جزاء المــــــــــــــــــــــــعارض العربي ............. (( النفي )) !!! بسم الله الرحمن الرحيم
السيد ولد أباه صدر في موريتانيا أخيرا قانون غير مسبوق في العالم العربي يحدد وينظم موقع ودور زعيم المعارضة ويكفل له امتيازات بروتوكولية ومادية خاصة، كما يلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معه في القضايا الوطنية الكبرى. ويؤسس هذا التقليد لسنة حميدة غير مألوفة في موريتانيا وفي باقي البلدان العربية حيث يتأرجح عادة موقع المعارض السياسي في ما بين ظلمات السجن وذل المنفى.
أذكر أنني قابلت في أحد البلدان الأوروبية شخصية عربية سياسية شغلت شتى المناصب العليا في بلدها، قبل أن ترغم على المنفى قالت لي: لقد حاولت بعد تركي الوظائف المرموقة التي شغلتها أن ألعب دور المعارض المعتدل الذي يكتفي بالنصيحة الهادئة والانتقاد اللطيف، إلا أن الحاكم عندنا لا يفهم سوى لغة التمجيد. وصل هذا المأزق مداه في بعض البلدان التي تكاد تكون طبقتها السياسية قد انتقلت بالكامل إلى المنافي أو السجون، في حين استطاع القليل الآخر من البلدان الحفاظ على إطار توافقي محدود وغير مؤسسي لاحتضان الأصوات المعارضة.
فإذا كانت العقلية العشائرية وقيم الشهامة التقليدية تسمح في الغالب باحتواء صدمات الاحتقان السياسي في بعض الساحات كما هو الشأن في البلدان الخليجية حيث يساعد مناخ الرخاء الاقتصادي في ضبط الاستقرار الاجتماعي فإن الهياكل المؤسسية تبدو عادة في الأقطار العربية عاجزة عن استيعاب واحتضان تعددية وتنوع ألوان الطيف السياسي. ويمكن تلخيص أسباب هذه الوضعية في ثلاثة عناصر أساسية:
أولا: التصور الاطلاقي السائد للسلطة في الحقل السياسي العربي الذي يتجلى في عاملين بارزين هما من جهة أحادية دائرة القرار وتماهي الحاكم والمفهوم الكلي للدولة من حيث هي فضاء الرباط الجماعي المشترك. ينجر عن العامل الأول نفي مبدأ استقلالية وتمايز السلطات الدستورية الثلاث التي ترتكز عليها بنية الدولة وينجر عن العامل الثاني تمويه حاجز الفصل الضروري بين حق معارضة أنظمة الحكم ومقتضيات الولاء للوطن وواجب التقيد بثوابت المواطنة.
ثانيها: هشاشة ومحدودية هياكل التنظيم السياسي القائمة وعجزها عن التعبير عن المطالب الاحتجاجية للفاعلين السياسيين لسببين مضاعفين هما من جهة مضايقات وحصار أنظمة الحكم وعقم الاستراتيجيات التعبوية والعملية للتنظيمات السياسية. والنتيجة البارزة لهذه الظاهرة هي تركز الخط الاحتجاجي في السباقات غير السياسية بحيث يصبح الحقل الديني أو العمل الأهلي (المجتمع المدني) الإطار الأكثر فاعلية لخوض صراعات سياسية ملتبسة مما قد يخرج عن ضوابط التحكم فيتخذ شكل إرهاب مدمر أو تنظيم سري غير شرعي.
ثالثها: عجز الانتخابات المنظمة عن حل إشكال شرعية الحكم لما يعتريها في الغالب من شوائب تزوير وتلاعب بأصوات الناخبين بحيث تتحول من جراء هذه الاختلالات إلى بؤرة احتقان سياسي، تفضي إلى تكريس القطيعة بين معارضة رافضة لشرعية نظام الحكم وسلطة تستخدم القنوات «الشرعية» لإقصاء الأطراف الخارجة عن طاعتها. فباستثناء الانتخابات الأخيرة التي نظمت في موريتانيا لم يحدث أن اعترفت معارضة عربية بنتائج انتخابات تتصل بهرم السلطة. والواقع أن تجربة اللجان المستقلة المشرفة على الانتخابات التي اعتمدتها موريتانيا بعد أن أثبتت جدوائيتها في الساحات الإفريقية تقدم حلا مؤقتا ضروريا لحسم شرعية الانتخابات وضمان شفافيتها ونزاهتها، مما يؤدي بالتالي إلى تطبيع الوضع السياسي وتأمين التوافق المطلوب حول نتائج المنافسة.
كما أن تجارب التحول الديمقراطي الناجحة في العالم تثبت بوضوح أن استحقاقات الانتقال الديمقراطي تتطلب نمطا من الصفقة بين أنظمة الحكم ومعارضتها لتمرير التحول السلمي الناجح من حالة الأحادية إلى وضعية التعددية. لقد أثبتت التجربة التي دعيت بالتناوب التوافقي في المغرب نجاعة هذا المسلك الذي أخرج البلاد من مرحلة الاحتقان الطويلة التي تلت انهيار عقد الائتلاف بين العرش وبعض مكونات الحركة الوطنية في مطلع الستينات. بل يمكن القول إن المعارضة المغربية أظهرت خلال هذه العقود الملتهبة قدرة فريدة على إدارة الصراع السياسي من داخل قنوات الشرعية المتاحة. وهكذا حققت واقعية ومرونة زعيم اليسار المغربي عبد الرحيم بوعبيد ما فشلت في تحقيقه ثورية بن بركة الحالمة.
كما أن تجارب الاستقواء بالخارج فشلت في إحداث النقلة المنشودة، وفي الحالات التي أفضت فيها إلى تقويض أنظمة الحكم كما حدث في العراق لم تتمكن فيها المعارضات المدعومة من الدول الأجنبية من تقديم بديل ناجع ومستقر. وحاصل الأمر أن الحقل السياسي العربي بحاجة إلى الخروج من النموذج الإطلاقي ـ الصدامي للحاكمية إلى النموذج التعاقدي ـ التمثيلي حيث لا يتحول الحاكم إلى إله مطلق ولا يتحول المعارض إلى قرصان متمرد يتردد بين السجون والمنافي.
__________________ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كل تجربه تزيد الأنسان علماً وخبره ..
وكل صدمه تعين الأنسان على التغيير...
وكل فكره تقدم الأنسان للعمل ... |