ها هي عقارب الساعة تشير إلى الموعد بالضبط ، الثالثة و النصف ، و قبيل الفجر بساعة ، أخذت تحدق فيها جيداً ، لا تأخير و لا تقديم ثانية واحدة .
تقفز من فراشها فجأة و بخفة دون أن يشعر بها احد فلقد تلقت أذنيها وقع خطى العصى و الذي يزداد شيئاً فشيء مما مكنها مع الأيام أن تحدد و بدقة متى يكون موقعه تحت الشرفة تماماً.
و لكن هذه الخفة في النهوض من الفراش لم تكن لتسعفها لتدلف إلى الشرفة الموصدة الأبواب و تتمتع برؤياه كما تشاء إذ بمجرد سماع صرير الباب يأتيها الصوت عالياً من أمها ينهرها عن الخروج إلى الشرفة في هذه الأجواء الباردة ، و أي عذر يمكن أن تختلقه لتبرر فعلها هذا .
أما في ليالي الصيف فكانت الأسباب و الحجج للسهر في الشرفة حتى الفجر أقوى و أسطع مما يمكنها من الجلوس كما تشاء .
لم تكن المدينة كما وطنها كله قد عرفت البث الفضائي المتواصل أربع و عشرون ساعة ، فكانت أجهزة التلفزة لأهل الحي الهادئ تُغلق جميعها مبكراً في موعد أقصاه الثانية صباحاً ! ، و لتنعم هي بهدوء اكبر حين يخلد الجميع إلى الراحة و النوم ، و تبقى لترقب ذلك الطائر الأبيض يحلق في السماء كانت تعجب من طيرانه وحيداً هكذا ، ربما لم تفلح في ذلك الوقت أن تدعوه لعالم الأرض ليسهر معها الليل على أنغام شوبان الهادئة ، هل لم تغره مثلاً طفولتها ذات السبع سنوات ، ربما ، لكن الإحباط لم يتسلل إليها فحلقت في سمائه و شاركته التحليق في عوالم أخرى بعيدة سنوات طوال .
فجأة تتوقف عن هذا الطيران لما عزفت على مسامعها ألحان أكثر عذوبة ، هكذا كانت دقات عصاه لتطغى على كل نغم جميل يملأ الأجواء حينها ، و من دون أن تشعر تغلق المذياع و تنصت لهذا اللحن المتميز و تملأ عينيها منه و لا تدري أيهما يشع نوراً يضيء جنبات ليلها وجهه المتألق دوماً أم جلبابه الأبيض الناصع ، أين يذهب في ذلك الوقت كل ليلة و الناس نيام ، ترقبه حتى تواريه ناصية الشارع و هو ينعطف يميناً نحو...
هناك على شاطئ الأسكندرية في محاولة للهروب من حر العاصمة الشديد القيظ ، تسرع فتيات العائلة للنزول إلى البحر بالزي الرسمي طبعاً ، فجأة تغادر المياه رغم سحرها و متعة البقاء فيها و ترتدي ملابسها سريعاً لتجلس على الشاطئ تبني على رماله قصور أحلامها .
لماذا ؟
لا ادري ، إحساس بالقرف ملأني من هذا المايوه.
تتعالى ضحكات الكبار ، بنت السبع سنوات "فاكرة نفسها كبرت" .
لم تعبأ بسخريتهم ، هي فقط أكثر إنسجاماً مع نفسها الآن و هذا يكفيها .
مع نسمة هواء تبعثر خصلات شعرها نظرت للبحر بعيداً ، تذكرته ، كم من الحنين شعرت به نحوه و تمنت العودة سريعاً لتنتظره في شرفتها كعادتها كل ليلة ..
لم يكن يقطع عليها متعة السهر و الذي عشقته منذ طفولتها و هذا السكون بالليل سوى صوت عم روبي ، والذي هو من أصل يوناني كمايقال ، و الصادر من الفيلا الملاصقة لبيتها ، خلفها كانت شجرة توت كبيرة ، كم من الأحاديث كانت بينهما و هي ترقب غروب الشمس خلفها كل يوم ، ولايعكر صفوها في هذه اللحظات سوى ذلك الجرو الصغير الذي يتمسك به عم روبي و كأنه الحارس الهمام لهذه الفيلا المتواضعة ذات الطابق الواحد ، فكانت تقذفه بالحجارة دوماً لتسكت نباحه النشاز فلا يزيده ذلك إلا شجاعة و إقداماً .
أو مجئ ليلى في ذلك الوقت عند جدها لتعزف على البيانو الذي احتفظ به خصيصاً من اجلها ،
لا باس إذن أن تجلس لتسمع الحان ليلى العذبة و ترقب مغيب الشمس ، و لا تنسى ليلى بالطبع أن تسدد لها نظرات قاسية لم تفهمها إلى هذا اليوم ، ربما كان سببها الغيرة، و هل تلمست ليلى رغبتها الدفينة في امتلاك مثل هذا البيانو فخافت من عملية سطو تقوم بها ، فلقد حالت أصول الأب المنتمية إلى الصعيد أن يمتلك مثل هذه الآلة في بيته كما حالت دون رغبة الأم في إلحاقها بمعهد الباليه !
و لكنها تحمد الله كثيراً أن الثانية على الأقل لم تحقق!.
لكن كانت دقات عصاه تقفز إلى مسامعها فجأة لتطغى حتى على عزف ليلى .
في نفس الوقت من الليل تقريباً كان عم روبي يتحدث أيضاً و لكنها لم تهتم كثيراً بالبحث و التدقيق فيما يقوله و يبقى هكذا إلى آخر الليل و لم تره يغادر داره مثل هذا الرجل .
كل ليلة تعقد العزم أن تنتظر بالشرفة حتى عودته و تخونها عيونها حين تسمح للنوم أن يمارس سلطانه ليسلمها إلى سبات عميق تستيقظ معه في الظهيرة.
لا بأس ، لن أغادر الشرفة و سأنتظره و إن غلبني النوم فليكن هنا إذن ،
و تنجح المحاولة أخيراً ، فما يأتي النجاح أبداً إلا بعد صولات و جولات من الفشل .
و مع خيوط الفجر تنتبه بعد أن كاد النوم يسطو مرة أخرى .
تحت الشرفة تماماً يرتفع الصوت قليلاً " فذكر بالقرآن من يخاف وعيد" و يشرع في شرح الآية لكوكبة من الصبية و الشباب و الرجال لا تقل وجوههم إشراقاً و بهاءً عنه ، كذا الطريق و نسائم الهواء العليل تنصت و تنقل هذه النفحات الإيمانية لعلها تشهد لأصحابها يوم لا ينفع مالٌ و لا بنون .
و تجري سنن الله و تغادر بيت أسرتها ، و يسوقها الحنين من حين لآخر للمبيت هناك.
لا تنسي ضبط المنبه لتقومي لصلاة الفجر
ما أظن أنني بحاجة إليه يا أمي ، أنسيتِ دقات عصاه .
صدقت هو كما عهدتهِ لم يخلف موعده أبدا
تنبه قلبها ! لدقات عصاه ، فاستيقظ عقلها و انتبهت .
كم يفعل الحب بنا .
أحيت عادتها القديمة ، نظرت إليه حتى ودعته عينيها فقط ، مكثت قليلاً تنصت إلى عم روبي و هو يتلو القرآن ، ثم قامت تصلي صلاة في ذلك الوقت تعلمتها من دقات عصاه .
أعوام قليلة و تغادر الوطن كله ، أمام الكعبة و ذات ليلة اقتحم طيفه هذا الجو المشبع بالسكينة .
هاتفت أمها ،
كيف حاله يا أمي ،
ألا زلتِ تذكرينه ، لقد توفى منذ شهر تقريباً .
كم من الصور تداعت إليها حين تمنت يوماً أن تجري نحوه ، تتشبث بجلبابه ، تلمس لحيته ، تسأله عما يفعل .
لم يكن بينهما أي حديث
لكنه حكى لها كل الأحاديث !
فقه العصى ! علمها الثبات و المثابرة و أن الفجر لن يلوح من دون عملٍ دؤوب متواصل بالليل.
رحمك الله يا عم كامل و جعل دقات عصاك و ذكرك و تسبيحك في ميزان حسناتك و مشيك في الظلمات بشرى لك بالنور التام يوم القيامة .