الأدلة التي استدل بها من لم يوجب الحجاب ، وهي أربعة أدلة . ولا أعرف غيرها ، وهي مع قلتها تحت المناقشة .
فمنها تفسير ابن عباس رضي الله عنه ، للىية الكريمة (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال : هما الوجه والكفان .
والجواب عن هذا بخمسة أوجه .
أولاً : اختلاف كلام ابن عباس . قال الشيخ محمد الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان : أخرج سعيد بن منصور ، وإبن جرير ، وعبد ابن حميد ، وابن المنذر ن والبيهقي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنه (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال : الكحل والخاتم والقرط والقلادة .
وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن ابن عباس . في قوله تعالى( إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال هو خضاب الكف والخاتم . اهـ فحيث أن كلام ابن عباس اختلف في تفسير المستثنى ، فبذلك يضعف الإحتجاج بتفسيره ؛ المستثنى بالوجه والكفين .
ثم أيضاً صح عن عبد الله بن عباس رضي الله عهما ما يخالف ما تقدم فقد قال ابو الأعلى المودودي في كتابه ( تفسير آيات الحجاب ) روى ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردوية ، عن ابن عباس (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ) قال : تغطى المرأة وجهها من فوق رأسها بالجلباب ، وتبدى عيناً واحدة اهـ .( )
وقال ابن الجوزي في تفسيره ( زاد المسير في علم التفسير 9 ك قال تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن اهـ .
الوجه الثاني : يحتمل احتمالاً قوياً أن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : ما تقدم قبل نزول آية الحجاب . وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ، رحمه الله تعالى .
وقال ابن عباس : أمر نساء المؤمنين أن يغطين وجوههن بالجلابيب إلا عيناً واحدة . ذكر ذلك عنه ابن جرير في تفسيره والبغوى في تفسيره مجلد 6 ص 313 ز والخازن في تفسيره مجلد 5 ص 276. والشنقيطي في تفسيره مجلد 6 ص 586 .
الوجه الثالث : إذا ثبت أن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما قال في قوله تعالى : (إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) هما الوجه والكفان . وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب ، فهو قول صحابي خالفه غيره . والذي خالف قوله قول ابن عباس ، هو عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه . فإنه قال في قوله تعالى : (إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي ما ظهر من اللباس الذي لا يمكن إخفاؤه .كالثوب والجلباب .
والقاعدة أن الصحابي إذا خالفه صحابي لا يكون ما قاله وذهب إليه حجة يجب قبولها .
فإذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم ، أو غيرهم من علماء الأمة الإسـلاميـة . فحينئذٍ يؤخذ بقول من تشهد لقوله الأدلة من الكتاب ، والسنة ، وعليه يكون العمل بالدليل السالم من المعارض .
قال تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرُ وأحسن تأويلاً ) ( ) وإذا رددنا الأدلة الواردة في الكتاب ، والسنة ، التي هي من خصوص وجوب الحجاب . وجدناها أكثر ن واصح ، وأصرح . وبناءً على هذا يكون العمل بها واجباً .
الوجه الرابع : في معنى قوله تعالى : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) فالزينة زينتان : زينة خلقية ، وزينة مكتسبة . فالزينة الخلقية كوجه المرأة وبقية بدنها . فهذه الزينة بعد نزول آية الحجاب لا يجوز أن يراها أجنبي ، بل يحرم ذلك . وزينة مكتسبه ، كالحلى والملابس . فلا يجوز أيضاً أن يراها رجل أجنبي ، إلا ما ظهر منها وليس بالإمكان اخفاؤه ، كالجلباب والعباءة . يوضح ذلك أن الله جل شأنه ن قال : ( إلا ما ظهر منها ) ولم يقل إلا ما أظهرن .
الوجه الخامس : ما نبه عليه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، في تفسيره ( ) فإنه قال : إن قول من قال في معنى : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) أن المراد بالزينة ؛ الوجه والكفان . توجد في الىيـة قرينة تدل على عدم صحة هذا القول . وهي أن الزينة في لغة العرب . هي ما تتزين به المرأة ، مما هو خارج عن أصل خلقتها ؛ كالحلى والحلل .
فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر . ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وبه تعلم أن قول من قال : الزينة الظاهرة ، الوجه والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآيـة . وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول . فلا يجوز الحمل عليه ، إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه . هذا ما صرح به الشنقيطي . وحسبك به علماً وفهماً وسعة اطلاع .
وأيضاً من لم يوجب الحجاب يستدل بما رواه أبو داود في سننه قال : حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكى . ومؤمل بن الفضل الحراني قال : ثنا الوليد عن سعيد بن بَشِيْرٍ ن عن قتادة ، عن خالد قال : يعقوب ابن دريك .
عن عائشـة رضي الله عنها . أن اسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق . فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : (( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا )) . وأشار إلى وجهه وكفيـه .
قال أبو داود : هذا مرسل ، خالد بن دريك لم يدرك عائشـة .
وبإعانة الله وتوفيقه ، يجاب عن هذا الحديث ( بستة أجوبة ) .
أولاً : في هذا الحديث ن معارضة للأدلة السابقة التي ذكرناها في وجوب الحجاب . وهي أكثر من أربعين دليلاً . وكل واحد من الأدلة السابقة يرد ما جاء في هذا الحديث . فكيف بمجموعها .
الجواب الثاني : حديث عائشة هذا ضعيف جداً . لا يجوز لأحد أن يحتج به على جواز سفور المرأة بحضور رجل أجنبي . وقد تسرب الضعف إليه من ثلاثة طرق .
الأول : عنعنة قتادة عن خالد بن دريك ، وهو مدلس .
وتسرب الضعف إليه من طريق ثاني ، وهو الإرسـال . كما قال أبو داود ، وأبو حاتم الرازي . وهو مرسل ، خالد بن دريك . لم يدرك عائشة رضي الله عنها .
وتسرب الضعف إلى حديث عائشة من طريق ثالث . وهو أن في إسناده ( سعيد بن بشير ) ضعيف ضعفه أكثر الحفاظ ، وإلى القارئ الكريم ما قيل فيه ، وليس على طريق القدح والعيب . بل على طريق النصح وبيان الحق . وكل من اسمه بشير فإنه بفتح الباء . إلا بَشير بن كعب ، وبُشير بن يسار . فإنهما بضم الباء .
قال الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال : ( ) سعيد بن بًشير الأزدى مولاهم ، أبو عبد الرحمن البصري ، أو الواسطي نزيل دمشق . عن قتادة ، والزهري ، وأبي الزبير . وعنه الوليد بن مسلم ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرزاق ، وخلق تركه ابن مهدي ، وضعفه أحمد ، وابن معين ، وابن المديني ، والنسائي . وقال : أبو حاتم حله الصدق . وقال ابن سعد : كان قدرياً ، وقال ابن عدى : الغالب على حديثه الإستقامة . اهـ .
وقال البخاري سعيد بن بشير : يتكلمون في حفظه .
وقال المنذري : تكلم فيه غر واحـد .
وقال ابن حبان : فاحش الخطا .
وقال ابن حجر العسقلاني ، في كتابه ، تقريب التهذيب : سعيد بن بشير الأزدى مولاهم ، أبو عبد الرحمن ، أو أبو سلمة ، الشامي أصله من البصرة . أو واسطٍ ، ضَعِيْفٌ ، من الثامنة . مات سنة ثمان أو تسع وستين ، ومائة .( )
قلت قد بان واتضح ، للقارئ غفر الله لنا وله . بأن حديث عائشـة ضعيف لا يجوز أن يُحتجًّ به على جواز السفور . ومن احتج به فقد نبى فهمه . وطاش سهمه ، واخطأ فاحشاً ، وظلم نفسه ، وفتح على المسلمين باب شرٍ وفساد . وخصوصاً ، في هذا الزمن ، الذي تفتحت فيه أبوابُ الشر ، وكثر فيه الفساق ، وفسدت فيه الأخلاق إلا ما شاء الله .
( الْجَـوابُ الثَّالثُ )
لو قدر أن حديث عائشة ، صحيح . فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب . وبناءً على هذا يكون منسوخاً . لا يجوز العمل به اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا ابتباعه . وأرنا الباطل باطلاً ز وأرزقنا احتنابه ، ولا تجعله علينا ملتبساً فنضل .
(الْجَـوابُ الرَّابِعُ)
لو ثبت أن حديث عائشـة صحيح . مع العلم أنه لم يثبت . فحينئذٍ كشف المرأة وجهها لرجل أجنبي . مقيد ذلك بالحاجة ، والضرورة ، لا مطلقاً .
قال ابن رسلان : على حديث عائشة ، والحديث مقيد بالحاجة إلى رؤية الوجه والكفين كالخطبة ونحوها . ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه . لاسيما عند كثرة الفساق اهـ . ذكر ذلك ، محمد حامد الفقى في حاشيـة المنتقى . مجلد 2ص501.
وقال خليل أحمد السهار نفورى ، في بذل المجهود في حل أبي داود ، مجلد 8 جزء 16 ص 164 : ويدل على تقييده بالحاجة ، اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لاسيما عند كثرة الفساد وظهوره اهـ .
قلت : فكثير من العلماء ، نقلوا اتفاق العملاء على وجوب الحجاب ، وتحريم السفور . ومنهم كما هنا ، ابن رسلان . وخاصة إذا خيف من الفتنة ، والفسـاد والفتنة ليست بمأمونة . ومنهم خليل أحمد السهار نفوري في شرحه لأبي داود . كما تقدم . وكذا أبو بكر بن محمد الحُصنى الشافعي نقل اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج حاسراتٍ سافرات . وتقدم ذلك .
(الْجَـوابُ الْخامِسُ )
هو أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما . عندها من التقوى ، والخشية لله والورع ، والحياء . ما يمنعها من أن تدخل على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعليها ثياب رقاق .
وهذا أيضاً من الأدلة الدالة على ضعف الحديث . فالحديث ضعيف من وجوه هذا أحدها .
(الْجَـوابُ السادس )
هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال : (( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا )) . وأشار إلى وجهه وكفيه . فمن الأدلة الدالة على ضعف حديث عائشـة ، هو أنه صلى الله عليه وسلم ، أمر أسماء أن تستر ذراعيها وساقيها وحتى قدميها . ولم يأمرها بستر وجهها .
فأيهما أعظم فتنة . الوجه أو القدمان . فمن المعروف ن الوجه هو مكان الجمال ، وموضع الإراء والفتنة . فعلى تقدير صحة حديث عائشـة . بعيد كل البعد أن يأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم ، بِستر قدميها وذِراعيها ولم يأمرها بستر وجهها ، الذي هو محل الجمال ، والفتنـة .
وأيضاً من لم يراعى جلب المصالح ، ودفع المفاسد . وخاصة في هذا الزمن يستدل بحديث جابرٍ على جواز السفور .
ولفظه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، بلا أذانٍ ولا إقامـةٍ . ثم قام متوكئاً على بلالٍ فأمر بتقوى الله تعالى . وحث على طاعته ، ووعظ الناس وذكرهم .
ثم مضى حتى أتى النساءَ فوعظهن وذكرهن . فقال : تصدقن فإن أكثر كن حطب جهنم . فاقمت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين . ولفظ النسائي ، من سفلة النساء . فقالت : لم يا رسول الله . قال : ( لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير )) . قال : فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال ، من أقرطتهن وخواتمهن . رواه البخاري ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي .
والجواب عن هذا الحديث من وجوه .
الوجه الأول : لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم، رأى تلك المرأة كاشفة عن وجهها ، وأقرها على فعلها . ومن إدعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، رآها وأقرها فعليه الدليل .
الوجه الثاني : يحتمل احتمالاً قوياً . أن المرأة التي وصفها جابر ، انحسر خارُها عن وجهها ، من غير تعمدٍ ولا قصد . فأعادت خمارها بسرعة .
ويشهد لهذا القول ويقويه : هو أن كثيراً من الصحابة ، رضي الله عنهم ، رووا ما شاهدوه من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وموعظته للنساء وسمعوا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، في خطبته . وسمعوا ما قالته المرأة ( لم يا رسول الله ) . ولفظ حديث عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ( وبما يا رسول الله نحن أكثر أهل جهنم ) . ولم يذكر واحد منهم ما ذكره جابر ، رضي الله عنه . بأن المرأة كاشفةً ن وشفعاء الخدين .
ومن الذين رووا الحديث ، أبو هريرة ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وأبو سعيد الخدري ، رضي الله عنهم .
وأيضاً بعض الأئمة الذين خرَّجوا حديث جابرٍ لم يذكروا سفعاء الخدين ، منهم أبو داود ، وابن ماجه .
نعم كما تقدم كم من امرأةٍ سقط خمارُها من غير قصدٍ . فيرى وجهها بعض الناس دون بعض ، كما قال نابغة بنى ذبيان :
سَقَطَ النَّصَيْفُ وَلَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَنـاوَلَتْهُ واتّقَتْنـا بِالْيَـدِ
الوجه الثالث : إذا ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأي وجه المرأة سفعاء الخدين ، وأقرها على ذلك . فالأقرب للصواب ، والعلم عند الله أنها من القواعد . أي كبيرة السن . فالحجاب ليس بواجب عليها . ويقوى هذا القول ويشهد له أنها سفعاء الخدين أي في خديها سواد مع شحوبٍ . وهذا من علامات كبر السن .
قال ابن الأثير في النهائة : الشفعة نوع من السواد ليس بالكثير وقيل هو سواد مع لون آخر اهـ .
وقال في القاموس : شفعاءُ بالتحريك شفعة سواد في الخدين ، من المرأة الشاحبـةِ اهـ .
وقال الجوهري في صحاحه : والشفعةُ في الوجه : سواد في خدى المرأة الشاحبـةِ اهـ .
نعم كما قلنا إذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأى وجه المرأة ، وأقرها فهي من القواعد اللاتي لا يرغب في نكاحهن . قال تعالى : { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( ) .
الوجه الرابع : من المعروف ، ولمتقرر أن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا تعارض ، ولا تتضارب ن ولا يرد بعضها بعضاً . لأنها من عند الله كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( اوتيت القرآن ومثله معه )) . ولكن إذا حصل تعارض بين أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم . فحينئذٍ لابد من سلوك طريق الجمع .
فنقول إذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأى المرأة سفعاء الخدين وأقرها ، ولم تكن من القواعد . فالجمع هو أن حديث جابر كان قبل الأمر بالحجاب ، فيكون منسوخاً ( ) بالأدلة التي ذكرناها . وهي أكثـر من أربعين دليلاً . ومن ترك الدليل ، ضل السبيل . وليس على قوله تعويل .
الدليل هو الذي يزيل الشبهات ، ويحرق المغالطات .
الدليل هو الذي يشفى العليل ويروى الغليل .
الدليل هو الذي ينير الطريق ن وينقذ الغريق .
الدليل هو الحجة ، وبه تتضح المحبة .
الدليل هو السلاح ، وبه يبطل المزاح .
الدليل هو النور الوهاّج ، وبه يزولُ اللجاج .
ومن المعروف أنه من أسباب الفساد ، وفساد الأخلاق التبرج والسفور من أنواع التبرج .
ومن أباج السفور ، يسدل بحديث عبد الله بن عباس ، أنه قال : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم . فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه . فجعل الفضل ينظر إليها ، وتنظر إليه .
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر . قالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة . أفاحج عنه . قال صلى الله عليه وسلم: (( نعم وذلك في حجة الوداع )) . متفق عليه واللفظ لمسلم .
والجواب عن هذا الحديث من وجوه .
الأول : هو أن المرأة الخثعمية إذا ثبت أنها كاشفة عن وجهها ، فهي محرمة . والمشروع في حقها أن لا تغطى وجهها ، كما قال صلى الله عليه وسلم : (( لا تنتقب المحرمة ، ولا تلبس القفازين )) . فلا يجوز للمحرمة بحج أو عمرة . أن تغطى وجهها إلا بحضور الرجال الأجانب .
الوجه الثاني : لم يثبت أن الخثعمية كانت كاشفةً عن وجهها وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، رآها كاشفةً وأقرها على ذلك .
وأما ما ورد بأنها وضيئة ، فهذا عنه جوابان :
الأول : يحتمل أن خمارها سقط من غير قصد ، فأعادته .
الثاني : هو أن الوضاءة ولون البشرة يُعرفُ من رؤية أطرافها كقدمها وكفها وبنانها ، وهذا هو الوجه الثالث .
الوجه الرابع : كون الفضل نظر إلى المرأة الخثعمية لا يستلزم أنها سافرةً . فكثير من الرجال ينظر الواحد منهم إلى المرأة ، ولو كانت متحجبةً ؛ ينظر إلى هيكلها ، وقوامها ، وتقاطيع بدنها . وينظر إلى حركاتها ، وينظر إلى ملابسها . مع العلم أن النظر إلى المرأة الأجنبيـة حرام لا يجوز إلا لضرورة . وأدلة ذلك تقدمت .
الوجه الخامس : هو أن الإنسان الذي ينشد الحق والصواب ، يعرفُ بأنه يبعد كل البعد ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، رأي الخثعمية سافرةً وأقرها على ذلك ، ولم يأمرها بالحجاب .
والأوامر التي جاءت في الحجاب كثيرة في كتاب الله ، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد أفردنا لها موضوعاً بها. وهي أكثر من أربعين دليلاً .
مع العلم أن وجه المرأة الشابة ، هو أصل الزينة . والنظرُ إليه من أقوى أسباب الفتنةِ والإراء . فكيف يقرها الرسولُ ، على كشف وجهها ؛ هذا مما لا يكون أبداً .