وظائف وخطوات هذه الشعيرة:
ما سبق يوحي بضرورة إيجاد هذا المرفق الحيوي في الدولة المسلمة ، وقد جاء في هذه الآية تحديد المهمات التي يقوم بها هذا المرفق، والخطوات التي يتبعها في تنفيذ هذه المهمات ، كل ذلك جاء في إيجاز معجز، قال تعالى: (يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر) فالمهمات والوظائف هي:- -الدعوة إلى الخير.
-الأمر بالمعــــــــروف.
-النهي عن المنكـــــر.
وقد جاءت هذه المهمات بهذا الترتيب لتمثل أيضاً الخطوات التي ينبغي إتباعها للقائمين بهذه الشعيرة.
وقد جاءت الأفعال في هذه المهمات كلها بالمضارع (يدعون (إلى) ، يأمرون(بـ) ، ينهون(عن)) مما يوحي بالتجدد ، والحركة ، كما نلحظ تغير حروف الجر التي عُديت بها الأفعال (إلى) و (الباء) و (عن) وذلك لمناسبة كل حرف للدلالة المقصودة على ما سيأتي بيانه.
أولاَ : الدعوة إلى الخير( يدعون إلى الخير).
تأتي الصفحة الأولى -لهذه الفئة المشرَّفة بهذه الشعيرة -التي هي الدعوة إلى الله ،لتمثل الخطوة الأولى في ترسيخ دعائم هذا العمل الجليل لأن الدعوة إلى الخير أمر مقبول بل محبب إلى النفس ، بل الكل يميل إلى المشاركة فيه ، وقد قيل إن حب المشاركة في الخير من غريزة البشر؛ لذا تجد الصبي إذا رأى شيئاَ أعجبه نادى من حوله ليراه معه.
وفي تقديم هذه المهمة هنا تلميح مهم لنوعية الأسلوب الذي ينبغي إتباعه في التعامل مع الناس لكسب قلوبهم ، ألا وهو الإحسان إليهم بدعوتهم إلى الخير ، ولا يخفى أن كلمة(الخير) لفظة جميلة مأنوسة عامة توحي بالنفع والإحسان، والإنسان ميال على حب من أحسن إليه.
وتعدية الفعل بــ (إلى) الدالة على انتهاء الغاية دون اللام بأن يقال مثلاً: (يدعون للخير) للإشعار بأن مراد هذه الفئة الطيبة المحسنة هو الأخذ بأيدي الناس المحتاجين لذلك الخير لإصالهم إليه ، فهم لا يكتفون بالدعوة لمجرد الخير وإلا لقيل: (يدعون للخير)، بل همهم الوصول بالناس إليه، كما تشعر بذلك(إلى)الغائية، وهذا أوضح في دلالة النفع والإحسان، وهو معنى لطيف يحسن بأهل لاحتساب التنبه له.
ثانياً : الأمر بالمعروف (ويأمرون بالمعروف).
هذه هي المهمة الثانية ، وهي تمثل الخطوة الثانية ، وإنما ذكرت هنا بعد الدعوة إلى الخير،لأنه لما كان الأمر(تأمرون) فيه ثقل الإلزام سُبق بما يخففه ويجعله مقبولاً وهو بلسم الإحسان (يدعون إلى الخير) ، وهذا يدل على أن الذي ينبغي أن يعرف عن القائمين بهذه الشعيرة ليس هو الإلزام (الأمر) والمنع (النهي) فحسب ، بل هم قبل ذلك لابد أن يعرفوا بالكلمة اللينة، والنفع العام للناس ، ولذا أرى في اجتماع هذه المهمات وبهذا الترتيب ما يوحي بضرورة اجتماع الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جهاز واحد أو لعله يدل على ذلك ، لأن نظرة الناس اليوم للدعاة غير نظرتهم للمحتسبين في هذه الشعيرة ، فالدعاة مقبولون محبوبون يجتمع لهم الناس ويأنسون بهم ويتقبلون أمرهم ونهيهم ، والقائمون بهذه الشعيرة يكثر ذمهم ، وتنفر منهم النفوس أو تحاك حولهم الشائعات والأكاذيب ، وقد يكون هذا أمرا طبعيا لأن النفوس مياله إلى كره من يلزمها أو يمنعها وحب من ينفعها ويحسن إليها، لكن يحسن ألا نهمل هذا الملمح.
والذي أريد الوصول إليه هو ضرورة التفكير في الإفادة من هذا القبول للدعاة، لتخفيف هذا الكره والنفرة الموجودة ، خاصة مع هذا الترتيب الإلهي لمهمات هذه الفئة الخيرة ، ولعل هذا يظهر بوضوح إذا اجتمعت الدعوة والاحتساب في شخصية رجل معروف بعلمه وصلاحه وحبه لنفع الناس ودعوتهم إليه ، فإن الاستجابة حينئذ ستكون عظيمة جداً بخلاف ما يحصل مع هذا الفصل الذي نراه الآن، بين الدعوة والاحتساب.
وأرى أن تقدم الدعوة على الخير على الأمر بالمعروف تشعر بأن لغة الأمر يجب أن تكون مقبولة لينة لتتناسب مع السياق المبني على كسب القلوب لا تنفيرها.
وتعدية الفعل (يأمرون) بحرف الجر (الباء) الدال على الإلصاق والمصاحبة في أصل معناه ، يشعر بأن الذي ينبغي أن يصاحب أمرهم هو المعروف ، وهذا يتطلب المحافظة على نقاوة هذا المعروف وصفائه من أي شائبة حتى لا يتحول الأمر إلى غير المعروف.
ولفظ (المعروف) زيادة على معناه المفهوم من لفظه يشير إلى ما يعرفه الناس، كما أن المنكر يشير إلى ما أنكره الناس وما لم يعرفوه ، وعلى هذا لو تأملنا أخطاء الناس سواء في ترك الخير أو فعل الشر لوجدنا أنه لا يخرج عن إحدى حالتين : إما أن يكون صاحبه جاهلاً بهذا الخير أو ذلك الشر ، وهنا تأتي خطوة (يدعو إلى الخير) ، فإذا عرف الناس ذلك ، ولم يفعلوه جاء أمرهم بما يعرفون ، أو نهيهم عما يُنكر، وهذا يشير بدوره إلى أن المعروف في أصل المجتمع المسلم هو الأمر السائد ، وأن الخروج عنه يعتبر أمراً منكراً أي غير مألوف ، وإذا كانت الحال بهذه المثابة سهل على القائمين إقامة هذه الشعيرة لأن الكل يساندهم في هذا.
أما إذا اختلف الأمر فأصبح المعروف منكراً والعكس ، فأرى أن دلالة الآية تشير إلى ضرورة تكثيف التعليم والدعوة وهي الخطوة الأولى، حتى يظهر عرف المعروف ونكران المنكر، ثم تليها خطوة الأمر والنهي، هذا في الجملة، وخروج بعض الحالات المقتضية لذلك لا ينقض عموم القاعدة.
ثالثاً : النهي عن المنكر (وينهون عن المنكر).
هذه هي المهمة الثالثة ، وهي تمثل الخطوة الثالثة ، ونلاحظ هنا كيف تأخر النهي عن المنكر ، لأنه أشق على النفس ، وقد سبقته خطوتان مهمتان تسهلان قبوله ، وربما لا يبقى في المجتمع أو في الجهة المطلوب الاحتساب عليها شيء من ذلك بعد الدعوة والأمر، وإن بقى كان النهي عنه مقبولا ومسوغاً ، بل قد يكون ضرورياً ، وما يشعر بضرورة إزالة المنكر في هذه المرحلة تعديه الفعل بحرف الجر (عن) الدال على المجاوزة ، فالمطلوب بعد الخطوتين السابقتين الاستمرار في نهي المصرين على المنكر حتى يتركوه ويتجاوزوه.
الثناء على القائمين بها:
قال الله تعالى في ختام هذه الآية "وأولئك هم المفلحون"، وفي التعقيب بهذه الجملة إشادة عظيمة بهذه الفئة المختارة وذلك من وجوه عدة هي:-
أولاً : مجيء الواو في أول الجملة على سبيل الاتصال ، فلم تفصل فيقال (أولئك هم المفلحون)، وذلك لبيان كمال الاتصال بين الأعمال الجليلة التي يقومون بها وبين صفة الفلاح التي يسعون لها، ولاعجب فالفلاح هو جزاء ذلك العمل.
ثانيا : الإشارة إليهم بالبعيد (أولئك) مما يدل على علو مرتبتهم ورفعة منزلتهم ، حتى لكنأهم في مرتفع عالٍ يشار إليهم ويقال : (أولئك)، ولو كانوا قريبين لقيل : هؤلاء، فنُزّل علوهم المعنوي منزلة علوهم المادي لذا أشير إليهم بالبعيد،هذا إضافة لما في الإشارة من تحديد المشار إليه أدق تحديد، وهذا فيه تمييز لهم عن غيرهم.
ثالثاً : وجود ضمير الفصل (هم) الدال على الحصر والقصر ، إذ المعنى العام للجملة يفهم دون ذكره (أولئك المفلحون) وله نظائر في القرآن كما في قوله تعالى "أولئك المقربون" (الواقعة ؟).
لكن لما أريد تخصيصهم بهذا الفضل وقصر هذه الصفة العظيمة (الفلاح) عليهم قيل: (أولئك هم المفلحون) ، فكأنهم بهذا هم الكاملون الوحيدون في هذه الصفة ، وكأن فلاح غيرهم لا يعتد به مع فلاحهم. رابعاً : ذكر الفلاح (المفلحون) والتعريف باللام فلم يكن مثلاً : (أولئك هم أهل الفلاح)، وفي ذكر الفلاح ما يشير إلى عظمة ما هم عليه من العمل الذي أوصلهم إلى صفة الفلاح الذي هو الفوز والنجاح والحصول على كل مطلوب ، وتعريف المفلحين (باللام) للإشعار بما يعرفه كل أحد عن حقيقة الفلاح وأهله ، ففلاحهم لن يخفى لا في الدنيا ولا في الآخرة. علاقة الدعوة بهذه الشعيرة:
سبقت الإشارة إلى هذا الموضوع ولكني أذكر هنا أن بعض أهل العلم يرى أن الدعوة عامة والاحتساب خاص ، وما جاء في الآية من ذكر الدعوة ثم الاحتساب هو من عطف الخاص على العام تنويهاً بشأن ذلك الخاص كما عطف جبريل وميكال على الملائكة ، وهذا في ظني لا يعني الفصل بين الشعيرتين ، بل لا بد من السعي لتكثيف العمل التوجيهي الدعوي في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا بد من دعمهم في هذا المجال من المسئولين وأهل العلم.
نسأل الله أن يوفقنا لكل خير وأن يجنبنا كل شر إنه ولي ذلك القادر عليه.
د. عويض بن حمود العطوي
عميد كلية المعلمين بتبوك سابقاً
ولعل هذا يظهر بوضوح إذا اجتمعت الدعوة والاحتساب في شخصية رجل معروف بعلمه وصلاحه وحبه لنفع الناس ودعوتهم إليه ، فإن الاستجابة حينئذ ستكون عظيمة جداً بخلاف ما يحصل مع هذا الفصل الذي نراه الآن، بين الدعوة والاحتساب.
اقتباس:
ثانيا : الإشارة إليهم بالبعيد (أولئك) مما يدل على علو مرتبتهم ورفعة منزلتهم ، حتى لكنأهم في مرتفع عالٍ يشار إليهم ويقال : (أولئك)، ولو كانوا قريبين لقيل : هؤلاء، فنُزّل علوهم المعنوي منزلة علوهم المادي لذا أشير إليهم بالبعيد،هذا إضافة لما في الإشارة من تحديد المشار إليه أدق تحديد، وهذا فيه تمييز لهم عن غيرهم.
اقتباس:
ولكني أذكر هنا أن بعض أهل العلم يرى أن الدعوة عامة والاحتساب خاص ، وما جاء في الآية من ذكر الدعوة ثم الاحتساب هو من عطف الخاص على العام تنويهاً بشأن ذلك الخاص كما عطف جبريل وميكال على الملائكة ، وهذا في ظني لا يعني الفصل بين الشعيرتين ، بل لا بد من السعي لتكثيف العمل التوجيهي الدعوي في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا بد من دعمهم في هذا المجال من المسئولين وأهل العلم.
جميل ما في هذا الموضوع وأعجبني الاقتباسات أعلاه ، بارك الله فيك أستاذنا الفاضل ونفع الله بك .
__________________ .
يا الله
أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي