نعم الدين نوعان...دين داخلي و دين خاجي...دين يدين و يخبر به القلب....ودين تدين و تخبر به الجوارج...
والتدين كذلك.....تدين يعمل به القلب و يصدق به ...و تدين تعمل و تدين به الجوارح و تصدق به...
وقد يجتمع دين الإنسان و تدينه...وهذا هو الأصل و قد يفترقا.... و لكن اذا طال افتراقها قد يحصل خلل أو اخلاف أو تضارب في نفس دين أو تدين الإنسان الداخلي و الخارجي... فيمسي يخبر عن دين ليس دين قلبه...وقد يصل به الامر أنه لا يشعر بذلك... بل و يعمل اعمالا لا يعملها بقلبه أو لا يعمل بها قلبه...
نعم إن الامر يحتاج وقفه مع النفس...
فالإن الدين لابد أن ينبني على علم...
والعلم إن تيقن الإنسان منه لابد أن يؤثر في عمل باطنه وظاهرة (إن تطلب الامر تأثر ظاهريا)... أما البناء على الظن...فهذه كارثة و بناء يردي بصاحبه إلى المهالك...
فمثلا إن علمت ان في الغرفة المجاورة ثعبان، و ايقنت بذلك...
لا بد أن يكون لذلك أثر على باطني...و قد يظهر هذا الأثر ظاهريا ... بل قد يجعلني اتصرف بتصرف ظاهر و اعمال ظاهرة...ولكن اذا كنت متيقنه بشيء هو أمر ظني، فهذا ينشأ عندي عادة خطيرة و خلل في العلم الذي ينبني عليه ديني و تديني...
أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115)
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116)
إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117)
ثم ياتي المثل العملي التفصيلي:
فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118)
وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121)
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122)
سورة الانعام
يخبرنا -صلى الله عليه و سلم:
خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ، إذا فقهوا...
إن اعمال العمل الداخلي لدين المسلم بتصديقه القلبي الجازم بأنه لا يستحق العبادة و الطاعة و الانقياد الكامل إلا الله، و أن هذه الطاعة و الانقياد لابد أن تكون كما أمر، وبما أرسل به رسوله -صلى الله عليه و سلم- من شريعة...
هو العلم و الدين و التدين الذي اذا صدق القلب فيه لابد أن يؤثر في "علم و عمل" و دين و تدين الجوارح...
وهو الايمان الذي يؤدي إلى الإسلام لله رب العالمين...
الإسلام الذي يقبله الله من خلال الايمان الصحيح نقلا و عقلا، والعمل الصحيح نقلا و عقلا... شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18)
إن الدين عند الله الإسلام
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (20)
سورة آل عمران
ويقول -صلى الله عليه و سلم-:
إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ، حتى يكتب عند الله كذابا .
الراوي: عبدالله بن مسعود - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: البخاري
وفي رواية صحيحة :
يصدق و يتحرى الصدق...و يكذب و يتحرى الكذب!!!!! نعم إن للانسان ذاكرة معلوماتية كما له ذاكرة عملية وهي عادات الإنسان...
فعقيدة الإنسان و لبه هو يقينه، وهو اجتماع الذاكرتين المعلوماتية و العملية و ما يتحصل بترابطهما...
ومن لالب له لاجتماع له...
ومن لا أصل له لا استقرار له... و نعم فعلم العقل لابد أن يجتمع مع التصديق ليتفاعل الإنسان معه...و لا يبقى هذا التفاعل و لا يقل و لا ينقص إلا بصدق... و صدق أيضا نوعين صدق قولي باللسان و تصديق بالقلب و الجوارح و الاركان....
اما الخطأ فإن تاب الإنسان منه قبل أن يصبح عادة، او عاد عنه (فلي كل خطأ يحاسب الإنسان عليه)، لا يحدث أثرا يذكر لا على الصدق و لا على المعلومات و لا على العادات...بل إن الإنسان اذا هم بسيئة و لم يفعلها لوجه الله كتبت له حسنة!!!!
ولكن إن استمر الخطأ بلا توبة...فإن ذلك قد يمحو العادة الاساسية و الذاكرة العملية للانسان و قد يتسرب ذلك احيانا إلى الذاكرة المعلوماتية و قد لا يحدث ذلك...
فتجد شيخ كثير العلم و لكن....!!!!
وقد تجد شاب قليل العلم و لكن....!!!
والعلم الصحيح
نافع جدا للايمان و رافع لدرجته
على قدر عمله الداخلي و الخارجي به وجعله نافعا...
و العلم الخاطيء
يضر جزئيا و قد يتراكم عليه آفات فيهلك الإنسان به
إلا أن ينفعه أو يغالبه علم وعمل قلبه بما عنده من علم صحيح نافع...
والناس غالبيتهم ليسوا ابيض ناصع....أو اسود حالك....ولكنهم بين بين... ونعم.... ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم...
وعلى ما ذكرت من تراكم الاعمال و العادات الظاهرة و محوها للاعمال و العادات الباطنة، فإن علامات
النفاق العملي قد يفضي إلى
النفاق الاعتقادي...
آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان
الراوي: أبو هريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: البخاري
وفي رواية :
إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر
فهناك النفاق الأكبر المخرج من الملة (الداخلي) وهناك النفاق الأصغر غير المخرج من الملة (الخارجي) و النوعين يظهران في كثير من السياقات القرآنية...
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ «17» صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ «18» أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ «19» يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «20»
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «21»
سورة البقرة
وعلى ما ذكرت من تراكم الاعمال و العادات الظاهرة و محوها للاعمال و العادات الباطنة، فإن علامات النفاق العملي قد يفضي إلى النفاق الاعتقادي... ثم ترابط هذا كله بالاصل و العقيدة و و في لب الإنسان يخلق ترابط من نوع خاص، و انفصال أو انفصام ذلك، ولو جزئيا، قد يؤدي إلى النسيان ولو الجزئي و الانحراف... و الغريب أن الاكراه لا يؤثر في الدين...و إن كان قد يظهر أثره على التدين....يخبرنا الله عز و جل: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله
فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
والله سميع عليم (256) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (257)
سورة البقرة
والله أعلم