التنازل عن السلــــــــــــــــطه !!
بسم الله الرحمن الرحيم
سعد بن طفلة في أول خطاب له أمام مجلس العموم، تقدم رئيس الوزراء البريطاني الجديد غوردن براون بمشاريع قوانين تحد من سلطته بقدر ست عشرة سلطة يتمتع بها رئيس الوزراء البريطاني، ويحول القانون هذه السلطات للبرلمان، أي أن رئيس الوزراء يتنازل عن بعض سلطاته في وقت تعيش بلاده حالة استنفار أمني بسبب مخطط إرهابي كبير.
كان المتوقع أن يطالب السيد براون بمزيد من الصلاحيات ولو على حساب الحريات العامة والخاصة تحت ذريعة التصدي للإرهاب ـ فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لكنه لم يفعل، فأقدم على التنازل عن السلطة أو بعضها. والحق أن التاريخ يحوي أمثلة ممن تنازلوا عن السلطة بشكل طوعي لأسباب مختلفة. كان أولهم في تاريخنا الحسن بن علي الذي تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان حقنا للدماء بعد مقتل أبيه علي بن أبي طالب. وعض بنو أمية بالنواجذ على الخلافة، لكن التاريخ يذكر لنا بأن بينهم استثناءات في التخلي عن السلطة، فحفيد معاوية بن أبي سفيان ـ معاوية بن يزيد (معاوية الثاني)، تنازل عن الخلافة بعد أيام قليلة قيل انها لم تتجاوز العشرين يوما. فقد وقف أمام الناس وخطب فيهم قائلا: «لا أحب أن ألقى الله عز وجل بتبعاتكم، فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم»، ثم أغلق على نفسه حتى مات بالطاعون سنة 64 هجرية. والحق أنه قدم نموذجا للتنازل عن السلطة خوفا من أن يظلم الناس.
وفي تاريخنا المعاصر، أعلن عبد الناصر استقالته بعيد هزيمة النكسة العام 1967، لكن الجماهير ـ هداها الله ـ خرجت بالملايين مطالبة إياه بعدم التخلي عن السلطة برسائل مكتوبة بالدم. فما كان من الزعيم الراحل سوى الخضوع لرغبة الجماهير، والعودة مجددا لتحمل مسؤولية السلطة. وشأنه في ذلك الرئيس اليمني الحالي علي عبد الله صالح الذي أعلن أنه لن يخوض انتخابات رئاسة الجمهورية اليمنية بعد أن حكمها ثلاثين سنة، ولكن الجماهير ـ سامحها الله أيضا ـ خرجت في طول البلاد وعرضها مطالبة الرئيس صالح بعدم التقاعد وخوض انتخابات الرئاسة مرة أخرى، وهو ما كان، وفاز الرئيس وعاد إلى السلطة مجبرا بضغط الجماهير.
في السودان، قدم سوار الذهب إنجازا نادرا لعسكر العالم الثالث، حيث استولى على السلطة واعدا الجماهير بالتخلي عنها وإعادتها إلى الشعب عبر انتخابات حرة، وهو ما تم بالفعل. وتكرر نموذج سوار الذهب التاريخي في موريتانيا قبل أسابيع، حين سلم القائد العسكري للانقلاب على الرئيس الذي أتى بانقلاب أيضا السلطة للشعب الموريتاني، الذي تقوده الآن سلطة منتخبة انتخابا حرا مباشرا.
أما في ليبيا، فإن الأخ العقيد معمر القذافي لا يملك أية سلطة كي يتخلى عنها. فالأخ العقيد يكرر في كل مقابلاته الإعلامية أنه ليس رئيس دولة، ولا يتمتع بصلاحيات تفوق صلاحيات اللجان الشعبية التي تسوس البلاد وتحكمها، وبأن السلطة قد تم التنازل عنها منذ عقود للشعب، من خلال هذه اللجان، بحيث تحول القذافي إلى مواطن ليبي عادي لا يملك من الصلاحيات أكثر من أي مواطن ليبي آخر. وبذا قدم الأخ العقيد نموذجا لم يحدث في تاريخ البشرية، ولا أعتقد أنه سيتكرر في القادم من العصور والدهور، وهو تنازل عن السلطة برمتها لا يبدو للآخرين كذلك، ولم يستطع أحد أن يستوعب هذه التجربة القذافية الفريدة في الحكم والسلطة. فالعالم كله يظن «واهما» أن القذافي يحكم ليبيا حكما تسلطيا مستبدا، بينما يقول الأخ العقيد أنه لا يملك من السلطة شيئا. يسجل التاريخ نماذج التنازل عن السلطة، لأنها النادرة، بينما السائد في تاريخ البشرية، هو الحكم العقيم العضوض.
__________________ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كل تجربه تزيد الأنسان علماً وخبره ..
وكل صدمه تعين الأنسان على التغيير...
وكل فكره تقدم الأنسان للعمل ...
التعديل الأخير تم بواسطة قرنديزر ; 08-07-2007 الساعة 04:22 AM.
|