حالة انسجام
ما من دين ،سماويًا كان أم غير سماويّ إلا جعل تطهير النفس البشرية أولى مقاصده.
وتطهير النفس البشريّة لا يكون بنبذ الجسد وفق المنظور الإسلامي بل بخلق حالة تكافؤ وانسجام بين الروح والجسد فيتكاملان ولا يتعارضان ، وانسجام بين الفرد والآخرين فيتوافقان ولا يتعاديان.
ولخلق حالة الانسجام هذه لا بدّ من التعرّف إلى خصائص النفس البشريّة ، سيّما تلك التي تحول دون تحقيق هذا الانسجام.
فكيف وصف القرآن الكريم النفس البشريّة؟
قال تعالى عن الإنسان :
( إنّه ليؤس كفور)
قال تعالى: ( إنه لفرح فخور)
(إنّ الإنسان لظلوم كفّار)
(وكان الإنسان عجولا)
وكان الإنسان قتورا)
(وكان الإنسان أكثر شيء جدلا)
(بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)
(إنّ الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى)
إذا كان هذا هو الإنسان بنقائصه البشريّة، يحبّ الخير ويستعجله، يميل إلى الجدل،أنانيّ جحود للفضل ، بخيل بالعطاء ضنين على النعم،كثير الدعاء والإلحاح متى احتاج وطاغ جبّار إذا قضى حاجته. فإنه حقاً إنسان في غاية الأنانية ، ومثله لا يستطيع تحقيق الانسجام مع الذات أو مع الخلق ليحيا بسلام.
إنّ من جليل مقاصد الحج تطهيره من هذه الآثام وتهذيب نوازع الفطرة البشريّة حين تميل كلّ الميل وتأخذ أقصى الطرف .
الإنسان القنوط اليؤوس يستعيد الأمل هناك. مهما انقطعت الأسباب فعند المؤمن سبب يدفعه للتفاؤل أبداً : إنها قدرة الله الرحيم. تطوف فتدعو، وتشرب من زمزم فتدعو، تقف على عرفة وتدعو . تعلم أنّ الله معك في كلّ لحظة ولن يخذلك أبدًا ولو خذلتك الدنيا كلّها.
الناس كلهم يريدون منك ، وأنت تريد من الله. سعيد أنت حقًا إن كنت تريد من الله.
والإنسان المحبّ الخير يستعجله ، يدرك الآن أنّ الله وحده مصدر هذا الخير ، وما دام الله رقيبه وحسيبه فالله أعجل إلى الخير منه إن كان خيراً.
والإنسان القتور ينفق المال فينحر ويطعم ويتخلّص من سطوة البخل .
والإنسان الظالم الكفور يصيح ملء فيه: لبيك اللهم لبيك ، معترفاً بفضل الله ونعمته مقرًا بسلطته وحده سبحانه .
والإسلام بعد أن يعنى بالجوهر كلّ هذه العناية ويطهّر النفس من هذه الخبائث والرذائل ، ليخلق إنسانًا نقيّاً من كل أدران الأنانية ، يدرك أنّ حالة التطهير لا تكتمل إلا بتحقيق الانسجام بين الروح والجسد ، فيأمر بطهارة الجسد، وبمظهر منسجم مع نفس بشريّة جديدة فقيرة إلى الله، متواضعة لله، متفائلة بالله،حامدة الله.
وما الصدق في أعلى رتبه إلا حقيقة هذا الانسجام. وما النفاق في أجطّ رتبه إلا التنافر بين المظهر والجوهر . والصدق أعظم قيم الإسلام وأجلّها مثلما النفاق أوضع الصفات وأحقرها.
والإنسان الفاجرالذي غرّته قدرته وغرّته عظمته ، يستوي هنا مع الجموع ، فإذا هو مثلهم فقير إلى الله ، متضرّع إليه. وإذا هو مجرّد جزء من أجزاء هذا الكون المتناغم المنسجم يدور مع شمسه ويسالم *****اته فلا يصطادها ، وإخوانه البشر فلا يسيء إليهم ، بل لا يجادلهم ، فهو في أرض السلام وموقف السلام الكامل.
فكما الحج مطهرة للفرد المسلم ،سلام لروحه وطمأنينة ، هو كذلك مطهرة للجماعة ، عندما يحقق هذا الاجتماع العظيم التعارف والتواصل بأرقى صورة وأكمل مشهد: مشهد الاتفاعل والانسجام بين الخلق في أطهر موضع وأقدس مكان. صورة عن عالم المثل الكوني لو تخيّلها أفلاطون!.
__________________
5]مدوّنتي[/size][/font][/color] إسلامنا عزّنا
[/url] مؤسسة القدس الدولية لدعم فلسطين
ساهم معنا
رقم حساب :
بنك بيروت (بيروت-لبنان) 1140166059500
فرست ناشونال بنك (الحمرا-بيروت-لبنان) 116946[/color]
|