من العودة إلى ا بن لادن: الإسلام بين منهجين
عمان/محمد أبو رمان 4/9/1428
16/09/2007
http://www.islamtoday.net/albasheer/...79&artid=10135
"ألا يسعك ما وسع محمدًا صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، أين الرحمة في قاموس الحرب والتفجير والقتل والتدمير واستهداف الأبرياء من عوام المسلمين؟ هل اختصرنا الإسلام في رصاصة أو بندقية؟ وهل صارت الوسيلة هي الغاية؟.."..
عميقة وغزيرة معاني ودلالات تلك الكلمات في رسالة المفكر الإصلاحي السعودي د. سلمان العودة إلى زعيم القاعدة أسامة بن لادن.
رسالة العودة، تتضمّن منهجاً مختلفاً في فهم الإسلام، يبتعد عن الانزلاق المرعب الذي وصلت إليه القاعدة من تلغيم صورة الإسلام بجعله أقرب إلى رسالة احتجاج سياسي، لا تفرّق بين كبير ولا صغير، أو مدني ولا عسكري، تغولت بأبعادها السياسية على مقاصد الإسلام وروحه في نشر العدل والرحمة والهداية بين الناس أجمعين. وهي الملاحظة ذاتها التي يلتقطها د. فهمي جدعان، في كتابه "في الخلاص النهائي"، إذ يعتبر تغليب "الهاجس السياسي" في تصور الإسلاميين بمثابة "حيدة" عن الإسلام ومقصده الأساسي وهو "العدل المؤسس على المصلحة"، وهو بمثابة "تدنيس للمقدس" الديني في الإسلام الذي يشكل عاملاً جاذباً لهداية ملايين البشر إلى أصول الرحمة والعدل والخير التي يقوم عليها هذا الدين.
فـ"رسالة القاعدة" وإن حملت في منطلقاتها غاية شريفة - "الدفاع عن المستضعفين" ضد قوى غاشمة، في ظل استكاف النظم العربية عن القيام بواجبها- إلاّ أنّ هذه الغاية شُوّهت وتبددت بعد أن ضلت القاعدة الطريق وضلّلت جموع الشباب الذين شعروا بانسداد الأفاق إلاّ من طريق العنف والعمل المسلّح، وأصبحت فكرة النكاية هدفاً وغاية بدلاً أن تكون "وسيلة مشروطة"، تستنزف أبناء وشباب الأمة قبل غيرهم، ويصيب أذاها الشعوب والمجتمعات العربية والمسلمة قبل الآخرين، سواء بتبدبد طاقات المجتمعات والشعوب أو الانشغال بمعارك جانبية على حساب الأهداف الرئيسة في التنمية والنهوض والتقدم، أو حتى مضمون الرسالة الإسلامية القائم على الدعوة بالحسنى.
ولعل السؤال الثاوي وراء رسالة العودة إلى ابن لادن، في الذكرى السادسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ هو: ماذا جنت الشعوب العربية والمسلمة من نشاط القاعدة وعملياتها خلال السنوات الماضية؟..
بالتأكيد لا يريد العودة تبرير الاحتلال ولا تسويغه، ولا التقليل من حق الدفاع عن الأرض والوطن في مواجهة الاحتلال والهيمنة، ولا تبرئة النظم العربية من الحال البائسة التي وصلنا إليها، لكنه يريد وضع فريضة الجهاد في موضعها الصحيح وشروطها المطلوبة، ومنطقها السوي، وسياقها الموضوعي، كي لا تشوّه مباديء الدين وقيمه في ذروة الصراع السياسي الداخلي أو الخارجي. وهو ما يطرح سؤال الفارق بين مفهوم الجهاد لدى القاعدة وأخواتها وبين ما يقوله العودة والإصلاحيون والعلماء الآخرون.
في هذا السياق ليست صحيحة مقولة القاعدة أنها القائمة على أمر الجهاد وأنها هي وحدها التي تحيي هذه "الفريضة الغائبة". فالشعوب والمجتمعات العربية والمسلمة فيها خير كثير، وهي قادرة على الدفاع عن نفسها، ومقاومة الاحتلال، في سياق شرعي وقانوني ووطني صحيح، دون تشويه معركة الجهاد وتمزيق نسيج الأوطان بخطاب وممارسة عدمية متشددة تقلب المفاهيم، ولا تخدم سوى الرسالة السياسية والإعلامية للاحتلال. فلطالما تعرّضت الشعوب العربية والمسلمة إلى الاحتلال والغزو ولم تتخل في أي وقت مضى عن واجبها في الجهاد والدفاع عن نفسها، وحركة مقاومة الاستعمار والاحتلال، حاضراً، خيرُ دليل على ذلك، ومقاومة الحروب الصليبية، تاريخاً، شاهدٌ آخر.
ويريد العودة، ثانياً، وضع أعمال القاعدة في ميزان مقاصد الشرع وفقه المصالح والمفاسد، وهو ما يتضح بصورة جلية في الفقرة التالية من رسالته: " من المسؤول عن تنشيط أفكار التكفير والقتل حتى تفشت بين الأسرة الواحدة وأدت إلى القطيعة والعقوق والتفكك؟ من المسؤول عن شباب ذهبوا للقتال وتركوا خلفهم أمهات مكلومات وزوجات حزينات، وأطفالاً يتامى ينتظرون بذهول عودة أبيهم؟ من المسؤول عن ملاحقة العمل الخيري والشك في كل مشروع إسلامي، ومطاردة الدعاة في كل مكان بتهمة العنف والإرهاب؟ ومن المسؤول عن اكتظاظ السجون بالشباب، حتى أصبحت هذه السجون مفرخة لموجة جديدة من التكفير والغلو والعنف والتطرف؟". فحصاد القاعدة ليس فقط مريراً (كما وصف الظواهري الإخوان المسلمين في كتابه "الحصاد المر")، بل هو كارثي وعدمي على المستويات كافة!
ما هو أسوأ من كل ما سبق أنّ أعمال القاعدة ونشاطها توفّر الذريعة الكبرى للأنظمة العربية لإغلاق طريق الإصلاح السياسي بدواعي الأمن والاستقرار، ما يزيد ويجذّر عناء الشعوب والمجتمعات العربية والمسلمة ويخلق حواجز جديدة في طريق الإصلاحيين المناهضين للاستبداد.
جرأة العودة وصراحته وغيرته على الإسلام والشباب العربي والمسلم تعكس حقيقة دور العالم والمفكر. فرسالة العودة موجهة - من زاوية أخرى- إلى الحركات الإسلامية التي تتردد في تحديد مواقف واضحة وحاسمة من العنف المشوه للإسلام، وتضحي بالوظيفة التنويرية والإصلاحية تحت وطأة الصراع السياسي القائم، دون أن تلتفت أننا - بذلك- نخسر من "رأس المال" بدلاً من تحقيق الأرباح.
المسألة، باختصار، ليست في مشروعية مقاومة الاحتلال والهيمنة أو حتى الاستبداد الداخلي، بل في بناء الاستراتيجيات القادرة على تحقيق هذه الأهداف وتحقيق نقاط في هذا الاتجاه لا في الاتجاه المقابل!
منقول عن الموقع الرئيسي