تُذكَرُ عن أحد الحكماء أنَّ تلميذاً له عتَبَ عليه لِم لم يذكرْه و يُشهرَ بعلمه عند الناس و قد شهَّر بمن دونه ، فقال له : تكلمْ حتى نراك .
كثيراً ما ينتقدُ البعضُ على الناسِ عدم معرفتهم بفضله و ما يحويه من معارف و ما أُلْهِمه من إبداع و مواهب ، و يجعل ذلك كلَّهُ مُلْقَىً في سُوْحِ الغيرِ .
إنَّ الناسَ تعرفُ ذوي الفضل ، و تحترم الفِكرَ ، و تضع الشخصَ في محلِّه ، متى كان هو واضعاً نفسَه في ذلك ، لكن لما يضع الشخصُ نفسَه في محلٍّ ليس له ، أو يُظهرُ نفسَه في غير صورتها الحقيقية سيتنكَّر الناس لما لديه لأنه تنكَّرَ هو قبلَهم .
كثيرون هم أولئك الذين لَم نرَ منهم أيَّ شيءٍ يدُلُّ على ما لديهم مِن قُدُراتٍ ، فبقوا في غَيْبتهم عن الحضور ، و لاموا الناسَ إذ أغفلوهم ، و ليسَ علينا لومٌ لأننا لم نعرف شيئاً .
كم من الأصواتِ المناديةِ للإبداعِ و لكن بِصمتٍ ، فلا يُسمعون إلا أنفسَهم ، و لا يَظهرون إلا في دواخلهم ، و لو أسمعوا الناسَ لأسمعوهم ، و لو ظهروا لهم لأظهروهم ، الناسُ تُعطي الشخصَ كما يُعطي لنفسِه ، فإن أعطاها حقَّها في الإبداعِ أعطوه الارتفاع ، و إن أعطاهم القُدرات أعطوه القَدْرَ ، فلا تبذل الناس إلا لمن يبذل .
إخبارُ الشخصِ عن نفسِه و قُدُراتِه مِن أهمِّ قواعد التألُّقِ و الإبداعِ ، و يسوقه ذلك إلى التحليق في سماءِ النجاح ، لأنَّ بذلك سيكون عارفاً لما لديه فيسعى ليغتنِمَه أحسن اغتنامٍ ، و يستغلَّه أفضل استغلالٍ .
في علم النجاحِ ما يُسمَّى بـ : " الترويج للذات " و أُسَمِّيْه " التسويقُ الذاتي " ، و هو كالتسويقِ للمبيعاتِ ، فلتكُن مواهبنا بضائعُ نعرضها بَيْعاً في سوقِ الحياةِ .
مَتى يعرف الشخصُ نفسَه و يُدرك قُدرَتَها سيكون له نظرةٌ أخرى لحياته ، و يكون للناسِ رؤيةٌ جميلةٌ عنه و له ، و لكن يبقى السؤال : متى ذلك ؟
المُشكلةُ التي نواجهها تجاه ذواتنا تكمُنُ في شيئين :
الأول : عدمُ معرفتنا لحقيقة ما نحملُه في دواخلنا ، فإنَّ الإنسانَ خلقَ الله فيه العجائب ما يُمكنه من أن يصنعَ الكثيرَ ، و حينُ يقفُ على تلك القُدرات العجيبة الخارقة سيكون له تأثيرٌ مُنقَطِع النظير ، في حياته .
و تَزْعُمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغيرٌ=و فِيْك انطَوى العالَم الأكْبَرُ
مهما عرَفَ الشخصُ عن نفسِه فيبقى في جهلٍ بها ، لأنَّه سرٌّ عظيمٌ لا يُدْرَكُ منه إلا القليلُ { و ما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً } .
من حقِّ الذاتِ علينا أن نبحثَ عن كوامنِ الإبداعِ ، و عن جواهرِ الذكاء ، و عن الشخصية الحقيقية لنا في دواخلِ ذواتنا ، ما الذي يُمكن أن يضمنَ لنا إبداعاً ، و ما الذي يجعلُ لنا أثراً في العِمرانِ ؟!
الثاني : غِيابُ إيقاظ تلك القُدُرات ، قد يُدركُ البعضُ ما عندَه مِن قُدُراتٍ و قُوىً خارقة من الذكاءِ و الإبداع ، و لكنَّه دفنها في مهدها ، و ربما قتلها بسكين الغباءِ و الجهلِ .
لا عُذرَ لعاقلٍ في تغييبِ قُدُراتِه عن واقعِ الحياة ، و لا في دفنها في بُؤَرِ الموتِ المعنوي .
إذنْ ، فحتى نرى من الناسِ ما تستحقُّه ذواتنا بحقٍّ يجبُ أن يروا منَّا ما يُثْبِتُ لديهم ما يُؤهلَنا لذلك .
فالقاعدة ليعرفنا الغير : أن نعرفَ ، ثُمَّ نُوَظِّفَ .
ع . العُتَيِّق