قصة ذهابة للجهاد00000000 فقبل نحو عقد من الزمان ، وتحديداً في ربيع الآخر عام 1417هـ انتهى المطاف بأبي عمر إلى بلاد الشيشان ، وكان ذلك إبّان الحرب الأولى عليها ، وقبل انسحاب الغزاة الروس بثلاثة أشهر .
وقد انخرط فور وصوله في معسكر القائد ابن الخطاب رحمه الله، ولم يكن أبو عمر معروفاً آنذاك ، حيث كان حريصاً على البعد عن الأضواء ، حتى جاء القائد أبو الوليد رحمه الله يوماً لزيارة المعسكر ، فلم يكد يصدّق ما رأته عيناه ، حين رأى أبا عمر و الذي كان أميره في بلاد الأفغان ومعلمه ، فسرّ بذلك أيما سرور ، وقام بالتعريف به بين قادة المعسكر ، ونبه الناس إلى علمه وفضله ، ففرحوا وعرفوا للرجل مكانه ومكانته .
وحين وضعت الحرب الأولى أوزارها ، وبدأ الغزاة الروس في الانسحاب ، طفق الشيخ أبو عمر يعدّ العدة للبدء في التعليم و التوجيه ، فبدأ بإقامة الدروس للمجاهدين ، وتعليمهم أمور الدين وفقه الجهاد ، ففرح القادة بذلك ، لأنه كفاهم مؤونة التوجيه و التعليم وسد ثغرة طالما كانت تؤرق قادة الجهاد في الشيشان ، وهي كذلك تؤرق قادة الجهاد في كل مكان حيث نقص الكوادر العلمية .
ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل تطور إلى ما اهو أعظم ، فبعد أن أتم الروس انسحابهم أعلن الرئيس الشيشاني سليم خان ياندر بييف – رحمه الله- نيته في تطبيق الشريعة الإسلامية في هذه الجمهورية .، وبدأت المراسلات بينه وبين الشيخ أبي عمر عن طريق القائد الشيشاني عيسى تكبير المندوب الخاص للرئيس والشيخ شمس الدين باتوكايوف و الذي عيّن فيما بعد رئيساً للمحاكم الشرعية . وكانوا قد عرفوا الشيخ أبا عمر و التقوه وأعجبوا بشخصيته وسعة علمه وفقهه . وكان مما طلب الرئيس الشيشاني من الشيخ أبو عمر في هذه المراسلات إيجاد دستور إسلامي للبلاد .
وقد ظهر للشيخ أبي عمر حرص الرئيس وجديته في هذا الاتجاه فرغب في مقابلته . و تمت المقابلة في شهر رجب من عام 1417هـ . بمعية الشيخ فتحي – رحمه الله- أمير الجماعة * وقد جرى في هذا اللقاء المبارك حديث مطول بين الشيخ و الرئيس في أهمية وكيفية البدء في تطبيق وتحكيم الشريعة . وقد أكد الشيخ على جملة قضايا ، من أهمها : دور السلطة السياسية وأن يتعدى الإعلان عن تطبيق الشريعة إلى الخطوات العملية التفصيلية تطبيقاً وتنفيذاً ؛ ومن ذلك إقامة المحاكم الشرعية ، وإقامة جهاز الحسبة ، وبناء المساجد ، وتعليم الناس أمور الإسلام .. إلى أمور أخر يمكن مراجعة تفاصيلها في الفلم الوثائقي الذي سينشر بإذن الله في موقع القوقاز .
وقد تتابعت اللقاءات بعد ذلك، وأصدر الرئيس سليم خان – رحمه الله – عدة مراسيم ؛ فأصدر مرسوماً بتأسيس المحاكم الشرعية وآخر بتأسيس جهاز الحسبة وسماه (حرس الشريعة) ومراسيم أخر تنظم التعليم و المساجد وغيرها .
ولما ظهر للشيخ أبي عمر – رحمه الله – صدق توجه الرئيس ورغبته في خدمة الإسلام ، فرح بذلك ونذر نفسه وتفرغ للقيام بهذا العمل الجلل وواصل كلل الليل بكلل بالنهار ، وتولى بنفسه الإشراف على أهم الأجهزة في هذه المرحلة وهو تنظيم وتعليم القضاء الشرعي فأسس معهد القضاء الشرعي ومعهد حرس الشريعة في مدينة "قودرميس"، فكان يعُدّ القضاة بالتعليم و المدارسة ليلاً ويباشر معهم الفصل في أقضية الناس التي قيدوها بالأمس بعد صلاة الفجر قبل أن يجلسوا للناس ، حتى أينعت هذه المحاكم وعمت بركاتها ، وكثرت حتى بلغت فروعها ستة وعشرين محكمة . وتخرج على يديه ثلة من القضاة وطلاب العلم .
وقد وقف الشيخ أبو عمر – رحمه الله- إلى جانب الرئيس الشيشاني سليم خان في توجهاته المباركة . فأعلن دعمه له ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأسهم هو شخصياً في دعمه مادياً ، على قلة ذات يده وتبنى بنفسه القيام على هذا الصرح الكبير ، لأولويته وأهميته ، بخاصة أنه ثمرة الجهاد في سبيل الله .
وقد ظهرت آثار تطبيق الشريعة جلية واضحة على الناس فأمنوا على أموالهم وأعراضهم ، وبنيت المساجد وكثر المصلون وانتشرت حلق التعليم ومنع الفساد ، في بلد كانت تعمه الفوضى وتتحكم فيه العصابات وتخفى على كثير من أهله معالم الدين وأحكام الشرع .
وبعد ثلاث سنوات من قدومه ، وتحديداً في شهر جمادي الأول من عام 1420هـ ؛ هاهي طبول الحرب تقرع مرة أخرى ، وهاهي نذرها بدأت تظهر ، ويعود الغزاة الروس مرة أخرى إلى الشيشان ، ويشاهد أبو عمر كل ذلك بأم عينه ، فيبلغ منه الهم كل مبلغ ، حتى لم يعد يذق طعم النوم في تلك الليالي الباردة في تلك البقعة القصية من الأرض .
وفي إحدى الليالي بات الشيخ مهموماً ، وفي الثلث الأخير من الفجر قام وكتب رسالة مؤثرة إلى المسلمين ذكرهم بما هو واجب عليهم في تلك المحنة والمصيبة الواقعة على الشعب الشيشاني ، و الشيخ حين يكتب كتاباً فإنه لا يستطرد ، بل ينتقي جوامع الكلم، ويكثر فيه من الاعتماد على نصوص الكتاب و السنة حتى لكأنك تقرأ كلام بعض السلف .
تأملوا معنا هذا المقطع المنقول من أحد بياناته ، إذ يقول : ( إن ما وصل إليه حال الأمة اليوم من الذلة و الضعف و تكالب الأعداء على خيراتها يرجع إلى تخليها عن خصلتين من خصال حملة الرسالة وهما الشجاعة و الكرم و بهما يقوم الجهاد في سبيل الله تعالى فبالشجاعة يجاهد المسلم بنفسه ، و بالكرم يجاهد بماله ، ومتى تخلت الأمة عن هاتين الخصلتين فقد تخلت عن حمل الرسالة كما أرادها الله أن تحمل ورضيت بالذلة و الضعف ، قال صلى الله عليه وسلم : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، قيل : يا رسول الله فمن قلة يومئذ قال : لا ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، يجعل الوهن في قلوبكم ، وينزع الرعب من قلوب عدوكم ، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت) .
وكانت جديرة بالاستبدال لتخليها عن هاتين الخصلتين ، قال الله تعالى عن ترك الشجاعة : (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ) وقال عن ترك الكرم و الإنفاق في سبيل الله ( هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وانتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ، وهذه سنة الله تعالى المشاهدة الملموسة في الواقع ، ووعده الصادق الذي لا يتبدل .
فعندما اتصف رجال قليلون من هذه الأمة بهاتين الخصلتين – الشجاعة و الكرم – في بلاد الشيشان استطاعوا بحمد الله تعالى دحر العدو الروسي الكافر الذي خرج من البلاد يجر أذيال الخيبة و الهزيمة .
و الغاية التي شرع لأجلها الجهاد بالنفس و المال أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ، قال تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ، وقال تعالى : ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) .
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ... ) ) ا . هـ
ثم شرع في لقاء قادة المجاهدين و البحث معهم في كيفية الاستعداد لدفع الغزاة ، من شراء الأسلحة و المؤن ، وفي موازاة ذلك كان حريصاً على جمع كلمة المجاهدين و التأليف بين قلوبهم ، ولم يكن رحمه الله منظراً للقتال ، أو داعياً إليه بقلمه فحسب بل كان في مقدمة المجاهدين ، وقد أصيب مراراً في مواضع كثيرة من جسمه جعلته طريح الفراش حيناً من الدهر .
__________________ كم أشتاق اليك يامكة وما أبهاك وأجلك ياكعبة.. 
أم أسيد مشكورة على البطاقة ياعمري.. أمـــوت و يـبـقـى كـل مـا كـتـبـتـــه ذكــرى....
فيـا ليت كـل من قـرأ خطـي دعا لي..
التعديل الأخير تم بواسطة قوووت ; 03-07-2007 الساعة 01:34 AM.
|