حلِّق في الآفاق وأنت في مكانك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عبد الرحمن بن صالح العشماوي كان وجهه لوحةً من الأسى العميق، وكان للحزن في تقاسيم وجهه من الأثر الواضح ما لا يمكن أن تُخطِئه عينُ ناظرٍ له، أما نظرات عينيه فقد كانتا لغةً من لغات الهمِّ الثقيل، والغمِّ الطويل لا يعسر فهم مفرداتها على من ينظر إلى عينيه منذ الوهلة الأولى.
قال لي مبادراً: لقد ضاعت الأمة - أيها الكتاب والأدباء والشعراء - لم تنفعها آلاف الكتب المؤلفة، وآلاف القصائد والخطب التي تشنِّف الأسماع، وآلاف قرارات المؤتمرات التي لا جَعْجَعَةَ لها ولا طحْن، لقد فقدت الأمة المسلمة بَوْصَلَةَ التَّوجيه، فما عادت تدرك النهاية المفجعة التي تنتظرها في هذا الطريق الذي تسير فيه، حتى ذلك البصيص من نور الوعي وصحوة الضمير، والوعي الديني الذي انبثق في وجدانها قُتل على أيدي المرجفين المضلِّلين من المفكرين والمثقفين وأصحاب الرأي السياسي، ومن بعض العلماء الذين تتطاير فتاواهم من خلال الفضائيات كما يتطاير الهَبَاء، وما أدراك ما الهباء؟!
وصمت قليلاً ثم تابع: ماذا بقي لهذه الأمة المليارية التائهة؟ لقد أضاعت كلَّ شيء، وأصبحت جديرةً بامتياز أن يعود إليها الاحتلال، بعد سنوات مما كان يسمى الاستقلال، لأن المحتلّ قد رآها فريسةً جاهزة عاجزةً عن الدفاع عن نفسها، لقد استطاع أن يدوِّخها تماماً ثقافياً وفكرياً وسياسياً وإعلامياً واجتماعياً، وقبل ذلك - دينياً - ولما بلغ بها درجة (عدم الاستقرار) انقضَّ عليها ينهش اللحم، ويكسر العظم، ويأكل من أعضاء جسدها المنهك ما يشاء، فإذا غَصَّ بما يأكل شرب كأساً من (النفط) مزيلاً آثار غُصَّته، لقد انتهت أمتنا وهي لا تشعر بهذا الانتهاء، وهنا تمكن خطورة هذا الداء، أكاد - أيها الكاتب الشاعر - أن أفقد توازني ويكاد صدري ينفجر من ضيق شديد أشعر به لا يعلم مداه في نفسي إلا الله.
قلت له: أنا لا أملك أن أقول لك الآن ولكلِّ من يشعر بمثل شعورك هذا من المسلمين وهم كثيرون، إلا هوِّن على نفسك وخفف من هذا الإحساس القاتل، لا أعني بذلك أن تطفئ شمعة الوعي المضاءة في عقلك، وأن تستهين بما تعاني أمتك - كلا - لا أعني ذلك أبداً، وإنما أعني أن تهدأ قليلاً لتتمكن من التفكير، لأن الإنسان إذا استسلم لهذه الحالة من انغلاق النفس فقد السيطرة على التفكير السليم فكان سبباً آخر من أسباب ضعف الأمة ووهن قوتها.
أنت مسلم تملك من أدوات القوّة الهائلة روحاً وعقلاً ووجداناً ما لا يملكه سواك، وتستطيع بإيمانك بالله عز وجل أن تحلِّق في الآفاق وأنت في مكانك، وأن تقدِّم لأمتك شيئاً ما مهما كان في تقديرك ضعيفاً، فإنّ الأمم يا أخي لا تخرج من خنادق ضعفها إلا بأرواحٍ مشرقة قويَّة بإيمانها ويقينها، ولا يمكن أن تزول هذه الأوضاع المتردِّية التي تعاني منها الأمة بروح التشاؤم أبداً، إن طريق المليون ميل تبدأ بخطوة واحدة، فكيف بطريق الألف ميل، أرجو أن تُلَمْلِمَ أشتات نفسك، وأن تعلم أنك تشكل (لَبِنَةً) في بناء الأمة، وأن البناء القويَّ لا يقوم على (لَبِنَات ضعيفةٍ) أبداً. إشارة: ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
__________________ المستقبل لايُرسم بريشة القانطين |