أما بعد،
فإن كلمة رجس، كثيرا ما كانت تستوقفني في حديث الناس، و أتساءل عن معناها في دعائهم... حتى أني في مرة من مرات مررت بدعاء يقول: "اللهم اجعل عليهم رجسك و عذابك أله الحق"!!!!!...فلم انتبه في باديء الأمر لمعنى الكلمة...و لكن سرعان ما توقفت...فما معنى كلمة رجس؟؟؟
و من ثم بدأت هذه الرحلة حتى انتهت بي إلى هذه الصفحة من فضاء الفضائيات... هذه الصفحة التي ابحث فيها عن معنى كلمة رجس، و الفرق بينها و بين كلمة نجس، و كذلك انواع الرجس و النجس و درجاتهما و بعض الاحكام الفقهية التي تتعلق بهما...
فقد هالني، كما يغيظ الكفار كثيرا قول الله:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «28»
وقوله -صلى الله عليه و سلم: عن حذيفة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب . فحاد عنه فاغتسل . ثم جاء فقال : كنت جنبا قال "
إن المسلم لا ينجس " .
الراوي: حذيفة بن اليمان - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: مسلم
نعم هالني...فلم يكن -صلى الله عليه و سلم- يتعامل معهم على أنهم نجس -بمعنى قذر-!!!كما لم يتعامل مع ابو هريرة و حذيفة على أنهم نجس عندما احدثوا!!!
ثم ليس الحكم الفقهي، فالحكم الفقهي عندي مفهوم معقول جدا، فالكعبة مكان عبادة و توحيد، و المشركون ليس عندهم توحيد...
ولكن عطف النجاسة على المشركين؟؟؟ ما معناها؟؟؟ وما مقتضايتها؟؟؟ و هل لها سياق؟؟؟ أم انها عامة؟؟؟ و كيف؟؟؟
ولكن أليس المؤمن يمكن ان يتزوج كتابية؟؟؟
أليس طعامهم حل لنا؟؟؟
ألم يقم الرسول -صلى الله عليه و سلم لجنازة يهودي؟؟؟
فلماذا كان الحكم على الشرك أنه نجاسة؟؟؟ و أي نوع من النجاسات؟؟؟ ثم كيف لا ينجس المسلم و هو يتغوط، و قد يصبح جنبا، بل قد احيانا يفسق و يظلم...أكثر من مشرك!!!؟؟؟
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ «1» فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ «2» وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ «3» فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ «4» الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ «5» الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ «6» وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ «7» إن امر حقا يحتاج منا وقفة.... بل وقفات... لبيان هذا الحكم بوضوح، و سد شبهات الشيطان و نزغه، بلا الافراط و التفريط....
ثم يحتاج وقفات مع الاحكام العقائدية و العملية في معاني الطهارة!!!
اقتباس:
قيل : يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن
فقال : الماء طهور لا ينجسه شيء
الراوي: أبو سعيد الخدري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الإمام أحمد
|
على اطلاقه ....لا ينجسه شيء!!!!؟؟؟؟؟
اقتباس:
إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس
الراوي: - - خلاصة الدرجة: إسناده جيد - المحدث: يحيى بن معين
|
على اطلاقه....لا ينجسه شيء؟؟؟؟؟؟!!!!!!
اقتباس:
إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسا
الراوي: - - خلاصة الدرجة: يروى من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث وهو من قول العامة لا أعلم بينهم فيه اختلافاً - المحدث: الإمام الشافعي
|
لا يثبت...فيرد على اطلاقه حتى لو كان معناه صحيح؟؟؟؟!!!!
ولقد تكلم الفقهاء في هذا كثيرا....و تكلموا على الماء الكثير و القليل...و ما اختلط بطاهر و ما اختلط بنجس، كان اثرا أو عينا... و تكلموا على ما يشق الاحتراز منه، و ما لا يعرف نجاسته، وما يستقزر...وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه و سلم- بلا افراط و لا تفريط...و المشقة مجلبة للتيسر...
نعم...و الاحاديث كثيرة...و إن باب الطهارة من أصعب ابواب الفقة و إن صنفه الفقهاء في اول كتبهم(!!!و الحقيقة أن صعوبته في التصانيف، لا قبلها!!!!)...و ذلك اذا درس بالاقوال لا الافعال...أو درس بلا تصوّر حقيقي و ادراك لمعنى الطهارة العملية المحمدية
و مقاصدها (و الفرق بين الاحكام الحكمية الشرعية و الحكمية العقلية) و بين الممكن بالمواصفات الإنسانية و غير الممكن،
أو كيفية الجمع و حصول التزكية الباطنة (المقصد) و الظاهرة (الوسيلة) بلا افراط و لا تفريط...!!!
فالمؤمنين هم "المتطهرون"فِيهِ
((فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) و لسنا " المطهّرون"
((لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ))...و لا هم "قدسيين"...ولا "منزهين"...بل و لا حتى "معصومين" في التبليغ و الهدي (كالرسل أو الانبياء)، فضلا عن ما دون ذلك...وافضل المؤمنين يرجو ان يكون من الصالحين...المخلِصين المخلَصين...
فالحمد لله الذي أرسل رسوله -صلى الله عليه و سلم- ليزكي صحابته و يعلمهم الكتاب و الحكمة...صلى الله عليه و على آله و سلم تسليما كثيرا...
ولكي ندرك جزءا من هذه المعاني علينا أن نبدأ بين:
الفرق بين الحدث و النجاسة؟؟؟
الحدث، من حدوث الشيء او حصوله، فالمحدث من أحدث شيئا، كان هذا الحدث قبيحا أو جميلا....فالمحدث قد يكون مبتدعا، و قد يكون مخترعا، و قد يكون جنبا (
فَلاَ رَفَثَ) و قد يكون غير ذلك...!!!!
أما الحدث الذي يلزم التطهر منه
فقهيا (بالاحكام العملية المشروعة) بالغسل او الوضوء (
ولهما صفة حكمية، لا مجرد عملية تنظيف)، فهو إما بشهادة الشرك إلى شهادة التوحيد...أو احداث خارجي كالجنابة او تغوّط بالغسل أو الوضوء...!!!
أما ما دون ذلك -وذلك في غير الاحكام الفقهية- فيتطلب التطهر منه، كما يتطهر من ما هو مستقذر، أو الاحداث الخارجية بفعلها المسلم كالكبيرة أو الصغيرة...وهذه أيضا يلزم التطهر منها بالاستغفار و التوبة و الانابة أو حتى اتباع السيئة بالحسنة تمحها...
أما النجاسة فنوعان....
نوع هو عين النجاسة، وهو الشيء الذي يسبب النجاسة...
ونوع هو بسبب اختلاط طاهر بنجس، فهو بسبب أثر النجاسة...
ثم من هنا نطلق لمعنى الرجس؟
إن الرجس هو القذر،وكلُّ قَذَر رِجْسٌ، وهو أيضا ما يسبب عقاب الله، فقد يكون الشيء
غير قذر في ظاهرة، و لكن يسبب في الباطن نوع من انواع القذارة، فيسمى أيضا رجس...والرِّجْس: العذاب كالرِّجز. وأَما الرِّجْز فالعذاب والرجس فالعمل الذي يؤدي إِلى العذاب. فقد تدعو بأن ينزل الله رجزه، لا رجسه...فالرِّجْسُ في القرآن:
كالخمر و الانصاب و الأزلام تسبب نجاسة داخلية، و كذلك الخنزير... و لقد اهريقت في شوارع المدينة، و ذلك أن نجاستها لا تسبب نجاسة ظاهرية إنما نجاسة باطنة... إلا أن الخنزير و ال*** يختلف عن سائر المحرمات في الاطعمه، فال*** له احكام خاصة، خاصة بلعابة و دخوله البيت و اقتناءه بغير حاجة، اما الخنزيز، فذكر في القرآن على انه نفسه رجس، و ان عيسى بن مرسم -عليه الصلاة و السلام- عندما ينزل يقتله،(أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) و قد عطف على الميتة و الدم المسفوح إلا أنه خص بكونه رجس، ثم تتابع العطف، بعطف آخر وهو (
أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)!!!
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «90» إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ «91» وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ «92» لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «93»
وقد تأتي كلمة رجس بمعنى ضيق الصدر بالحق، و هو من لعنة الله و غضبه على الظالمين، ومن قذر العقول و القلوب و ظلمتها، فلا اتساع فيها حتى للسماع، و لا نور فيها للقبول:
فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ سورة الانعام
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ «68» أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «69» قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «70» قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ
فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ
«71»
سورة الاعراف
وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ «99» وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ «100» قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ «101» فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ «102»
سورة يونس