شموخ حكايتها
هذه حكايتي.. قبل انتحاري..
لم أدوّنها في منتدى الإبداع فلا إبداع في حياتي يستحق الوقوف..
هي حقيقة وددت إنهاءها بدءا من اليوم..
حتى الآن أخذت جرعة لابأس بها من دواء يعينني على إنهاء حياتي.. بصمت..
إليكم حكايتي قبل انتحاري:
فيها أسجل عذاباتي مع الزمن.. مع وحوش (!!!!).. مع القهر.. والظلم.. والنكد..
.. أسجلها قبل أن أغرس السّكين التي طالما احتفظت بها في الدرج.. لأدافع بها عن نفسي حين يباغتني بظلمه وجبروته المسمى: أبي..
بالأمس كنت أحتفظ بها لأحمي مشاعري من أن يجرحها أحد.. (أيُّ) أحد..
واليوم أنا من ستقطع كل عروق الأمل.. وشرايين الحياة.. بسكّيني..
فقط.. لأعانق الأمل.. الذي طالما حلمت بالوقوف على أعتابه.. للنجاة!!
......................................
المشهد الأول: والدي يغتال والدتي
شموخ.. أرادت لنفسها حكاية جميلة كحكايات ألف ليلة وليلة.. يسمعها أبناؤها.. وأحفادها.. يتوارثونها قَـصًّا في ليالي الشتاء الباردة.. لأبنائهم.. ليتغنّوا بعمق الزمن الذي قضته جدّتهم.. وكبرياء الأحداث التي دارت رُحاها قبل قدومهم..
أرادت شموخ ذلك.. لكن السفين قد توصل إلى غير مرسى الغايات.. فتبعث بـ "تعس" و "خيبة" تُذيبان النهايات..!
بعد خمسة وعشرين سنة تقف شموخ على جدار الألم دهشةً من حاضرٍ أزعجها ذلك السحر..
شموخ.. تُصعد دمعتها كيلا يراها أحد.. تقفل الباب.. تلامس الزمن.. تلامس الباب.. "هل صحيح أن أمي الآن في ثلاجة الأموات؟
لاااا.. أصدّق!"
..............................
بل الأمر واقع.. فصرير ذلك الباب قد اختفى.. الباب الذي اعتادت أم جسّاس أن تفتحـه كل يوم بعد الساعة الثانية عشرة أو الواحدة ليلا لتحكي آلامها لابنتها.. قد توقّف..
يخيّم الحزن على زواياه.. تقهره لهجة العزاء.. ومراسم الرحيل!
ياللألم!
الدنيا كلها تدور.. بل شموخ من تدور..
خرجت من غرفتها الحالكة تبحث عن الحقيقة..
تفتش في الملامح؛ في وجه والدها.. إخوتها.. في الجدران.. لاشئ، لاشئ سوى الصمت!!
الكل ينظر إليها يترقبون ظل كلمة.. ربما أرادوا العزاء.. "لاأدري..!"
الدهشة المرسومة في أعينهم أوقع من كل كلمة..!
تيبّست قدماها على الزاوية التي وطئتها قدمي والدتها ظهيرة كل يوم ومساءه.. وهي تنتظر زوجها أبا جسّاس وأبناؤه –أبناؤها- حتى يفرغوا من الأكل ثم تتسلل على خجل إلى طرف السفرة وتطلق كلماتها الرحيمة: "ماأكلتم زين ياعيالي، وش فيكم؟"
يالقلبها.. ماالذي تبقّى لها؟!
"ثلاثون سنة وأمي على ذلك الحال.. لاأصدّق!"
............................
ترنّحت في تلك الزاوية ووضعت يدها على فمها.. تنتظر كلمة!
أظنها من ستلقي الكلمات..
كيانها كلّه يصرخ: " مبارك عليك والدي.. هاقد تخلّصت من والدتي!"
نعم.. هو من قتلها.. بيديه.. تلك الليلة!!
...........................................
اندفع من الباب (كعادته).. يزأر.. بدلا من السلام..
حركة فكّيه تكاد تؤثر سلبا على أضراسه.. وفحيح أنفاسه الغاضبة يوقد عينيه احمرارا..
"لن اسأل ماالخطب فهذا أعرفه مذ خلقت!"
"أمي ترتعد" ذهابا وإيابا من الصالة إلى المطبخ.. روحها تبكي: "ياليتني متّ قبل هذا!"
نظراتها خائفة.. واهنة.. تعلم مصير أنفاسها المستغيثة..
"تفضل يابو جسّاس" وهي تقدم له قهوته المفضّلة التي جهّزتها قبل ساعتين (خشية أن يصل الجلاّد فلا يسعفها الوقت). تحاول المسكينة إغلاق كل أبواب الجدال بتجهيز كل شئ مبكرا.. حتى وجبة العشاء تبدأ بتجهيزها بعد انقضاء وقت الغداء مباشرة.. ياااااااااااللعذاب!
كان ردّه –كالعادة- إيكال الشتائم واللعائن عليها وعلى والديها.. وأهلها..
انتفضت المسكينة تنظر تحتها وحولها لاتعلم ماالأمر.. كأس الماء لم يسكب.. فنجان القهوة سليم.. التلفاز استقرّت أنفاسه على قناة الأخبار التي يريدها.. الأبواب مغلقة.. كل شئ تفقّدته وبحثتْ فيه.. "حتى عيناي المشحونة بالقهر".. .. لا..شئ!
تنهيدة خائف أطلقتها..
- "عساه خير يابو جسّاس؟!"
- "منين الخير منك ومن أهلك يابنت ال*** .........(!!) ... ؟!"
المسكينة تبتلع ريقها لاتستطيع الجدال، لايمكنها القول أنها لادخل لها بمشاريعه وتجارته.. هو المسئول! كل شئ يشارك فيه الغير ولا يأمنها عليه وإن وقعت الواقعة جعلها المسئولة.. وهي الضحيّة.. تعوّد ذلك وأورث أبناؤه ذات التفكير.. المرأة في أنظارهم شرّ الحياة!!
خيانةٌ كبرى!!
...................
كعادتها "أمي المسكينة".. تشير بعينيها إلى من ولها –حتى قطع الأثاث- بأن تلتزم الصمت، حتى لاتهيّجه أكثر..
"لم أعُد أحتمل، فكيف تحتملين كل هذا الظلم وأنتِ لاتعلمين عن شئ من أخطائه؟ لماذا يجعلك كبش الفداء وأنتِ راضية (بصمتك)؟ أبلغيه بأنه من اختار من يتعامل معهم!" حدّثتْها شموخ بعينيها!
جواب الأم كالعادة عينان تتوخيّان مزيدا من القهر..
"لم يسعني المكان فانصرفتُ على فحيح غضبه وكلماته الحارقة لها"..
"ستأتيني الليلة بعد منتصف الليل وأقيمُ على شخصيتها الدعوى بأن تتمالك القوة ورباطة الجأش وتصدح بكلمة الحق بأن الرجل لابد أن يحسن المعاملة مع أهله (حتى وإن جاء الأمر متأخرا بعد ثلاثون عاما)" هكذا حدّثتُ نفسي..
انشغلت شموخ بعدها (من بعد صلاة العشاء) بتنظيمات عملها بشوق للّقاء المنتظر!
......................
هاهي الساعة تشير إلى الثانية عشرة..
قريبا ستطرق الباب..
...
الساعة الواحدة.. هاقد أتت أخيرا!!
"أهلا شمّوختي.. ماأكلتي من وقت الغدا أكيد جوعانة؟"
"لا يمه.. الحمدلله شبعانة."
عيناها تخطف النظر إلى الأشياء بسرعة.. لاتستقرّ على شئ.. "ربما قرأت حديث عينيّ!!"
"طيب تصبحين على خير.. نامي علشان تصحين لدوامك بدري.."
"لحظة يمّـ..."!!
قاطعت: "بعدين بعدين..!!" وخرجت وروحها تلتصق بالباب ..!!
الغصة كانت تملأ صوتها عبَرات.. والألم يغتال عينيها..
ياللقهر..!
.................................................. .................................................. ..............................................
**)عفوا سأتابع حين أستطيع.. بدأت أشعر بالغثيان والدوار الآن بعد أن مرّت ثلاث ساعات على الجرعة.. دعواتكم بالرحمة إن لم أتابع)