بين الشعوب والأديان: تأثير الأولى على الأخيرة !!!
بسم الله الرحمن الرحيم
علي سعد الموسى يورد أمين معلوف في كتابه الفلسفي (الهويات القاتلة) جملة لم يعلق عليها كثيراً وهو يتحدث بالقول: إن ما يثير الانتباه ليس إلا كم الدراسات التي ناقشت تأثير الأديان في حياة الشعوب بينما لم تستأثر العلاقة المعكوسة في تأثير الشعوب نفسها على الأديان بذات القدر من الأهمية (أمين معلوف: الهويات القاتلة ص87). أستلهم هذه المقولة المثيرة بالفعل للانتباه وأنا أشعر بالأسى لنتائج الاستطلاع البريطاني الذي أجرته قناة - سكاي نيوز - في الأسبوع الماضي والذي أظهر أن ما يقرب من 20% من المستطلعين في بريطانيا باتوا اليوم يشعرون أن الأديان في المجمل لها تأثير سلبي على المجتمعات فيما قال 54% إنهم يلمحون تأثيراً إيجابياً في المقابل. وكي لا يخدعنا فارق النسبتين الإيجابي، فإن ذات الاستطلاع يشير إلى تضاعف نسبة - السالبين - بالنظرة تجاه الأديان في مقابل تناقص أصحاب النظرة الموجبة بما يقرب من 21% عن آخر استطلاع مباشر بذات الأسئلة جرى منتصف عام 2005.
مع هذا يبقى السؤال الجوهري: هل الأديان بالفعل، وفي العصر الحديث تحديداً، هي ما يشكل شخصية الشعوب ومرتكزات بناء المجتمعات الأخلاقي، أم إن الشعوب نفسها هي صاحبة التأثير؟ (هناك فارق بين التأثير والتشكيل بالطبع) في شخصية الأديان وفي رسالتها الاجتماعية. من الواضح في الأساس أنه وكما أن الأديان تتمايز وتتباين عند المقارنة فيما بينها البين، بين دين وآخر، من حيث نفوذها وقدرتها على صبغ الحياة الاجتماعية في أوساط معتنقيها والمؤمنين بها، إلا أن الحقيقة الأخرى، أنه وحتى داخل أتباع الدين الواحد تتمايز أيضاً وتتباين المجتمعات داخل إطار ذات الدين من حيث قدرته على النفوذ وعلى صبغ الحياة الاجتماعية في أوساط أتباعه ومعتنقيه والمؤمنين به.
وكما أن مثل هذا يبدو فطرياً بدهياً فإن - المعلل - لن ينكر أن كل الأديان، وعلى رأسها ديننا الإسلامي الحنيف، تؤمن بحتمية التباين والاختلاف و(الشعوب والقبائل)، ولكن كيف استقام هذا التباين على أرض الواقع؟ بتأثير الشعوب والقبائل والمجتمعات عليه وبوقوفهم على الأماكن التي يريدونها لهم فوق الأماكن التي يرونها مناسبة لأوضاعهم على مسطرته. الأديان في أصلها رسالة إلهية إلى الخلق بتوصية واحدة محددة ولكن تختلف في التفاصيل. الرسالة الأصل هي تأثير الأديان في الشعوب ولكن التفاصيل هي ردة الفعل من هذه الشعوب في التأثير على الأديان. أولى دلالات التفاصيل كعلامات تأثير للمجتمعات في الأديان ليست بأكثر من الطرائق والمذهبية. الطرائق والمذهبية هي تفسير المجتمعات للأديان بحسب المعادلتين: ماذا تريد هذه المجتمعات من الدين وما هو تفسيرها لنصوصه بحسب التوافق مع الإدارة المطلوبة. هنا بعض النماذج من مقاطع تقاطع التأثير المتبادل بين الأديان والشعوب. يعتقد سوادنا الأعظم أن الأمة الأمريكية في شخوص مهاجريها ومؤسسيها الأوائل هربوا استيطاناً للعالم الجديد بعد اكتشافه من أجل نزعة تحررية من سطوة الكنيسة على الحياة الاجتماعية الدينية في المهاجع الأوروبية الأصل.
الصحيح أنه العكس، فأوائل المستوطنين الأوروبيين لمنطقة - نيو إنجلند - ووادي بنسلفانيا من فئة - البيورتانز - (المتطهرين، كما يرد في التراجم) هم في الأصل بذرة المحافظين وجذع شجرة التطرف في الحياة الكنسية المسيحية ومثلما قال أبو الرواية الأمريكية، ناثانيل هوثورن، في تعليق على روايته الشهيرة - رومانسية الوادي المرح -: هؤلاء أول تأثير سلبي للمجتمع على فكرة الدين وأول منعطف يجنح بالكنيسة إلى مفرق طرق شاذ متطرف وأول تفسير قضى على التعايش والتسامح لأنهم قاموا على مفهوم رأي في الكنيسة الأوروبية خذلاناً وليونة وخضوعاً لضغط تيارات التحديث في الفلسفة الأوروبية الطارئة (هو يتحدث عن أحداث كانت في مقتبل القرنين السادس والسابع عشر). هي ذات النظرة التي يراها المفكر اليهودي، وعالم اللغويات الأشهر، نوم تشومسكي، في تفسيره للحركة الصهيونية كواحد من أعظم الناقدين (من الداخل اليهودي) لهذه الحركة. في أدبياته يأتي الخيط المشترك الذي يرى أن الصهيونية هي تأثير الأتباع المخيف على الدين اليهودي، وهي الإضافة الخطيرة إليه التي حولته من دين إلى حركة سياسية ومن هوية عولمية إلى كيان قومي.
وباختصار، فإن النظرة السالبة للأديان، كما في الاستطلاع البريطاني، لم تكن بسبب تأثير الأديان بالقدر الذي هو إضافة الطرائق والمذاهب في التأثير عليها وهو ذات الفارق ما بين الرسالة الأصل للأديان وما بين التفاصيل. وفي الإسلام، يصعب أن نجد فارقاً جوهرياً له عن مساحة الأديان الأخرى من حيث تأثير - التفاصيل - على الأصل في الرسالة ولا يصعب أيضاً تحديد العلامة الفاصلة في المنعطف ما بين المتلازمين المتأثرين المؤثرين. فبعد أن كان هذا الدين في جلاء الرسالة النقية لوصية النبي المصطفى إلى معاذ بن جبل قاضياً إلى اليمن في ثلاثة أسطر تختصر وحدها كل عظمة وبلاغة الرسالة، صار اليوم أشبه ببحر من التفاصيل التي أبعدت الأتباع عن المنبع الأصل.
الإسلام لم يكن صوفية الشاذلية وطقوسها مثلما هو لم يكن معتقد - التشيع - الطارئ بعد مئتي عام من البعثة مثلما هو أيضا أوسع من الضيق الفقهي للسلفية الجديدة ومثلما هو أيضاً لا يمثل في المطلق رؤية القرامطة والخوارج والطالبانيين المتحجرة لانفتاحه السياسي كأول رسالة للعولمة في التاريخ البشري. الإسلام اليوم ضحية الأتباع وضحية التفاصيل والمذاهب والملل مثلما هو ضحية الكم الهائل من الكتب والأدبيات وضحية كل ما بين هذه الكتب والأدبيات من اختلافات وردود. قرنديزر
طبعا الموضوع في نظري فيه بعض الأخطاء لكن اتمنى التدقيق على الأيجابيات فيه
__________________ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كل تجربه تزيد الأنسان علماً وخبره ..
وكل صدمه تعين الأنسان على التغيير...
وكل فكره تقدم الأنسان للعمل ... |