العودة   منتديات الإسلام اليوم > .°ˆ~*¤®§(*§ منتدى الإبداع الفكري §*)§®¤*~ˆ°. > العــــــام
التسجيل All Albums إستضافة الصور قائمة الأعضاء أوسمة التميز اجعل كافة الأقسام مقروءة

العــــــام باحة شاسعة يحدها الأفق، لتسع آراءكم وأطروحاتكم وحواراتكم، التي لم تسعفها المنتديات الأخرى ..

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-05-2007, 06:07 PM   #1 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي التوهم


التوهم
رحلة الإنسان إلي عالم الآخرة
للحارث بن أسد المحاسبي
أعده / رشاد محمد

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الواحد القهار ، العظيم الجبار ، الكبير المتعال الذي جعلنا للبلوى والاختبار ، وأعدَّ لنا الجنة والنار ، فعظم لذلك الخْطرُ ، وطال لذلك الحزن لمن عقل وادكَّر ، حتى يعلم أين المصير ، وأين المستقر ، لأنه عصي الرب ، وخالف المولي ، وأصبح وأمسي بين الغضب والرضا ، لا يدري أيهما قد حل ووقع له ، فعظم لذلك غمُّه ، وطال لذلك حزنه ، واشتد كربه حتى يعلم كيف عند الله حاله ! .
فإلي الله فارغب في التوفيق ، وإياه فسل العفو عن الذنوب ، وبه فاستعن في كل الأمور .
فعجبت كيف تقر عينك ؟!
أو كيف يزايل الوجل والإشفاق قلبك ؟!
وقد عصيت ربك ، واستوجبت بعصيانك غضبه وعقابه ، والموت لا محالة نازل بك بكربه وغصصه ونزعه وسكراته ، فكأنه قد نزل وشيكًا سريعًا .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:09 PM   #2 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


نزع الموت وكربه
فتوهم نفسك ، وقد صرعت للموت صرعة ، لا تقوم منها إلا َّ إلي الحشر إلي ربك .
فتوهم نفسك في نزع الموت ، وكربه ، وغصصه ، وسكراته ، وغمه وقلقه ، وقد بدأ المَلكُ يجذب روحَك من قدمك ، فوجدت ألم جذبه من أسفل قدميك ، ثم تدارك الجذب ، واستحث النزع ، وجُذِبَتْ الروحُ من جميع بدنك ، فَنَشَطَتْ من أسفلك متصاعدةً إلي أعلاك ، حتى إذا بلغ منك الكرب منتهاه ، وعمت آلام الموت جميع جسمك ، وقلبك وَجِل ، محزون ، مرتقب ، منتظر للبشري من الله عز وجل بالغضب أو الرضا ، وقد علمت أنه لا محيص لك دون أن تسمع إحدى البشريين من الملك الموكل بقبض روحك ؛ فبينا أنت في كربك وغمومك وألم الموت بسكراته ، وشدة حزنك ، لارتقابك إحدى البشريين من ربك ؛ إذ نظرت إلي صفحة وجه ملك الموت بأحسن الصورة أو بأقبحها ، ونظرت إليه مادًّا يده إلي فِيكَ ، ليخرج روحك من بدنك ، فذلت نفسك ، لما عاينت ذلك ، وعاينت وجه ملك الموت ، وتعلق قلبك بماذا يفجؤك من البشرى منه إذا سمعت صوته بنغمته ، أبشر يا ولي الله برضا الله وثوابه ، أو : أبشر يا عدو الله بغضبه وعقابه ، فتستيقن حينئذ بنجاحك وفوزك ، ويستقر الأمر في قلبك ، فتطمئن إلي الله نفسُك ، أو تستيقن بعطبك وهلاكك ، ويحل الإياس قلبك ، وينقطع من الله عز وجل رجاؤك وأملك ، فليزم حينئذ غاية الهَمِّ والحزن أو الفرح والسرور قلبك ، حين انقضت من الدنيا مدتك ، وانقطع منها أثرك ، وحملت إلي دار من سلف من الأمم قبلك .
فتوهم نفسك حين استطار قلبك فرحًا وسرورًا ، أو مُلِئَ حزنًا وعَبْرةً ، وبفترة القبر ، وهول مطلعه ، وروعة الملكين وسؤالهما فيه عن إيمانك بربك ، فَمُثَبَّتٌ مِنَ الله عز وجل ثناؤه بالقول الثابت ، أو متحيرٌ شَاكٌّ مخذول .
فتوهم أصواتهما حين يناديانك لتجلس لسؤالهما إياك ، ليوقفاك علي مساءلتهما .
فتوهم جلستك في ضيق لَحْدِكَ ، وقد سقطت أكفانك حقويك ، والقطنة من عينيك عند قدميك .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:12 PM   #3 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


سؤال الملكين
فتوهم ذلك ، ثم شخوصك ببصرك إلي صورتهما وعظم أجسامهما ، فإن رأيتهما بحسن الصورة : أيقن قلبك بالفوز والنجاة ، وإن رأيتهما بقبح الصورة : أيقن قلبك بالهلاك والعطب .
فتوهم أصواتهما ، وكلامهما بنغماتهما ، وسؤالهما ، ثم هو تثبيت الله إياك إن ثبتك ، أو تحييره إن خذلك .
فتوهم جوابك باليقين ، أو بالتحير ، أو بالتلديد والشك .
فتوهم إقبالهما عليك إن ثبَّتك الله عز وجل بالسرور ، وضَرْبَهما بأرجلهما جوانب قبرك بانفراج القبر عَنِ النار بضعفك .
ثم توهم وهي تتأجج بحريقها ، وإقبالهما عليك بالقول ، وأنت تنظر إلي ما صرف الله عنك ، فيزداد لذلك قلبك سرورًا وفرحًا ، وتوقن بسلامتك من النار بضعفك .
ثم توهم ضربهما بأرجلهما جوانب قبرك ، وانفراجه عن الجنة بزينتها ونعيمها ، وقولهما : يا عبد الله انظر إلي ما أعدَّ الله لك ، فهذا منزلك ، وهذا مصيرك ! .
فتوهم سرور قلبك وفرحك بما عاينت من نعيم الجنان وبهجة ملكها ، وعلمك أنك صائر إلي ما عاينت من نعيمها وحسن بهجتها .
وإن تكن الأخرى :
فتوهم خلاف ذلك كله من الانتهار لك ، ومن معاينتك الجنة ، وقولهما لك : انظر إلي ما حرمك الله عز وجل ، ومعاينتك النار ، وقولهما لك : انظر إلي ما أعد الله لك ، فهذا منزلك وهذا مصيرك ! .
فأعْظِمْ بهذا خطرًا ، وأعْظِمْ به عليك في الدنيا غمَّا وحزنًا ! حتى تعلم أي الحالتين في القبر حالك ، ثم الفناء والبلاء بعد ذلك ، حتى تنقطع الأوصال فتفني عظامك ، ويبلي بدنك ، ولا يبلي الحزن أو الفرح من روحك ، متوقعًا روحك ، متطلعًا للقيام عند النشور إلي غضب الله عز وجل وعقابه ، أو إلي رضا الله عز وجل وثوابه ، وأنت مع توقع ذلك معروضة روحك علي منزلك من الجنة أو مأواك من النار .
فيا حسرات روحك وغمومها ! ويا غبطتها وسرورها ! حتى إذا تكاملت عدة الموتى ، وخلت من سكانها الأرضُ والسماءُ ، فصاروا خامدين بعد حركاتهم ، فلا حس يُسمع ؛ ولا شخص يُري ، وقد بقي الجبار الأعلى كما لم يزل أزليًّا واحدًا منفردًا بعظمته وجلاله ، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء المنادي لكل الخلائق معك للعرض علي الله عز وجل بالذل والصغار منك ومنهم .
فتوهم كيف وقوع الصوت في مسمعك وعقلك ، وتفهم بعقلك بأنك تُدعي إلي العرض علي المَلِكِ الأعلى ، فطار فؤادك ، وشاب رأسك للنداء ؛ لأنها صيحةٌ واحدةٌ للعرض علي ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء .
فبينما أنت فزع للصوت ؛ إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك ، فوثبت مُغَبَّرًا من قرنك إلي قدمك بغبار قبرك ، قائمًا علي قدميك شاخصًا ببصرك نحو النداء ، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة ، وهم مغبرون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم .
فتوهم ثورتهم بالرعب والفزع منك ومنهم .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:18 PM   #4 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


فزع الخلائق يوم الحشر
فتوهم نفسك بِعُرْيِكَ ، ومذلتك ، وانفرادك بخوفك ، وأحزانك ، وغمومك ، وهمومك في زحمة الخلائق ، عُرَاةً حفاة ، صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة ، فلا تسمع إلا همس أقدامهم ، والصوت لمدة المنادي ، والخلائق مُقْبِلُون نحوه ، وأنت فيهم مقبل نحو الصوت ، ساعٍ بالخشوع والذلة ، حتى إذا وفيت الموقف ؛ ازدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراةً ، قد نُزِعَ المُلْكُ من مُلوكِ الأرض ، ولزمتهم الذلة والصغار ؛ فهم أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدْرًا بعد عتوهم وتجبرهم علي عباد الله عز وجل في أرضه .
ثم أقبلت الوحوش من البراري وذُري الجبال منكسة رءوسها لذل يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذليلة ليوم النشور لغير بليه نابتها ولا خطيئة أصابتها .
فتوهم إقبالها بذلها في اليوم العظيم ليوم العرض والنشور ، وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكسة رءوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض علي الله سبحانه ، فسبحانه الذي جمعهم بعد طول البلاء واختلاف خلقهم وطبائعهم ، وتوحش بعضهم من بعض ، قد أذلهم البعث وجمع بينهم النشور .
حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من انسها وجنِّها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها ، واستووا جميعًا في موقف العرض والحساب ؛ تناثرت نجوم السماء من فوقهم ، وطُمست الشمسُ والقمرُ ، وأُظْلِمَت الأرضُ بخمود سراجها وإطفاء نورها. فبينا أنت والخلائق علي ذلك ؛ إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم ، ثم بعظمها من فوق رؤوسهم ، وذلك بعينك تنظر إلي هول ذلك ، ثم انشقت بغلظها خمسمائة عام ، فيا هول صوت انشقاقها في سمعك ، ثم تمزقت وانفطرت بعظيم هول يوم القيامة ، والملائكة قيام علي أرجائها ، وهي حافات ما يتشقق ويتفطر ، فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها ، فأذابها ربها حتى صارت كالفضة المذابة تخالطها صفرة لفزع يوم القيامة ؟!
كما قال الجليل الكبير : فصارت :{وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} (37) سورة الرحمن ، و :{يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} (8-9) سورة المعارج .
فبينما ملائكة السماء الدنيا علي حافتها إذ انحدروا محشورين إلي الأرض للعرض والحساب ، وانحدروا من حافتيها بعظم أجسامهم وأخطارهم وعلو أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذي أنزلهم محشورين إلي الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه .
فتوهم تَحَدُّرهم من السحاب بعظيم أخطارهم ، وكبير أجسامهم ، وهول أصواتهم ، وشدة فرقهم ، منكسين لذل العرض علي الله عز وجل .
حدثني يحيي بن غيلان قال : حدثنا رشدين بن سعيد عن ابن عباس بن ميمون اللخمي عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو ابن العاص عن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ أنه قال :
( لله عز وجل ملك ما بين شفري عينيه مائة عام ) .
فيا فزعك وقد فزع الخلائق مخافة أن يكونوا أمروا بهم ، ومسألتهم إياهم : أفيكم ربنا ؟
ففزع الملائكة من سؤالهم إجلالاً لمليكهم أن يكون فيهم ، فنادوا بأصواتهم تنزيهًا لما توهمه أهل الأرض : سبحان ربنا ليس هو بيننا ولكنه آتٍ من بعد ، حتى أخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رءوسهم لذل يومهم .
فتوهم وقد تسربلوا بأجنحتهم ونكسوا رءوسهم في عظم خلقهم بالذل والمسكنة والخشوع لربهم ، ثم كل شيء علي ذلك ، وكذلك إلي السماء السابعة ، كل أهل سماء مضعفين بالعدد ، وعظم الأجسام ، وكل أهل سماء محدقين بالخلائق صفًّا واحدًا ، حتى إذا وافي الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حرَّ عشر سنين وأدنيت من رءوس الخلائق قاب قوس أو قوسين ، ولا ظل لأحد إلاَّ ظل عرش رب العالمين ، فمن بين مستظل بظل العرش ، وبين مضحوًّ بِحَرِّ الشمس ، قد صهرته بِحَرِّهَا ، واشتد كربه وقلقه من وهجها ، ثم ازدحمت الأمم وتدافعت ، فدفع بعضهم بعضًا ، وتضايقت ، فاختلفت الأقدام ، وانقطعت الأعناق من العطش ، واجتمع حَرُّ الشمس ، ووهج أنفاس الخلائق ، وتزاحم أجسامهم ، ففاض العرق منهم سائلاً حتى استنقع علي وجه الأرض ، ثم علي الأبدان علي قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله عز وجل بالسعادة والشقاء ، حتى إذا بلغ من بعضهم العرق كعبيه ، وبعضهم حقويه (خصره) ، وبعضهم إلي شحمة أذنيه ، ومنهم من كاد أن يغيب في عرقه ، ومَنْ قد توسط العرق من دون ذلك منه .
عن عمير بن سعيد قال : جلست إلي ابن عمرو بن العاص وأبي سعيد ألخدري ، وذلك يوم الجمعة فقال أحدهما لصاحبه : إني سمعت رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول : ( أين يبلغ العرق من ابن آدم يوم القيامة ؟ ) فقال أحدهم : شحمة أذنيه ، وقال الآخر : يلجمه ، فقال ابن عمر : هكذا ، وخط من فيه إلي شحمة أذنيه ، فقال : ما أري ذلك إلا سواء .
وعن خيثمة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال : ( الأرض كلها نار يوم القيامة ، والجنة من ورائها يرون كواعبها وأكوابها ، والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليفيض عرقًا حتى يسيح في الأرض قامته ، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه ، وما مسه الحساب ) ، قال : فقالوا : مما ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : فقال : ( مما يري الناس يلقون ) .
عن ابن عمر قال : قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ : (إن الرجل) وقال علي مرة (إن الكافر) ( ليقوم يوم القيامة في بحر رشحه إلي أنصاف أذنيه من طول القيام ) [ متفق عليه ] .
عن عبد الله رفعه إلي النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ : ( إن الكافر يلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذلك اليوم ) ( وقال عليُّ : من طول القيام ـ قالا جميعًا ) ( حتى يقول : رب ارحمني ولو إلي النار )
[ أخرجه الطبراني وأبو يعلي والبيهقي ] .
وأنت لا محالة أحدهم .
فتوهم نفسك لكربك ، وقد علاك العرق ، وأطبق عليك الغَمُّ ، وضاقت نفسك في صدرك من شدة العرق والفزع والرعب ، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلي دار السعادة أو إلي دار الشقاء ، حتى إذا بلغ المجهود منك ومن الخلائق منتهاه ، وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون في أمورهم ، فما ظنك بوقوفهم ثلاثمائة عام لا يأكلون فيه أكلة ، ولا يشربون فيه شربة ، ولا يلفح وجوهم روح ولا طيب نسيم ، ولا يستريحون من تعب قيامهم ونصب وقوفهم حتى بلغ الجهد منهم مالا طاقة لهم به .
عن قتادة أو كعب بن مانع الحميري ، قال :{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (6) سورة المطففين ، قال : ( يقومون مقدار ثلاثمائة عام ) .
وقال : سمعت الحسن البصري يقول : ( ما ظنك بأقوام قاموا لله عز وجل علي أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ، ولم يشربوا فيها شربة ، حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش ، واحترقت أجوافهم من الجوع ، انصرف بهم إلي النار ، فسقوا من عين آنية ، قد آن حَرُّها واشتد نفحها ، فلما بلغ المجهود منهم مالا طاقة لهم به كلَّم بعضهم بعضًا في طلب مَنْ يكرم علي مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم لينصرفوا إلي الجنة أو إلي النار من وقوفهم ، ففزعوا إلي آدم ونوح ومن بعده إبراهيم ، وموسي وعيسي من بعد إبراهيم ، كلهم يقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، فكلهم يذكر شدة غضب ربه عز وجل وينادي بالشغل بنفسه فيقول : نفسي نفسي ، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلي ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها ) .
وكذلك يقول الله عز وجل :{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} (111) سورة النحل .
فتوهم أصوات الخلائق ، وهم ينادون بأجمعهم ، منفرد كل واحد منهم بنفسه ينادي : نفسي نفسي ، فلا تسمع إلا قول : نفسي نفسي .
فيا هول ذلك ! وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك ، والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه ، فما ظنك بيوم ينادي فيه المصطفي آدم ، والخليل إبراهيم والكليم موسي ، والروح والكلمة عيسي ، مع كرامتهم علي الله عز وجل ، كل ينادي : نفسي نفسي ، شفقًا من شدة غضب ربه فأين أنت منهم في إشفاقك في ذلك اليوم واشتغالك بحزنك وبخوفك ؟!
حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم لما رأوا من اشتغالهم لأنفسهم ، أتوا النبي مُحمدًا ـ صلي الله عليه وسلم ـ فسألوه الشفاعة إلي ربهم فأجابهم إليها ، ثم قام إلي ربه عز وجل ، واستأذن عليه ، فأذن له ، ثم خَرَّ لربه عز وجل ساجدًا ، ثم فتح عليه من محامده ، والثناء عليه لما هو أهله ، وذلك كله بسمعك ، وأسماع الخلائق ، حتى أجابه ربُّه عز وجل إلي تعجيل عرضهم ، والنظر في أمورهم .
فبينما أنت مع الخلائق في هول القيامة وشدة كربها ، منتظرًا متوقعًا لفصل القضاء ، والحلول في دار النعيم أو الحزن ، إذ سطع نور العرش ،{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} (69) سورة الزمر ، وأيقن قلبك بالجبار ، وقد أتي لعرضك عليه كأنه لا يعرض عليه أحد سواك ، ولا ينظر إلا في أمرك .
عن حميد بن هلال : قال ذُكِرَ لنا أن الرجل يُدعي يوم القيامة إلي الحساب ، فيقال : يا فلان بن فلان ، هلّم إلي الحساب ، حتى يقول : ما يراد أحد غيري مما يحضر به من الحساب ، ثم نادي : يا جبريل ائتني بالنار .
فتوهمها وقد أتي جبريل ، فقال : يا جهنمُ أجيبي .
فتوهم اضطرابها وارتعادها بفَرَقها (خوفها) أن يكون الله عز وجل خلق خلقًا يعذبها به ، فتوهمها حين اضطربت وفارت وثارت ، ونظرت إلي الخلائق من بعد مكانها ، فشهقت إليهم ، وزفرت نحوهم ، وجذبت خُزَّانَها ، متوثبة علي الخلائق غضبًا لغضب ربها علي من خالف أمره وعصاه .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:20 PM   #5 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


زفير جهنم وشهيقها
فتوهم صوت زفيرها وشهيقها ، وترادف قصبتها ، وقد امتلأ منه سمعك ، وارتفع له فؤادك ، وطار فزعًا ورعبًا ، ففر الخلائق هربًا من زفيرها علي وجوههم ، وذلك يوم التنادي ، لما سمعوا بدويِّ زفيرها ولَّوا مدبرين ، وتساقطوا علي ركبهم جثاة حول جهنم ، فأرسلوا الدموع من أعينهم .
فتوهم اجتماع أصوات بكاء الخلائق عند زفيرها وشهيقها ، ويُنادي الظالمون بالويل والثبور ، وينادي كلُّ مصطفي وصديقٍ ومنتخبٍ وشهيدٍ ومختارٍ وجميعِ العوام : نفسي نفسي .
فتوهم أصوات الخلائق من الأنبياء فمن دونهم كل عبد منهم ينادي : نفسي نفسي ، وأنت قائلها ، فبينما أنت مع الخلائق في شدة الأهوال ووجل القلوب إذ زفرت الثانية ، فيزداد رعبك ورعبهم ، وخوفك وخوفهم ، ثم زفرت الثالثة ، فتساقط الخلائق لوجوههم ، وتشخص بأبصارهم من طرف خاشع خفيٍّ خوفًا من أن تلفهم فتأخذهم بحريقها ، وانتصف عند ذلك قلوب الظالمين ، فبلغت لدي الحناجر كاظمين ، فكظموا عليها ، وقد غصت في حلوقهم ، وطارت الألباب ، وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين ، فلا يبقي رسول ولا عبد صالح مختار إلا ذهل لذلك عقله .
فأقبل الله عز وجل عند ذلك علي رسله ، وهم أكرم الخلائق عليه ، وأقربهم إليه ؛ لأنهم الدعاة إلي الله عز وجل والحجة علي عباده وهم أقرب الخلائق إلي الله عز وجل في الموقف وأكرمهم عليه ، فيسألهم عما أرسلهم به إلي عباده ، وماذا ردوا عليهم من الجواب ، فقال لهم :{مَاذَا أُجِبْتُمْ} فردوا عليه الجواب عن عقول ذاهلة غير ذاكرة ، :{لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} (109) سورة المائدة .
فأعظم به من هول تَبَالغَ من رسول الله عز وجل في قربهم منه وكرامتهم ، حتى أكهل عقولهم ، فلم يعلموا بماذا أجابتهم أممهم .
عن أبي حسن الدمشقي ، قال : قلت لأبي قرة الأزدي : كيف صبر قلوبهم علي أهوال يوم القيامة ؟
قال : إنهم إذا بعثوا خلقوا خلقة يقوون عليها .
قال أبو الحسن : قلت لإسحاق بن خلف : قول الله عز وجل للرسل :{مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا}، أليس قد علموا ما ورد عليهم في الدنيا ؟
قال : من عظم هول السؤال حين يسألون طاشت عقولهم فلم يدروا أي شيء أجيبوا في الدنيا .
فهم صادقون حتى تجلي عنهم بعد ، فعرفوا ما أجيبوا. قال : فحدثت به أبا سليمان ، فقال : صدق إسحاق ، هم في ساعتهم تلك صادقون ، حتى تجلي عنهم فعرفوا ماذا أجيبوا.
فقال أبو سليمان : ( إذا سمعت الرجل يقول لصاحبه : بيني وبينك الصراط ، فاعلم أنه لا يعرف الصراط ، ولو عرفه ما اشتهي أن يتعلق بأحد ، فلا يتعلق أحد ) .
عن مجاهد بن جبر في قوله :{يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ}قال : فيفزعون فيقولون :{لاَ عِلْمَ لَنَا} .
عن مجاهد في قول الله عز وجل :{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} (28) سورة الجاثية ، أي مستوفزين علي الركب. قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ : ( كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم ) ، قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ : ( من أحب أن ينظر إلي يوم القيامة فليقرأ :{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} (1) سورة التكوير .
وعن عُمَر بن ذر قال : من غدا يلتمس الخير وجد الخير ، أعليَّ تحملون جمود أعينكم وقسوة قلوبكم ؟
احملوا العي عليَّ إن لم أسمعكم اليوم واعظًا من كتاب الله عز وجل ، ثم قرأ{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}حتى إذا بلغ :{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} (1-3 ، 14) سورة التكوير ( أو قال حتى ختمها ) ، قال ثم قال : اسمعوا إليَّ يا عرض الدنيا ، فأين أنت منهم في ذلك الموقف ؟ هل تطمع أن يبلغ بك الهول ما بلغ منهم ؟
بل أعظم مما بلغ منهم ، مما لا يطيقه قلبك ، فلا يقوم به بدنك ، فهذه عقولهم ذاهلة في ذلك الموقف ، فكيف بعقلك ، وما حل بك ، وأنت الخاطئ العاصي المتمادي فيما يكره ربك عز وجل ؟
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:21 PM   #6 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


فرار الناس بعضهم من بعض
فتوهم نفسك لذلك الخوف والفزع والرعب والغربة والتحير إذا تبرأ منك الولد والوالد ، والأخ الصاحب ، والعشائر ، وفررت أنت منهم أجمعين ، فكيف خذلتهم وخذلوك ؟ ولولا عظم هول ذلك اليوم ما كان من الكرم والحفاظ أن تفر من أمك وأبيك ، وصاحبتك وبنيك ، وأخيك ، ولكن عَظُمَ الخطرُ ، واشتدَّ الهولُ .
فلا تلام علي فرارك منهم ، ولا يلامون ، ولم تخصهم بالفرار دون الأقرباء ؟ لبغضك إياهم ؟ وكيف تبغضهم أو يبغضوك ؟ وكيف خصصتهم بالفرار منهم ؟ أتبغضهم وإنهم لهم الذين كانوا في الدنيا مؤانسيك ، وقرة عينك ، وراحة قلبك ؟ ولكن خشيت أن يكون لأحد عندك منهم تبعة فيتعلق بك حتى يخاصمك عند ربك عز وجل ، ثم لعله أن يحكم له عليك ، فيأخذ منك ما ترجو أن تنجو به من حسناتك ، فيفرقك منها فتصير بذلك إلي النار ؟
فبينما أنت في ذلك ؛ إذ ارتفعت عنق من النار فنطقت بلسان فصيح بمن وكلت بأخذهم من الخلائق بغير حساب ، ثم أقبل ذلك العنق فيلتقطهم لقط الطير الحبَّ ، ثم انطوت عليهم فألقتهم في النار فابتلعتم ، ثم خنست بهم في جهنم فيفعل ذلك بهم .
ثم ينادي مادٍ : سيعلم أهل الجمع من أولي بالكرم ، ليقم الحمادون لله علي كل حال ، فيقومون فيسرحون إلي الجنة ، ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل ، ثم بمن لم تشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر مولاه ، حتى إذا دخلت هذه الفرق من أهل الجنة والنار ، ثم تطايرت الكتب في الأيمان والشمائل ونصبت الموازين .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:23 PM   #7 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


الميزان وتطاير الكتب
فتوهم الميزان بِعظَمِهِ منصوبًا .
وتوهم الكتب المتطايرة وقلبك واجف متوقع أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك .
عن الحسن : أن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ كان رأسه في حجر عائشة فنعس ، فتذكرت الآخرة ، فبكت ، فسالت دموعها علي خدِّ النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ ، فقال : ( ما يبكيك يا عائشة ؟!! )
فقالت : يا رسول الله ذكرت الآخرة ، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟
قال : ( والذي نفسي بيده في ثلاثة مواطن فإن أحدًا لا يذكر إلا نفسه ، إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخفُّ ميزانه أن يثقلُ ؟ وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله ؟ وعند الصراط ) [ رواه أبو داود ] .
وعن أنس ابن مالك ، قال : ( يؤتي بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتي الميزان ، ويوكل به ملك ، فإن ثقل ميزانه نادي الملك بصوته يسمع الخلائق : سعد فلان ابن فلان سعادة لا يشقي بعدها أبدًا ، وإن خَفَّ : شقي فلان ابن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا ) .
فبينما أنت واقف مع الخلائق ، إذا نظرت إلي الملك ، وقد أمر أن يحضر بالزبانية ، فأقبلوا بأيديهم مقامع من حديد عليهم ثياب من النار ، فلما رأيتهم طار قلبك فزعًا ورعبًا ، فبينما أنت كذلك إذ نودي باسمك ، فنوديت علي رءوس الخلائق والأولين والآخرين : أين فلان ابن فلان ؟ هلمَّ إلي العرض علي الله عز وجل ، وقد وُكِّلَ الملائكةُ بأخذك حتى يقربوك إلي ربك ، فلم يمنعها اشتباه الأسماء باسمك أن تعرفك ، لما تري بك أنت المراد بالدعاء المطلوب .
قال : حدثنا طلحة بن عمرو قال : قال عطاء بن أبي رباح : يا طلحة ما أكثر الأسماء علي اسمك ! وما أكثر الأسماء علي اسمي ! فإذا كان يوم القيامة قيل يا فلان ، فقام الذي يعني لا يقوم غيره لما لزم قلبك من العلم ، فوثبت علي قدميك ، ترتعد فرائصك ، وتضطرب جوارحك متغيرًا لونك ، فزعًا مرعوبًا ، مرتكضًا قلبك في صدرك بالخفقان ، فلما عاينتك الملائكة الموكلون بأخذك ، قد جل بك الاضطراب والارتعاد ، والمخافة علمت أنك أنت المراد من العباد ، فأهوت إليك بأيديها ، فقبضت عليك بعنفها ، ثم جذبتك إلي ربك عز وجل ، كما تُجذب الدوابُّ المنقادة ، تتخطى بك الصفوف محثوثًا إلي العرض علي الله عز وجل ، والوقوف بين يديه ، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم ، وأنت مجبوذ إلي ربك عز وجل فيما بينهم .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:26 PM   #8 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


العرض علي الله
فتوهم حين وقفت بالاضطراب والارتعاد .
وتوهم مباشرة أيديهم علي عضديك ، وغلظ أكفهم حين أخذوك ، فتوهم نفسك محثوثة في أيديهم .
وتوهم تخطيك الصفوف ، طائرًا فؤادك ، متخلعًا قلبك .
فتوهم نفسك في أيدهم كذلك حتى انتهي بك إلي عرش الرحمن ، فقذفوا بك من أيديهم ، وناداك الله عز وجل بعظيم كلامه :أُدْنُ مني يا بن آدم ، فغيبك في نوره ، فوقفت بين يدي رب عظيم جليل كبير كريم بقلب خافق محزون ، وَجلٍ مرعوب ، وطرف خائف ، خاشع ذليل ، ولون متغير ، وجوارح مرتعدة مضطربة ، كالحمل الصغير حين تلده أمه ، ترتعدُ صحيفة محبرة لا تغادر بلية كسبتها ، ولا مخبأة أسررتها ، فقرأت ما فيها بلسان كليل ، وحجة داحضة ، وقلب منكسر. فكم لك من حض وخجل ، وجبن من المولي الذي لم يزل إليك محسنًا ، وعليك ساترًا ؟ فبأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك ، وعظيم جرمك ؟ وبأي قدم تقف غدًا بين يديه ؟ وبأي نظر تنظر إليه ؟ وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه ؟
فتوهم نفسك بصغر جسمك ، وارتعاد جوارحك ، وخفقان قلبك ، وقد سمعت كلامه بتذكير ذنوبك ، وإظهار مساوئك ، وتوفيقك بمخبآتك .
فتوهم نفسك بهذه الهيئة ، والأهوال بك محدقة من خلفك ، فكم من بلية قد نسيتها ، قد ذكرتها ، وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد أظهرها وأبداها ، وكم من عمل قد ظننت أنه قد خلص لك وسلم بالغفلة منك إلي ميل الهوى عما يفسده ، قد رده في ذلك الموقف عليك وأحبطه ، بعد ما كان أملك فيه عظيمًا .
فيا حسرات قلبك ، وتأسُّفك علي ما فرطت في طاعة ربك ، حتى إذا كرر عليك السؤال بذكر كل بليلة ، ونشر كل مخبأة ، فأجهدك الكرب ، وبلغ منك الحياء منتهاه ، لأنه الملك الأعلى ، فلا حياء يكون من أحد أعظم من الحياء منه ، لأنه القديم الأول الباقي الذي ليس له مثل ، المحسن المتحنن الكريم الجواد المنعم المتطول .
فما ظنك بسؤال مَنْ هو هكذا ؟!! وقد أبان عن مخالفتك إياه ، وقلة هيبتك له ، وحيائك منه ، ومبارزتك له ، فما ظنك بتذكيره إياك مخالفته ، وقلة اكتراثك في الدنيا بالطاعة له ، ونظرك إليه ، إذ يقول : يا عبدي أما أجللتني ؟ أما استحييت مني ؟ استخففت بنظري إليك ؟ ألم أحسن إليك ؟ ألم أنعم عليك ؟ ما غرك مني ؟ شبابك فيم أبليته ؟ وعمرك فيمَ أفنيته ؟ ومالك من أين اكتسبته ؟ وفيمَ أنفقته ؟ وعملك ماذا عملت فيه ؟
قال : قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ : ( ما منكم من أحد إلا سيسأله رب العالمين ، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان ) [ متفق عليه ] .
وقال : سمعت عدي بن حاتم قال : شهدت رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في حديث له : ( ليقفن أحدكم بين يدي الله تبارك وتعالي ، ليس بينه وبينه حجاب يحجبه ، ولا بينه وبينه ترجمان يترجم عنه ، فيقول : ألَمْ أنعم عليك ، ألَمْ آتك مالاً ؟ فيقول : بلي ، ثم ينظر عن يمينه فلا يري إلا النار ، ثم ينظر عن شماله فلا يري إلا النار ، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة )[ رواه البخاري ]
وعن ابن مسعود أنه بدأ باليمين ، فقال : ( والله ما منكم من أحد إلا سيخلو به الله عز وجل كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ، ثم يقول : يا ابن آدم ما غرك بي ؟ يا ابن آدم ما عملت لي ؟ يا ابن آدم ما استحييت مني ؟! يا ابن آدم ما أجبت المرسلين ؟ يا ابن آدم ألم أكن رقيبًا علي عينيك وأنت تنظر بهما إلي مالا يحل لك ؟ ألم أكن رقيبًا علي أذنيك وأنت تستمع بهما إلي مالا يحل لك ؟ ألم أكن رقيبًا علي لسانك وأنت تنطق بما لا يحل لك ؟ ألم أكن رقيبًا علي يديك وأنت تبطش بهما إلي مالا يحل لك ؟ ألم أكن رقيبًا علي رجليك وأنت تمشي بهما إلي مالا يحل لك ؟ ألم أكن رقيبًا علي قلبك وأنت تهم بما لا يحل لك ؟ أم أنكرت قربي منك وقدرتي عليك ؟ )
وأنت يا ابن آدم بين خطرين عظيمين : أما أن يتلاقاك برحمته ويتطول عليك بجوده ، وإما أن يناقشك الحساب ، فيأمر بك إلي الهاوية وبئس المصير .
عن مجاهد بن جبير قال : ( لا يزول قدم عبد يوم القيامة من بيدي الله عز وجل حتى يسأله عن أربع خصال : عن عمره فيم أفناه ؟ ، وعن علمه ما عمل به ؟ ، وعن جسده فيمَ أبلاه ؟ ، وعن ماله من أين اكتسبه ؟ وفيمَ أنفقه ؟ ) .
فما ظنك بنفسك وضعف قلبك ، والله عز وجل يكرر عليك ذكر إحسانه إليك ، ومخالفتك له ، وقلة حيائك منه ؟
فأعظمْ به موقفًا !
وأعظمْ به من سائل لا تخفي عليه خافية !
وأعظمْ بما يداخلك من الحزن والغم ، والتأسف علي ما فرطت في طاعته ، وركوبك معصيته !
فإذا تَبالغَ فيك الجهدُ من الغم والحزن والحياء بدا لك منه أحد الأمرين : الغضب ، أو الرضا عنك والحب لك ، فإما أن يقول : يا عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، فقد غفرت لك كبير جرمك وكثير سيئاتك ، وتقبلت منك يسير إحسانك .
فيستطير بالسرور والفرح قلبُكَ ، فيشرق لذلك وجهُك .
فتوهم نفسك حين قالها لك ، فابتدأ إشراقُ السرور ونورهِ في وجهك بعد كآبته وتكسفه من الحياء من السؤال والحصى من ذكر مساوئ فعلك ، فاستبدلت بالكآبة والحزن سرورًا في قلبك ، فأسفر وجهك ، وابيضَّ لونك .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:28 PM   #9 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


رضا الله عن المؤمن ورحمته له
فتوهم رضاه عنك حين سمعته منه ، فثار في قلبك ، فامتلأ سرورًا ، وكدت أن تموت فرحًا ، وتطير سرورًا ويحق لك ، فأي سرور أعظم من السرور والفرح برضا الله عز وجل ؟!
فو الله تعالي لو أنك مِتَّ فرحًا في الدنيا حين تُوهمُ رضاه في الآخرة لكنت بذلك حريًّا ، وإن كنت لم تستيقن برضاه في الآخرة ، ولكن آملاً لذلك ، فكيف بك مستيقنًا له في الآخرة .
ولو توهمت نفسك ، وقد بدا لك منه الرحمة والمغفرة ، كنت حقيقًا أن تطير روحك من بدنك فرحًا ، فكيف أن لو قد سمعت من الله عز وجل الرضا عنك والمغفرة لك ؟ فأمن خوفك ، وسكن حذرك ، وتحقق أملك ورجاؤك بخلود الأبد ، وأيقنت بفوزك ونعيمك أبدًا لا يفني ولا يبيد بغير تنقيص ولا تكذيب.
فتوهم نفسك بين يدي الله عز وجل وقد بدا لك من الرضا ، وطار قلبك فرحًا ، وابيضَّ وجهُك ، وأشرق وأنار وأحال عن خلقته ، فصار كأنه القمر ليلة البدر ، ثم خرجت علي الخلائق مسرورًا بوجه محبور ، قد حَلَّ به أكملُ الجمال والحسن ، يسطع نورًا مشرقًا بتلألاته ، تتخطاهم بالجمال والحسن والنور والضياء ، كتابك بيمينك ، أخذ بضبعين (بعضديك) مَلَكٌ ينادي علي رءوس الخلائق : هذا فلان ابن فلان سَعِدَ سعادةً لا يشقي بعدها أبدًا .
لقد شهرك ربك عز وجل بالرضا عنك عند خلقه ، ولقد حقق حسن ظن الظانين ، وأبطل تهم المتهمين لك ، وإن في هذه المنزلة غدًا علي رءوس الخلائق لعوضًا من المنزلة عند العباد بطاعته والتصنع لهم زهدًا في المنزلة عندهم ، والتعظيم عندهم بطاعة ربه عز وجل بصدق معاملته وحده لا شريك له ، عوضك المنزلة الكبرى علي رءوس الخلائق ، فشهرك برضاه عنك وموالاته إياك .
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 06:30 PM   #10 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 12,518
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 254
شُكر 185 في 104 موضوع
رشاد محمد is on a distinguished road
افتراضي


سرور من أوتي كتابه بيمينه
فتوهم نفسك وأنت تتخطي الخلائق ، وكتابك في يمينك بجمال وجهك ونوره ، وفرح قلبك وسروره ، وقد شخصت أبصارهم إليك غيظة لك وتأسفًا علي أن ينالوا من الله عز وجل ما نلت ، فليعظم من الله عز وجل في طلب ذلك أملك ورجاؤك ؛ فإنه عز وجل إن تفضل عليك نلت ذلك .
فهذا أحد الأمرين الذي أنت بينهما علي خطر .
عن صفوان بن محرز قال : كنت آخذًا بيد عبد الله عمر ، فأتاه رجل ، فقال : كيف سمعت رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول في النجوى ؟
فقال : سمعت رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول : ( إن الله عز وجل يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقول : يا عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا ؟
فيقول : نعم يا رب ، ثم يقول : يا عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأي في نفسه أنه قد هلك ، قال : إني قد سترتها عليك في الدنيا ، وإني أغفرها لك اليوم ، ثم يعطي كتاب حسناته )
[ رواه مسلم ] .
وأما الكافر والمنافق : فـ:{ َيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (18) سورة هود .
قال : بينا عبد الله بن عمر يطوف بالبيت ، إذ عارضه رجل ، فقال : يا عبد الرحمن كيف سمعت رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول في النجوى ؟ فذكر مثله .
وقال سعيد : قال قتادة : فلم يحزن يومئذٍ أحدٌ ، فخفي حزنه علي أحد من الخلائق .
وعن ابن مسعود أنه قال : ينشر الله عز وجل كنفه يوم القيامة علي عبده المؤمن ، ويبسط كفه لظهرها ، فيقول : يا ابن آدم هذه حسنة قد عملتها في يوم كذا وكذا ، قد قبلتها ، وهذه خطيئة قد عملتها في يوم كذا وكذا ، قد غفرتها لك ، فيسجد ، فيقول الناس : طوبي لهذا العبد الصالح الذي لم يجد في صحيفته إلا حسنة ( أو قال : في كتابه ) .
وعن عبد الله بن حنظلة قال : إن الله عز وجل يوقف عبده يوم القيامة فيبدي حسناته في ظهر صحيفته ، فيقول له : أنت عملت هذا ؟
فيقول : نعم أي رب
فيقول : إني لن أفضحك به اليوم ، وإني قد غفرت لك اليوم ، فيقول عندها :{هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ} (19-20) سورة الحاقة. حين نجا من فضيحة يوم القيامة .
وأما الأمر الآخر : فإما أن يقول لك : عبدي أنا غضبان عليك ، فعليك لعنتي ، فلن أغفر لك عظيم ما آتيت ، ولن أتقبل منك ما علمت .
فيقول لك ذلك عند بعض ذنوبك العظيمة : أتعرفها ؟
فتقول : نعم وعزتك
فيغضب عليك فيقول : وعزتي لا تذهب بها مني ، فنادي الزبانية فيقول : خذوه .
فما ظنك بالله عز وجل يقولها بعظيم كلامه وهيبته وجلاله ؟
__________________
رشاد محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع


الساعة الآن 06:58 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.3, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92