ومن الأدلة الدالة ، على وجوب التستر ولباس الحشمة ، ووجوب الحجاب . حديث أنس رضي الله عنه ( قال أبو داود في سننه ) .
( باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته )
حدثنا محمد بن عيسى . ثنا أبو جميع سالم بن دينار ، عن ثابت ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة رضي الله عنها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها . وإذا غطت به رجليها لم يبلغ راسها ز فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : (( إنه ليس عليك بأس . إنما هو أبوك وغلامك )) .
وجه الدلالة من الحديث ، هو أن فاطمة ، رضي الله عنها قد عملت بأية الحجاب . إمتثالاً لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} .
ويزد ذلك بياناً وإيضاحاً ، قول الرسول عليه الصلاة والسـلام لفاطمة . إنه ليس عليك بأس . إنما هو أبوك ، وغلامك . لأن مملوك المرأة محرم لها كأبيها . أما لو كان رجلاً أجنبياً ، فإن فاطمة سوف تحتجب منه وتستر جميع بدنها .
وما ثبت في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته في مثل هذه المسألة . ثبت في حق كل مسلمة ، في كل زمان ومكان . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
فهذه الآية الكريمة ، هي من الأدلة الدالة على أن الحجاب ليس خاصاً بأمهات المؤمنين . وكذا الدليل الثامن عشرة ، والسابع عشر ، الذي تقدم قريباً هما من الأدلة الدالة على أن الحجاب واجب على كل مسلمة . وهذا قول جماهير العلماء . ومن قال : إن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين ، فقد شذ وتباعد عن طريق الحق والصواب .
(الدَّلِيْلُ العشرون )
الدليل العشرون ، على وجوب الحجابِ ولباسِ الحشمة . لباس الستر والشرف . لالباس الستر والشرف والشرفِ لا لباس العار ، والفضيحة . والدليل الذي ينير الطريق للسالكين ، ويبطل حجج المعارضين .
هو حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه . أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحجَ حافيـةً ، غير مختمرة . فقال مروها : فلتختمِرْ ولْتركبْ . ولتصمْ ثلاثة أيام . رواه الخمسة ، واللفظ لأبي داود .
وكما هو معروف الخمار في اللغة ، والشرع ، والعادة . هو ما يستر رأس المرأةِ ووجهها ، وشعرها . وتقدم بيانه . قال : ف مختار الصحاح : والتخمير التغطية . ياقل خمر إناءك اهـ .
وقال في القاموس : والخمار بالكسر النصيفُ . وكل ما ستر شيئاً فهو خماره اهـ .
وتقدم في الدليل الخامس ، قول عائشة رضي الله عنها : فخمرت وجهي بجلبابي .
وتقدم أيضاً في الدليل السابع ، قول فاطمة بنت المنذر : كنا نخمر وجوهنا ، ونحن محرمات ، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر .
وجاء في صحيح مسلم ن ومن حديث أبي حميد الساعدي ، رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، بقدح لبن من النقيع ن ليس مخمراً فقال ك (( ألا خمرته . ولو أن تعرض عليه عوداً )) .
فالرسول صلى الله عليه وسلم ، أمر بأن تختمر أخت عقبة بن عامر ، أي تغطى وجهها. والأمر في مثل ما هنا يقتضى الوجوب . وقد أمر صلى الله عليه وسلم ، بأن أخت عقبة تصوم ثلاثة أيام لأن نذرها ، نذر معصية ( وقد ترجم له أبو داود بقوله ) .
( باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصيـة )
فأي إنسان نذر ندراً لا يطيقه . أو نذر نذرً معصيةٍ فعليه كفارة يمين . لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه . ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه )) . رواه الجماعة إلا مسلماً من حديث عائشة .
(الدَّلِيْلُ الحادي والعشرون )
ومن الأدلة الدالة على أن المرأة إذا خرجت من بيتها . يتأكد عليها أن تلبس لباساً ساتراً , لباس الحشمة ، والهيبة ، والشرف ، والفخر ، والوقار .
ودليل ذلك ، وبرهانه هو ما رواه الإمام أحمد ن والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي ن وابن ماجه .
عن أم عطية ، رضي الله عنها ، قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر ، والأضحى ، العواتق ، والحيض ، وذوات الخدور . فأما الحيض فيعتزلن الصلاة . وفي لفظٍ المصلى . ويشهدن الخير ودعوة المسلمين .
قلت يا رسول الله ، إحدانا لا يكون لها جلباب . قال لتلبسها أختها من جلبابها ) .
قال شوكاني في نيل الأوطار : الجلبابُ بكسر الجيم ، وبتكرار الموحدة ، وسكون اللام . قيل هو الإزار والرداء . وقيل الملحفة . وقيل المقنعة . تغطى بها المرأة راسها وظهرها . وقيل هو الخمار اهـ .
وقال في اقاموس : والجلبابُ ن كسرداب القميص , وثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو ما تغطى به ثيابها من فوق كالملحفة أو هو الخمار اهـ .
وقال البغوي في تفسيره : وقال ابن عباس ن وعبيدة السلماني أمر نساء أمر نساء المؤمنين ، أن يغطين وجوههن بالجلابيب إلا عيناً واحدةً . ذكر ذلك على قوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ }الآيـة .
وفيما سبق ذكرنا أقوال كثير من علماء التفسير على هذه الآية الكريمة . فعل القارئ وفقه الله يعاود النظر حتى يرى الحق والبرهان .
وحتى يعرف القارئ بلغنا الله وإياه المنى والتهاني ، بأن أكثر علماء التفسير صرحوا بأن المرأة يتأكد عيها أن تستر وجهها عن الرجال الأجانب .
أما كون المرأة يجب عليها أن تستر شعرها ، وذراعيها ، وساقيها وجميع بدنها عن الرجال الأجانب ، فهذا قد أجمع العلماء عليه ، سلفاً وخلفاً ن قديماً وحديثاً .
وأيضاً إذا خيف من الفتنة ، فقد أجمع العلماء على أن المرأة يجب عليها أن تستر وجهها ، وجميع بدنها .
ومن الأدلة الدالة على وجوب التستر عموماً، ووجوب الحجاب خصوصاً. حديث أنس رضي الله عنه .
قال البخاري رحمه الله في صحيحة : حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير . أخبرني حميد أنه سمع أنساً يقول : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين خيبر والمدينة ، ثلاثة ليال يُبنى عليه بصفية . فدعوت المسلمين إلى وليمته .
وما كان فيها من خبز ولحم . وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط ، والسمن . فقال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين ، أو ما ملكت يمينه . فقالوا : إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين . وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه . فلما أرتحل وطأ لها خلفه ، ومد الحجاب .
والحجاب هو ستْرُ مفاتِن المرأة ، ومحاسنها . ومن المعروف أن وجه المرأة ، هو مجمع المحاسن، وسيدُها .
وكما أن الحجاب واجب على أمهات المؤمنين ، فهو واجب على وقوله وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه . هذه هي السنة المتبعة ، زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزمن خلفائه الراشدين . وهو أن الحرة تحتجب ، والأمة أي العبدة المملوكة ، لا تحتجب .
وكان عمر رضي الله عنه ، إذا رأي أمة مختمرةً ضربها. وقال اتتشبهين بالحرائر ، ألقِى القِناع يا لَكَاع .( )
(الدَّلِيْلُ الثالث والعشرون )
قال البخاري في صحيحة : حدثنا مسدد ، عن يحي عن حميد عن أنس . قال : قال عمر رضي الله عنه . قلت يا رسول الله . يدخل عليك البر والفاجر . فلو أمرت أمهات المؤمنين ، بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب .
وتقدم التنوية عن آية الحجاب وهي آية 59 من سورة الأحزاب . وقيل هي آية 53 من السورة المذكورة . وكلا الآيتين ، فيهما الدلالة على وجوب الحجاب . وكما أن الحجاب واجب على أمهات المؤمنين فهو واجب على نساء الصحابة ، والتابعين وتابع التابعين إلى يوم الدين .
(الدَّلِيْلُ الرابع والشعرون )
وأيضا من الأدلة الدالة على وجوب الحجاب ما سجله البخاري في صحيحة . قال : حدثنا أبو اليمان . أخبرنا شعيب ، عن الزهري حدثني عروة بن الزبير ، أن عائشة رضي الله عنها .
قالت : استأذن عَلَيَّ أفْلَحُ أخو أبي القُعَيْس ( بَعْدَما أُنْزِلَ الْحِجابُ ) فقلت لا آذن له حتى أستأذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم. فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ، ولكن أرضعتني امرأةُ أبي القعيس .
فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم .فقلت له : يا رسول الله إن أفلح أخا أبا القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وما منعك أن تأذنين له عمك )) . قلت : يا رسول الله ، فقال الرجل ليس هو أرضعني . ولكن أرضعتني امرأةُ أبي القعيس . فقال عليه الصلاة والسلام : (( ائذني له فإنه عمكِ تربت يمينك )) .
وحديث عائشة هذا أيضاً . رواه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .
ووجه الدالة من هذا الحديث ، هو أن عائشة رضي الله عنها ( عملاً بآية الحجاب ) امتثالاً لأمر الله ، ورسوله . تحتجبُ أي تغطى وجهها ، و تستر جميعَ بدنها ، عن كل رَجلٍ أجنبي .
وهذا الذي عملت به عائشة ، رضيا لله عنها . يجب أن تعمل به كل امرأةٍ مسلمةٍ ترجو ثواب الله ، وتخاف من عقابه ، والمصلحة الخاصة ، والعامة تقتضى ( وجوب الحجاب ) .
(الدَّلِيْلُ الخامس والعشرون )
ومن الأدلة الدالة على مشروعية الحجاب . ما رواه الدار قطني في سننه ، عن أم سلمة رضي الله عنها . قالت : كنا نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن محرمات . فيمر بنا الراكبُ فتسدلُ المرأةُ الثوب من فوق رأسها ، على وجهها .
فقول أم سلمة كنا نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه صيغة جمع ففيه دليل عل أن الحجاب والتستر هو عمل أمهات المؤمنين ، ونساءِ الصحابة أجمعين .
ومن الأدلة الدالة على مشروعيـة التستر والحجاب . حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . أن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : (( لا تنتقب المرأة المحرمة . ولا تلبس القفازين )) . رواه مالك ، وأحمد ، والبخاري والنسائي ، والترمذي ، وصححه .
وكما هو معروف ، الإنتقاب لبس غطاء للوجه ، فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما .
وجه الدلالة من الديث ، هو البيان البن ، الجلى الواضح في أن النساء في عهد النبوة بعد نزول آية الحجاب ؛ قد استعملن الحجاب ، وهو تغطية الوجه بالخمار ، أو النقاب .
فالمرأة المحرمة بحج أو عمرة ، لا يجوز أن تغطى وجهها إلا إذا كان يراها أجانب ، فحينئذٍ يجب أن تغطى وجهها ، وتستر جميع بدنها . كما تقدم بيانه ، في الدليل الثالث .
وهو قول عائشة رضي الله عنها كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها . فإذا جاوزونا كشفناه . والقفازان هما ما تلبسهما المرأة في كفيها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ، على حديث عبد الله بن عمر : هذا مما يدل على أن النقاب ، والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن . وذلك يقتضى ستر وجوههن وأيديهن .( )
(الدَّلِيْلُ السابع والعشرون )
وأيضاً من أدلة الحجاب ، ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فعن أنس رضي الله عنه ، قال ك مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة ، فعلاها بالدِّرَّة ، وقال : يا لَكَاع( ) أتتشبهين بالحرائر ، ألقى القناع .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن ، وأيديهن . والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء . كما كانت سنة المؤمنين ، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه . الحرةَ تحتجبُ والأمةَ تَبْرُزُ . 1هـ . قلت إلا إذا خيف من الأمة الفتنة فيجب عليها أن تحتجب . لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً ، وسداً لذريعة الفتنة والفساد .
(الدَّلِيْلُ الثامن والعشرون )
ومن الأدلة الدالة على وجوب الحجاب ، هو أن الرسالة صلى الله عليه وسلم ،أباح للخطيب وخطيبته أن ينظر كل واحدٍ منهما إلى صاحبه والإباحة لا تكون غالباً إلى بعد خطرٍ .
روى الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، والدارمي ، وابن حبان وصححه . عن المغيرة بن شعبة ، رضي الله عنه . أنه خطب امرأةً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ((أنظر إليها ، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما )) . فأتى أبويها ، فأخبرهما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكأنهما كرها ذلك .
فسمعت ذلك المرأةُ ، وهي في حذرها . فقالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أمرك أن تنظر فانظر وإلا فإني أنشدك . كأنها عظمت ذلك عليه . فنظرتُ إليها فتزوجتها فذك من موافقتها له . ومثل ذلك يعد من محاسن دين الإسـلام وتسهيلاته الحكيمة . وهو جواز النظر للمخطوبة .
(الدَّلِيْلُ التاسع والعشرون )
الدليل التاسع والعشرون ، من أدلة وجوب الحجاب . ما رواه السبعة ، إلا البخاري ، من حديث فاطمة بنت قبس ، رضي الله عنها لما طلقها زوجها ، أمرها الني صلى الله عليه وسلم ، أن تعتد في بيت أم شريك .
ثم قال : تلك امأة يغشاها أصحابي . اعتدى عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده .
وفي رواية انطلقي إلى ابن أم مكتوم ، الأعمى . فإنك إن وضعت خمارك لم يرك .
وفي رواية للنسائي . أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها : انطلقي إلى أم شريك . وأم شريكٍ امرأةٌ غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله عز وجل . ينزل عليها الضيفان . قلت : سأفعل . قال : لا تفعلى فإن أم شريكٍ كثيرة الضيفان . فإني أكره أن يسقط منك خمارُكِ ، أو ينكشف الثوبُ عن ساقيك . فيرى القوم منك بعض ما تكرهين .
قلت : وتقدم البيان البين . بأن الخمار لغةً وشرعاً هو ما تغطى به المرأة وجهها ، وشعرها ، ورقبتها . فهذا الحديث صريح في وجوب الحجاب .
والحديث أيضاً صريح بأن الحجاب ليس خاصاً بأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، كما توهمه بعض الناس . بل على قول المحققين من العلماء الحجاب واجب على أمهات المؤمنين ، وعلى النساء أجمعين .
ومن الأدلة الدالة على مشرعيـة الحجاب ووجوبه ، هو ما فعلته عائشة رضي الله عنها . امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.فإنها لما حجت في بعض السنين ، طافت متسترةً متحجبةً .
قال الأزرقى في تاريخ مكة ( ): حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثني حدي ، عن يحيى بن سليم ، عن محمد بن السايب بن بركة ، عن أمة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى أصحاب المصابيح فأطفؤها ( ثم طافت في ستر وحجاب ) قالت وطفت معها . فطافت ثلاثة أسبعٍ كلما طافت سبعاً وقفتْ بين الباب ، والحجر تدعو ( قلت ) وفي هذا دليل على أن الحجاب والنقاب متعارف عليه بين أمهات المؤمنين ، والصحابيات أجمعين .
(الدَّلِيْلُ الحادي والثلاثون )
ومما يدل على مشروعيـة الحجاب ، ما ذكره الأزرقى في تاريخ مكة ( ) قال :
( ما جاء في النقاب للنساء في الطواف )
حدثنا أبو الوليد قال : حدثني جدي قال : حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء . أنه كره أن تطوف المرأة بالكعبة وهي متنقبة ، حتى أخبرته صفية بنت شيبة أنها رأت عائشة رضي الله عنها تطوف بالبيت وهي متنقبة ، فرجع عن رأيه ذلك . قلت وهذا هو عمل أمهات المؤمنين والصحابيات أجمعين بعد نزول آية الحجاب منهن من تغطى وجهها بالخمار ومنهن من تلبس النقاب .
(الدَّلِيْلُ الثاني والثلاثون )
قال ابن العربي : قال ابن القاسم : سمعت مالكاً يحدث أن عائشة دخل عليها رجل أعمى . وأنها احتجبت منه . فقيل لها يا أم المؤمنين ، إنه أعمى لا ينظر إليك . قالت :
ولكني أنظر إليه . اهـ ( ) . والحجاب كما هو واجب على أمهات المؤمنين ، فهو واجب على المسلمات أجمعين .
(الدَّلِيْلُ الثالث والثلاثون )
فمن الأدلة الدالة على أن أمهات المؤمنين ، ونساء الصحابة أجمعين . بعد نزول آية الحجاب كن يستعملن الحجاب ، والنقاب أخرج أبو داود في سننه ، عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس ، عن أبيه عن جده ، قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقال لها أم خلاَّد وهي متنقبةً تسال عن ابن لها قتل في سبيل الله .
فقيل لها جئت تسألين عن ابنك ، وأنت منتقبة . فقالت : إن أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي . فقال صلى الله عليه وسلم : (( ابنك له أجر شهيدين )) قالت : ولم . قال صلى الله عليه وسلم: (( لأنه قتله أهل الكتاب )).
قلت وأم خلاَّدِ ذكرها ابن حجر في الإصابة ، في تمييز الصحابة . وقال : إنها جاءت تسأل عن زوجها .
(الدَّلِيْلُ الرابع والثلاثون )
ومن الأدلة الدالة على وجوب التستر ، ووجوب الحجاب . حديث عائشة رضي الله عنها . وهو أن نساءً من أهل حمص ، أو من أهل الشام . دخلن على عائشة . فقالت : أنتن اللاتي تدخلن الحمامات . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( ما من امراةٍ تضع ثيابها في غير بيت زوجها ، إلا هتكتِ الستر بينهما وبين ربها )) . رواه أحمد وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي ، وحسنه ، والحاكم وقال : صحيح على شرطهما . ورواه الطبراني في الأوسط . ولفظه وما من امرأةٍ تنزع ****َها ، في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها ، وبين ربها اهـ .
فالمرأة التي تنزع خمارَها في غير بيتها ، أو بيت زوجها . حيث يراها رجل أجنبي . قد تبرجت ، وفعلت محرماً ن وفقيرةً من الحياء ولله درُّ أم خلاَّدٍ التي قريباً تقدم ذكرها .
وفي صحيح البخاري . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى . إذا لم تستح فاصنع ما شئت )) .
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قالت : كنا نُغطي وجوهنا من الرجال . وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحـرام . رواه الحاكم في المستدرك . وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
ففي هذا الأثر دليل على مشروعيـة الحجاب . وأيضاً فيه دليل على أن الحجاب ليس خاصاً في زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم . فأسماء قالت : كنا نغطى وجوهنا من الرجال.
(الدَّلِيْلُ السادس والثلاثون )
قد عرف وتقرر بأن الصحابيات ، وجميع المسلمات . بعد نزول آية الحجاب . كن يحتجبن أي غطين وجوههن وجميع أبدانهن . قال ابن ماجه في سننه : حدثنا أيوب بن محمد الرقي . ثنا معمر بن سليمان . ثنا عبد اله بن بشرٍ عن الأعمش ، عن عمروبن مرَّة ، عن يحيى بن الجزَّار ، عن ابن أخت زينب ، امرأة عبد الله ، عن زينب ن قالت : تكانت عجوز تدخل علينا ترقى من الحُمْرة . وكان عبد الله بن مسعود إذا دخل تنحنع وصوَّت . فدخل يوماً فلما سمعت صوته احتجبت منه .
وعلى قول جماهير العلماء . سلفاً وخلفاً ، قديماً وحديثاً . الحجاب واجب على أمهات المؤمنين ، وعلى النساء أجمعين .
(الدَّلِيْلُ السابع والثلاثون )
قال الخباري في صحيحة ( باب طواف النساء مع الرجال ) وقال : لي عمرو بن علي . حدثنا أبو عاصم قال : ابن جريج أخبرنا عطاء . إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال . قال : كيف تمنعهن وقد طاف نساءُ النبي صلى الله عليه وسلم ، مع الرجال .
قلت أبعد الحجاب أو قبل . قال : أي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب ؛ قلت كيف يخالطن الرجال . قال : لم يكن يخالطن ، كانت رضي الله عنها تطوف حجرة من الرجال ؛ لا تخالطهم . فقالت امرأة : انطلقى نستلم يا أم المؤمنين . قالت : عنك ، وأبت ( ) فكن يخرجن متنكرِّرات بالليل ,فيطفن مع الرجال .
فهذا الخبر من أدلة مشروعية الحجاب ن ووجوبه . فهل من عارف للحق وعامل به . أم الجهل مخيم ، والغرور قد بلغ المنتهى .
(الدَّلِيْلُ الثامن والثلاثون )
من الأدلة الدالة على مشروعيـة الحجاب ، ووجوبه . ما أخرجه مسلم في صحيحه . قال : حدثنا حجاج بن محمد . حدثنا ابن جريج ، أخبرني عبد الله رجل من قريش ، عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب . أنه قال يوماً : ألا أحدثكم عنى وعن أمي . قال : فظننا أنه يريد أمه التي ولدته .
قال : قالت عائشة : ألا أحدثكم عنى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلنا بلى . قال . قالت : لما كانت ليلتى التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ، فيها عندي . انقلب فوضع رداءه ، وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه ، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قدر قدت فأخذ رداءه رويداً ، وانتعل رويداً . وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً .
فجعلت ( درعي في رأسي . واختمرت وتقنعت إزاري ) ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع . فقام فأطال القيام . ثم رفع يديه ثلاثة مرات . ثم انحرف فانحرفت . فاسرع فأسرعت . إلى آخر هذا الخبر .
فعائشـة رضي الله عنها بعد نزول آية الحجاب . لما أرادت الخروج من بيتها ، مبالغة في الاحتشام ، والتستر ؛ جعلت درعها ن وهو ثوب يستر جميع البدن ، على رأسها . واختمرت ، وتقنعت إزارها .
والحجاب كما هو واجب على أمهات المؤمنين ، فهو واجب على النساء أجمعين . اللهم أرزقنا البصيرة في الدين . واجعلنا هداةً مهتدين .
هذه أدلة الحجاب . وإلى الله المرجع والمآب . هذه هي الأدلة والبراهين . والهداية بيد رب العالمين . هذه هي الأدلة ، وعددها ، أثنان وأربعون دليلاً . أربع آيات من القرآن الكريم . وثلاثون حديثاً والبقية من الآثار .