فضائل أهل الاحتساب في آيات الكتاب(تحليل دلالي لآية قرآنية) د. عويض بن حمود العطوي
أستاذ البلاغة بكلية المعلمين بتبوك
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اله ، محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد ..
فقد جاء التنويه بأهل الاحتساب (الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر) في آيات عدة ، أٌف في هذا المقال مع آية واحدة منها.
قال الله تعالى : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (آل عمران 104)، وقد جمعت هذه الآية أموراً عدة لعل من أهمها :-
1. حكم هذه الشعيرة.
2. المخاطب والمأمور بها.
3. مواصفات القائمين بها.
4. وظائف ومهمات أهلها.
5. خطوات إقامة هذه الشعيرة.
6. الثناء على القائمين بها.
7. علاقة الدعوة بهذه الشعيرة.
وستأتي الإشارة إلى كل ذلك خلال هذا التحليل الدلالي لألفاظ وتراكيب الآية الكريمة ، وقد تدمج بعض هذه العناصر مع بعض، أثناء التحليل.
الملحوظ في هذه الآية أنها جاءت بين آيتين تدلان على ضرورة الاتفاق ونبذ الافتراق ، فالآية السابقة تدعوا للاعتصام والأخوة قال تعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ...)) والآية التي تليها تنهى عن مشابهة أهل الفرقة والخلاف كما في قوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات..."
وهذا مؤشر واضح أن من أعظم المؤثرات في إقامة هذه الشعيرة هو الاجتماع ونبذ الاختلاف ، كما أن هذه الشعيرة هي من أعظم أسباب تمكين هذا الدين ، وقطع بوادر التفرق وذهاب الريح ، فكأن التأثير متبادل، لكن لكل مؤثر وجهة معينة في التأثير. حُكم هذه الشعيرة وبيان المأمور بها
(ولتكن منكم أمة ...)
نلحظ هنا كيف جاء إيجاب العمل بهذه الشعيرة بأسلوب المضارع المسبوق بـ (لام) الأمر (ولْتكن) بسكون اللام ، وهذه اللام أفادت الأمر ، وهو موجه من الأعلى وهو الله سبحانه وإلى الأدنى وهم العباد ، وهذا يقتضي الوجوب وضرورة العلم به إلى أن يأتي ما يصرفه عن هذه الوجوب أو يخصصه.
والتعبير بفعل (الكون) يوحي بالإيجاد لشيء لم يكن موجوداً لحظة الخطاب إذ المعنى على (كان) التامة: (ولتوجد منكم أمة يدعون ...) ، والفعل المضارع يوحي بالتجدد والاستمرار في هذا العمل حتى لو حصل فيه انقطاع، بخلاف الأمر لو قيل مثلاً : (كونوا أمة تدعو إلى الخير) ، وتحديد المخاطب بهذا الأمر بقوله تعالى : (ولتكن منكم أمة) للإشعار بمزية هذه الأمة وشرفها ، حيث اختصها الله سبحانه وتعالى واختارها ، فكانت الفئة المصطفاة لهذه الشعيرة العظيمة هي (منكم) (أنتم) أيها المخاطبون ، ويفهم هذا المعنى من دلالة (مِنْ) الابتدائية فكان منطلق ومبدأ هذه الفئة هو أنتم أيها المؤمنون ، وهذا في نظري أولى من القول بالتبعيض ، لأن الابتداء هو معنى (مِنْ) الأصلي ، ولأن عدم لزوم الكل ، أو فرضية الكفاية ليس بالضرورة أن تفهم من (منكم) بل يمكن أن تدل عليها كلمة (أمة) أي جماعة تُؤم وتقصد ، فليس هذا الأمر مطلوباً من الجميع على درجة واحدة ، وفي وقت واحد، وإن كان توجيه الخطاب في أصله على معنى (مِنْ) المذكور هو لكل الأمة ، ثم أسندت الدعوة إلى البعض (الأمة) المختارة ، وهذا فيه إشعار بضرورة اهتمام المؤمنين جميعاً بهذه الشعيرة ، وعدم التخلي عنها بحجة قيام جهات معينة بها ، لأن التوجيه في أصله للعموم، ثم خصت الأمة المختارة على سبيل التكريم، أو التحديد، .
كما يتضح من هذا زيادة على ماذكر، عظم شأن هذه الفئة المختارة لهذه المهمة المحتسبة لها ، وعظم فضلها علينا أجمعين إذ بسببها يمكن أن يرفع الإثم عنا ، لذا وجب مساندتهم والوقوف معهم ، لا مضايقتهم وإضعاف شأنهم.
مواصفات القائمين بها:
(أمة يدعون إلى الخير)
في ظني أن التعبير بـــ (أمة) هنا له دلالته الخاصة ، فلم يقل سبحانه (وليكن منكم فريق) أو (جماعة) أو (فئة) أو غير ذلك، خصوصا أن هذه اللفظة تكررت (4)مرات مع هذا الشعيرة أي ما يعادل 10%من ورودها في القرآن كله؟
وجواب ذلك أن الأمة تدل على الكثرة من جهة ، وعلى التنوع من جهة ، وعلى كون أفرادها ممن يُؤَمّ ويُقصد.
وهذه المعاني المستقاة من جملة أقوال المفسرين وأهل اللغة تشير إلى أن هناك مواصفات معينة في الذين يتولون هذه المهمة، ويكونون معنيين بها عناية مباشرة ، ومن ذلك الكثرة فلا يصلح أن يُكتفي في هذا المرفق العظيم بالعدد القليل بل لا بد من العناية بهذا المرفق حتى يكون العدد فيه كافياً لإقامة هذه الشعيرة من كل الوجوه سواء العددي أم التأهيلي أم الإداري، أم المادي.
وأما معنى التنوع فهو يوحي بضرورة مشاركة الكل ومن كل الأطياف والجهات ، كما أنه قد يشير إلى التنوع في نوعية العاملين فقد يكون بعضهم مباشراً لهذا العمل وبعضهم مساندا له وبعضهم داعما ، وهكذا ، وهذا يعني ضرورة العناية بالكوادر اللازمة لإقامة هذه الشعيرة.
وأما المعنى الثالث وهو كونها فئة تؤَم وتُقصد فقد يشير هذا إلى كونهم علماء، أو من طلبة العلم، الذين يحتاج الناس إليهم ، أو كونهم من ذوي المكانة والجاه،أو ممن لهم يد على الناس بمساعدتهم لهم، وإحسانهم إليهم.
وجملة دلالة مادة(أم) على القصد، والطريقة، والاتباع،يقول الراغب:" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } أي : جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم" والله أعلم.
وستأتي الإشارة إلى كل ذلك خلال هذا التحليل الدلالي لألفاظ وتراكيب الآية الكريمة ، وقد تدمج بعض هذه العناصر مع بعض، أثناء التحليل.
الملحوظ في هذه الآية أنها جاءت بين آيتين تدلان على ضرورة الاتفاق ونبذ الافتراق ، فالآية السابقة تدعوا للاعتصام والأخوة قال تعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ...)) والآية التي تليها تنهى عن مشابهة أهل الفرقة والخلاف كما في قوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات..."
وبمصطلح أهل التفسير وعلوم القرآن يسمى بـ " علم مناسبة الآيات لما قبلها " وهو علم جليل ، أجد متعة في الربط بين الآيات ثم مراجعة المصادر .
- ولتكن : شرعية وكونية
...
ما شاء الله موضوع قيم جداً أستاذ أبو عزوز بارك الله فيك ونفع بعلمك وبما تنقل .
__________________ .
يا الله
أنت القدير على جبري بوصلك لي = أنت العليم بأسراري الخفياتي
أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي = جد لي بفضلك وأصفح عن خطيئاتي
وعبدك المشتكي والمرتجي فرجاً = يا سامع الصوت فأسمع شكياتي