كذب المنجِّمون... ولو صُدِّقوا
إعداد: منال سروجي
قال الله تعالى في القرآن الكريم: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على مُلكِ سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشياطين كفروا يعلّمون الناس السّحرَ وما أُنزل على الملكين ببابل هاروتَ وماروت وما يعلّمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحدٍ إلاّ باذن الله ويتعلمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شَرَوا به أنفسهم لو كانوا يعملون) [البقرة: 102].
يلجأ الكثير من الناس إلى التنجيم من خلال اللهاث وراء ادِّعاءات العرّافين المشعوذين؛ بل إن الكثير من هؤلاء يؤخّر القرارات المهمة في حياته انتظاراً لما سيقوله له المنجِّمون في هذا الصدد.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أليس من الغريب أن تصمد الخرافات في عصرٍ ساد فيه العلم وتقدّم أشواطاً كبيرة؟ والذي يدعو للعجَب أكثر فأكثر أن يتهافت بعض المسلمين على هذه الأعمال مع أن في التشريع الإسلامي حصانة كافية وحماية أكيدة لكل أشكال الدجل التي يأتي بها المنجِّمون والعرّافون، بل إن الحكم الذي بيّنه الرسول في هؤلاء أكبر رادع لكل مسلم كي يجتنب مدّعي الغيب من أصحاب الدجل؛ فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "مِن أتى كاهناٍ أو عرّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد".
ما هو التنجيم؟
التنجيم هو التصوّر الذي يحاول وضع علامة بين الأجرام الفلكية والأحداث الأرضية. ويقوم بدرجة أساسية على رسم خريطة البروج أول الطوالع لكل حدث، وهو عبارة عن رسم موقع الأرض والكواكب والبروج النجمية في وقت الحدث الذي يكون عادة ذو أهمية في وقت الميلاد أو الزواج. وفي هذا الرسم يتم التنبؤ بالأحداث التي تترتب على ذلك الحدث وتُلحق الشمس والقمر بالكواكب في التنجيم. وهناك عدّة افتراضات وتنبؤات لمن يولد أو يتزوج أثناء الاقترانات المختلفة لتلك الأجرام لذلك يهتم المنجمون كثيراً باقتران الكواكب والمجموعة النجمية (البرج)الذي يحدث فيها الاقتران.
البداية:
كان اليونانيون القدماء أول من وضع أسس التنجيم التي لا زالت تستخدم حتى الآن، أما أهل بابل فقد اشتهروا به حيث تمّ اكتشاف قوائم للنجوم يرجع تاريخها إلى 1800 ق.م في بلاد ما بين النهرين، وعلى أساس هذه القوائم استطاع البابليون أن يتكهنوا بحوادث فلكية مثل خسوف القمر وكسوف الشمس وطلوع وغروب الأبراج وحركات معيّنة للأفلاك. وكذلك رصد الفراعنة واليونانيون والرومان والهنود -على نحو متشابه – السماء، واحتفظوا بسجلاّت مفصّلة عن الحوادث الفلكية، ومن خلال هذه السجلات بنَوا تقويمهم ونظّموا نشاطهم السنوي، ومن الأرصاد الفلكية أصبح من المعلوم أن حوادث معيّنة على الأرض تبدو متزامنة مع حوادث سماوية وكان الاستنتاج الطبيعي أن الأجسام السماوية تقوم بدور مهم في تسبب هذه الحوادث وغيرها على الأرض.
إنّ الاعتقاد بأن النجوم السماوية تؤثر في الحوادث على الأرض أدّى بسرعة إلى فكرة إمكانية الاعتماد على الأجرام السماوية للتنبؤ بما سيحدث في المستقبل.
وهكذا أنجب علم الفلك "التنجيم"، وما لبث أن اختار الملوك والرؤساء منجِّمين في بلادهم لاستشارتهم بشؤون قومية ومصيرية كالحرب والأنباء المستقبلية في دولهم. أما عامة الناس فكانوا على نحوٍ متشابه يستشيرون المنجِّمين بكل ما يتعلّق بحظوظهم الشخصية.
وفي بابل جرى تصدير التنجيم إلى مصر وآشور وفارس وشبه الجزيرة العربية.
وفي الشرق كان للهندوس والصينيين أنظمة خاصة بتنجيمهم.
وبحلول القرنين الرابع والخامس عشر حَظي التنجيم بقَبول واسع في الغرب وجامعاته التي قامت بإدخاله في المناهج الدراسية، وهو يتطلّب معرفة كلّية باللغات والرياضيات. وقد بقي التنجيم إلى يومنا هذا معمولاً به سواء على صعيد الرؤساء أو عامة الشعب في الدول المتقدمة أو الفقيرة؛ فإن هذه الحِرفة الغامضة لا تزال تمارس نفوذاً واسعاً في العالم.
فوائد النجوم:
لقد أدّى الخلط بين مفهومَيْ "علم الفلك" و"التنجيم" عند عامة الناس إلى تكوين نظرة سلبية عن علم الفلك؛ حيث يعتقد البعض بأنه ضرب من ضروب التنجيم أو طريق لتعليم التنجيم المنهيّ عنه في الشريعة الإسلامية. فعلم الفلك ليس من التنجيم بشيء وإن كان المنجمون يستخدمون بعض حساباته أو مفاهيمه، وهو كبقية العلوم؛ فقد كشف العلم عن فوائد كثيرة للنجوم، منها تحديد الاتجاهات ومواقيت وبدايات الفصول وهبوب الرياح أو هطول الأمطار. وبرغم ورود ذِكر النجوم والكواكب وأحوالها في القرآن الكريم عدة مرات، إلا أن الله تعالى لم يرشدنا إلى الاستدلال بهذه الأجرام على الحوادث الأرضية، وقد ذكر سبحانه وتعالى أن للنجوم فوائد تنعكس على الإنسان لجهة عبادته لربِّه وما يتصل بحياته، فأرشد سبحانه العباد إلى الاهتداء بالنجوم لمعرفة الاتجاهات، فقال تعالى

وبالنجم هم يهتدون) [النحل]، وبيّن أن في حركة الشمس والقمر أعلام بالسنين والأيام، قال تعالى:{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب . ما خلق الله ذلك إلاّ بالحق يفصّل الآيات لقوم يعلمون) [يونس]، وبيّن أيضاً أنه جعل النجوم في السماء زينة تتزين بها وجعلها أيضاً رجوماً ترجم بها الشياطين من مسترقي السّمع قال تعالى: (ولقد زيّنّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) [المُلك: 4].
وأمر سبحانه العباد أن يتفكروا في هذا الكون العظيم بسمائه وأرضه، بنجومه وكواكبه ليكتشفوا عظمة هذا الخلق وعظمة خالقهم سبحانه فقال تعالى: (أوَلم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأنْ عسى أن يكون قد اقترب أجَلهم فبأيِّ حديثٍ بعده يؤمنون) [الأعراف: 185].
هذه هي فوائد النجوم بالنسبة للإنسان في مقابل حال المنجِّمين في الكذب والدجَل، ولا علاقة لذلك بما يدّعيه العرّافون والمنجمون بقدرتهم على معرفة الغيب من خلال حركة النجوم. وفي هذا السياق فإن الفلكي البريطاني السير "مارتن ريس" يشكِّك في كل ذلك ويؤكد أن قراءة الأبراج لا يمكن أن تخبر عن حقيقة أشياء ستحدث لشخص ما في المستقبل، وأن الذين يعتقدون في قراءة صفحات الأبراج ونبوءاتها أشخاص حمقى.
والمثقفون أيضاً:
على عكس ما يُتصوَّر، فإن الإيمان بهذه الخرافات والاعتقاد بها لا يقتصر على شعوب البلدان الفقيرة وأبناء الطبقات المعدَمة أو الأميين وجَهَلة الناس فقط؛ إذ تشير تقارير علمية إلى أن الإيمان بهذه الخرافات والاعتقاد بها ينتشر على نطاق واسع في المجتمعات الغربية والشرقية على حدٍّ سواء، ولا فارق بين المدنية والتقدم أو التخلف أو الغِنى والفَقر في هذا المجال.
فقد أشار تقرير لمعهد (بورسبيز) للأبحاث عن سوق التنجيم في إيطاليا أن المدنية والتقدم لم تفلحا في القضاء على الخرافات والمعتقدات الغربية المتأصلة في نفوس الإيطاليين منذ أقدم العصور، وحسب التقرير فإن عدد الذين يرتادون المنجمين يتراوح ما بين 10- 12 مليون شخص معظمهم من النساء. والرؤوساء أيضاً لديهم عرّافون يعتمدون عليهم:
فالرئيس الفرنسي السابق "مِتيران" كانت له منجِّمة تعمل ضمن فريق العمل السياسي وهو ما كشفته العرّافة الفرنسية (إليزابيث يتسيه) حيث تعزّزت مكانة العرّافة أكثر بعدما تنبأت له بوقوع حرب في بداية التسعينات، فكانت حرب الخليج الثانية.
والرئيس الروسي "يلتسين" أيضاً كانت له منجِّمته الخاصة به تطلعه على أهم التوقعات والتنبؤات.
وكذلك الرئيس الأميركي "ريجان"؛ فقد استولت على عقله وعقل زوجته عرّافة.
ومع زيادة التطور والتقدم والانفتاح على المجتمعات الأخرى أصبح المنجِّمون يُعلنون عن أنفسهم في المجلات والصحف ووسائل الإعلام والمواصلات. وعلى الانترنت هناك مواقع مخصصة لهذا الدجل، وكل يوم يتم تدشين مواقع جديدة على شبكة الإنترنت خاصة بقراءة الكفّ والأبراج، فكان albumazar.jeeran.com أوّل موقع تنجيم في الوطن العربي: تقويم فلكي، تفسير وتحليل الهيئة الفلكية، تحويلات الكواكب وسيرها، التنجيم الدولي، الأبراج الشمسية...
وحتى القنوات الأرضية والفضائية تروّج لهذا الدجل، مثل قناة المرأة العربية "هي" وقناة "شهرزاد" وتلفزيون "المستقبل" والـ "LBC".
فعلى سبيل المثال تعمل في قناة "هي" في مجال التنجيم امرأة محجبة؛ حيث تتلقى اتصالات الناس وتدّعي أنها تكشف لهم عن أحداث المستقبل، وذلك عن طريق البطاقات وبعض الحسابات على الآلة الحاسبة!!! والغريب أن هذه المرأة تختتم كلامها بعبارة: "حسب ذمّة علماء الفلك" كما تقول "والله أعلم" والدين الإسلامي بريء من هذه الأعمال.
وعلى تلفزيون الـ "LBC" يطلع ميشال حايك سنوياً على المشاهدين ويدّعي الاطلاع على الغيب؛ ومن الناس – مع الأسف – مَن يقوم بتسجيل حلقاته تلك ليتأكد بعد ذلك من صحة كلامه، أو لينتظر الحدث ويأخذ الحيطة والحذر إن كان نذير شؤم. علماً بأنه لا عبرة بمصادفة وقوع ما يتنبأ به، فالمعوَّل عليه في علم الغيب فقط ما أخبر به الله ورسوله.
وهذا مصداقٌ لما أخبرت به السيدة عائشة رضي الله عنها عندما قالت: سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والسلام ناس عن الكهّان فقال: "ليس بشيء" فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدِّثوننا أحياناً بشيءٍ فيكون حقّاً، فقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: "تلك الكلمة من الحقّ يخطفها الجنّي فيقرّها في أذن وليّه فيخلطون معها مائة كذبة". وهذا دليل على أن كل من يقوم بأعمال التنجيم والسحر والتبصير وما إلى ذلك يتعامل مع الجن... فليحذر العقلاء وليكونوا على يقين بأنه لا ينفع ولا يضرّ إلا الله، ولا يعلم الغيب سواه عز وجل، يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "لو اجتمعت الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف".
انتبهوا من الـ 1006: