مشروع فريد الحياة الزوجية مشروع فريد من نوعه يعكس مدى التكوين الإلهي الدقيق في جعله من نواميس هذه الحياة ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ... ). ولو أدركنا هذه الحقيقة الربانية لانزاحت عنا مشاكل كثيرة وعوائق استقرار مريرة . فالحياة ببساطتها وعذريتها وفطرتها أقرب ما تكون للنجاح والاستقرار ، والتكلف والتعقيد الأسري يجعلها بمنأى عن راحة البال وسعادة الحال . والمتأمل في الحياة الأسرية المحمدية على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تسليم يدرك جليا هذه الحقيقة بنصاعتها ووضوحها وجلائها فلا تجد من تعقيدات الحياة في حياة سيد البشر عليه الصلاة والسلام ما يلفها ويحرفها عن مسارها الصحيح . يعيش أبا وزوجا متفاعلا وفاعلا ملأ أرجاء بيوتاته مودة ورحمة وعامل وتعامل مع أفراد عائلته بما يحقق لها الخيرية الدنيوية والأخروية ويربطهم بخالقهم جل وتقدس يفرح لفرحهم ، ويأسى لأساهم ويمازح الصغير ويعطف عليه ويتلطف في عباراته ولا يسلب آراء زوجاته وهو النبي الكريم المعصوم ويستشير ويُستشار ويمازح ويسابق وهو مع هذا كله لم يفقد هيبته ولم تكسبه تعاملاته الرحبة الضافية الراقية إلا سموا وعزا ومحبة وألفة وكفى به صلى الله عليه وسلم قدوة ونبراسا ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) . والأدوار المناطة بكل طرف في هذا المشروع البريء يجسد معنى اللحمة الفريدة في عالم مايسمى ( الحياة الزوجية ).
ومن تقمص الاستعلاء عوقب بالإذلال ، ومن لبس غير لباسه جرد من أساسه ، ومن اتخذ هواه دليلا لحياته انصرفت عنه غير آسفة ولا آبهة وكان حقا عليه الضلالة والعماية . فالحياة الزوجية أركانها الزوج والزوجة وجنباتها الذرية وكل له صفات تميزه وطباع تختلف عن الآخر ولا تجد اثنين في هذه الحياة قد انسجما كليا واتفقا في جميع الأمور ، غير أن الواجب في هذه الحياة الزوجية أن تتوازى الطباع ، وأن تدار بلا تكلف ، وأن تهذب بلا تعنيف ، وأن تكون للأسرة قواسم مشتركة يبعدها عن التقاطع و يضمن لها البقاء والاستقرار والاستمرار ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فالتعارف بين الناس وبذل المعروف والخير واتساع الأفق في التواؤم والتوافق على المتفق عليه والإعذار والتعاذر في المختلف فيه وخصوصا في ( الحياة الزوجية ) جدير وحقيق أن يسمق ويتسامى ويبرز . مَن مِن الناس لا يريد تحقيق السعادة والعيش بصفاء وهناء ،كل يبذل الغالي والنفيس في سبيل تحصيله غير أن الطريق إلى ذلك لا يتأتى إلا من بوابة التقوى واتباع سبيل ومنهج الله الذي به سعادة الدنيا والآخرة (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة .. ) . والسعي لتحقيق التقوى يتطلب الصدق والمصابرة وإن اعتور السعي الزلل والخطأ ـ وهو جبلة بشرية ـ دُفع بالاستغفار والافتقار إلى الله جل وعز ونيل بالفرار إليه سبحانه وتعالى ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) . أي معنى لحياة زوجية قد احتقر كل ركن من أركانه الآخر وظنه هامشي جانبي يجب أن يقهر ويهمل ، وأي حياة تكون والزوجان قد نسيا الفضل بينهما وتنكرا لبعضهما وقتلا العاطفة والمودة والحسنى أن تعيش في رباهما . بل أي حياة تطاق والريبة شاخصة والشكوك مساورة والظنون محيطة محدقة قد فرخ الشيطان في عشهما الزوجي وأحال مودتها موأدة ، وألبس عليهما حياتهما بالتحسس والتجسس ، وزين لهما الخصام والغيبة وأجلب عليهما بخيله ورجله ليصدهما عن ذكر الله وعن الصلاة والسكينة ليشيطنهما ويقتلعهما من جذورهما والله يدعو إلى وأد الشر والظنون الفاسدة ويدعو إلى الإحسان والمعروف والبر والصلة ويقول ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ) ويقول ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) ويقول (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم ) ويقول ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) ويقول ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) وقد قال ابن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل وشر يجتنب . والزوجان إن سارا بحياتهما مسيرة المعروف والرحمة والمودة نشأ في الأعم الأغلب ذريتهما على ما يسعدهما في الدنيا والآخرة وكانوا لهما قرة عين وبر فالله لا يضيع أجر المحسنين ولن يترهما أعمالهما وتربيتهما والله في عونهما ويسدد لهما الخطى ( والله معكم ولن يتركم أعمالكم ) . اللهم اجعل حياتنا الزوجية في ظل رحمتك وعافيتك وأنرها بالمعروف والصدق والتعاون على البر والتقوى ، وأغدق علينا من فيض رحماتك واستعملنا في طاعتك واجعلنا أغنى خلقك بك وأفقر عبادك إليك وارزقنا المودة في القربى والذكر الحسن والسعادة الأبدية إنك سميع قريب مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
التعديل الأخير تم بواسطة عصام بن حبيب الخلاقي ; 16-07-2007 الساعة 11:17 PM.
|