإتهام" وملف "الأقليات" من أكثر الأوراق الرابحة للمستعمر الغربي في إيجاد موطن قدم له داخل بلاد المسلمين , والخطاب الشرعي الذي يؤجج هذا الملف يقدم دعماً معنوياً غير مقصود للمتطرفين في المعسكرين الصفوي والصهيوني.
3_ أتمنى من الإخوة الكرام أن يطرحوا "خطاباً واقعياً" في التعامل مع الشيعة على هدي من الشرع المطهر فلئن كنا نتمنى أن يهتدي كل شيعي لمذهب أهل السنة فإن هذا ليس بالخط الأحمر الذي يمنع من تنظيم العلاقة بيننا وبينهم فإما أن يهتدي القوم أو نبيدهم أو نضيق عليهم فهذا لو سلمنا للمخالف بمشروعيته فإنه سيسلم لنا باستحالة تحقيقه في واقعنا المعاصر , فما المانع من الحوار مع الشيعة الإمامية والصوفية والاسماعيلية لا بالضرورة لدعوتهم لمذهب أهل السنة وإن كان هذا مطلوباً ولكن على الأقل لإيجاد "إطار واقعي شرعي" للتعايش بيننا يكفل العيش الكريم للجميع وفق "دستور" هذا البلد المعلن وهو الشريعة الإسلامية , فالإخلال بدستور هذا البلد عبر ممارسات غير شرعية كسب الصحابة رضوان الله عليهم على المنابر أوغيرها لا يمكن القبول بها بحجة الحوار وقبول الآخر.
ولئن كانت هذه الدعوة للحوار في نظر بعض الفضلاء "غير ممكنة" وتشكل بالنسبة لهم "حرجاً شرعياً" فلا أقل من مراعاة الظرف السياسي والتاريخي للمنطقة بما يكفل حفظ أمن هذه البلاد , والتي يجمع العقلاء على أن أمنها واستقرارها يعد درعاً لأهل السنة مهما اختلفت آراؤهم ومشاربهم في كيفية إصلاح مواطن الخلل فيها.
إن حشر طائفة بهذا العدد وفي هذا المكان الاستراتيجي في زاوية التجريم والتخوين دائماً يرفع من أسهم التيارات المتطرفة داخل الطائفة " و يؤكد ويعزز "المظلومية" التي يرفعها أذناب إيران كعلي الأحمد في المحافل الدولية , والذي يتفق مع "توجهات" و"تيارات" غربية تدفع بالملف الطائفي كتذكرة دخول لاحتلال آبار النفط .
علينا أن نتدبر أمورنا جيداً وأن نطور من "آليات" و"أدوات" أحكامنا على الأوضاع , لئلا نسيء من حيث أردنا الإحسان , ونفسد من حيث أردنا الإصلاح .