الشدائد طريق السدائد الشدائد تصنع الأبطال وتستحث الخطى وتوقظ الهمة وتحدث الهزة القوية الدافعة إلى البناء والعمل وتجعل من الإنسان ثروة غنية مليئة بالتجارب ، وذلك لمن وظفها خير توظيف واستغلها أحسن استغلال وبنى من بحر آلامها المتلاطم الموّاج آمالا عريضة قابلة للتطبيق . والمبرزون في الحياة ما نالوا رفعة ومكانة وعلما وفقها وتأثيرا إلا ولهم مع الشدائد نسب ومصاهرة ، عاشوا وتعايشوا معها ، وناموا وتسامروا في كنفها ، ولف الليل بينهم خيوطه وأعمل فيهم حتى بلغوا شأوا وشأنا عظيما . وقد قيل :
جزى الله الشدائد كل خير """" وان جرعننـي غصصاً بِريقي
وما مدحي لها حباً ولكــن """"عرفت بها عدوي من صديقي والحياة الطبيعية هي التي لا تصفو لطالب البتة فهي خلقت على كدر والسائر فيها يجب أن يدرك حقيقتها وأن يعلم أنها ليست المؤمل ولا المستقر وليست بالأبدية السرمدية حتى يعض عليها بالنواجذ :
خلقت على كدر وأنت تريدها """"صفوا من الأقذار والأكدار
أبدا لا يستقيم . والحاذق الفطن من جعل شدة الحياة له خطوا نحو المؤمل . عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشدائد في جميع مراحله ، كيف لو رأيته في شعب أبي طالب قاسى من الشدة ما قاسى ثلاث سنين حتى أكلوا ورق الشجر ، وتلمظ من قريش ألم السخرية والاستهزاء والعناد والتكذيب بل والأذى الجسدي من خنق وضرب ووضع للقذى على ظهره الشريف ، غير أن هذه الشدائد لم تثنه عن عزماته بل كانت من دوافع سيره وبذله وتضحيته ، وحين اشتكى له خباب بن الأرت رضي الله عنه ما يلاقونه من شدة وطلب الدعاء بأن يستنصر الله فقعد [ وهو محمر وجهه وقال: «لقد كان من قبلكم يمشط بأمشاط من الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق نصفين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون» . إن الشدائد طريق للسدائد ، والموفق من أدارها باقتدار واستعان بالله الكبير المتعال وصبر وصابر ، وعلم أن أقدار الله ليست شرا محضا بل ( وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) . قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت . . ويبتلي الله بعض القوم بالنعم ولو سقنا من أمثلة الشدائد التي نعايشها يوميا في بيوتاتنا وأعمالنا لأدركنا أننا قادرون بإذن الله أن نتجاوزها بعد توفيق الله والاستعانة به والصبر والمصابرة . الطلاق شدة ومصيبة وهو الحلال البغيض بيد أن من ذاقت شدته وقاست غصصه وآلامه يجب أن تدرك أنه ليس آخر المطاف ولا تجعل منه القضاء على الأمل والفسحة والرحابة ، بل لتزرع وسط غابة الصبار اليقطين ، ولترسم في الجدار الأصم بابا مفتوحا يشعرها بالتواصل ، والصخرة العظيمة قد يقدّها ويجبّها قطرات من الماء المتواصل، وما أعظم قول الله جل في علاه ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ). الخسارة التجارية شدة لكن النملة إن أخفقت في بلوغ القمة تحاملت على نفسها مرات عديدة بصبر ومجاهدة وعزم ومثابرة حتى تبلغه ولو بعد حين والرزق يأتيك بقدر سعيك فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة والله جعل اكل الرزق معلقا بالمشي والسعي في مناكب الأرض ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) . الديون المثقلة شدة بيد أنه بالإمكان أن نتحامل على أنفسنا وأن نصدق مع ربنا وأن نجاهد ونسعى لكسرحاجز الوهم الذي يجعلنا نتواكل في سداده ونسوف في قضائه ،عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو إمامة ، فقال له يا أبا إمامة ما لي أراك جالسا في غير وقت صلاة؟
قال: هموم لزمتني وديون أثقلتني يا رسول الله.
فقال: ألا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى دينك؟
قال: بلى يا رسول الله.
قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
قال أبو إمام: فعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى ديني. إننا بحاجة ماسة أن نجعل من الشدائد في حياتنا الاجتماعية أو حياتنا الدعوية أو غيرها بوابات للأمل والبذل والعطاء وأن نتجنب اللافاعلية وأن نشفق على قلوبنا من الانغلاق والانسداد فلن يفيدنا ولن يرفع عنا ولن نكون في عداد الناجحين . والطالب للمعالي والمجد المبين يجعل من وخز الحياة وقرص الشدائد سبيلا للرحيق الطيب والشهد اللذيذ :
تريدين إدراك المعالي رخيصة . . ولابد دون الشهد من إبر النحل والشدة في توجيه الناس للخير وتعبيدهم لمولاهم من أجل القربات وأنبل الطاعات وما وصية لقمان لابنه وهو يعظه إلا واحدة من السلوان الذي يستوجب من الداعين النظر والتأمل ( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) . فالعزمات لأهل الشدائد والصبر ، فنعم ما يصنعون ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) . فهل نعي حقائق الشدائد ونبني من براكينها ما ينفع الناس ويمكث في الأرض ..!!
(وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالو انا لله وانا اليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) .
التعديل الأخير تم بواسطة عصام بن حبيب الخلاقي ; 19-07-2007 الساعة 10:47 AM.
|