المنتديات الالكترونية وفرص الاستثمار الحضاري..!!
مما رأينا وتعلمنا في هذه الحياة أن المجتمع والعالم في تغير مستمر وتقدم وتحضر من خلال أنموذج حضاري سموه ( العولمة ) قد بدأ يفرض نفسه على حياتنا فرضا لا مكان لنا للاختيار في قبوله من رفضه ، وما لم نستوعب كل هذه المتغيرات ونتعامل معها فلن تقوم لنا قائمة على هذه الأرض .
ومن أكبر قنوات هذا النموذج : الانترنت ، الذي يختصر المكان بضغطة ، والزمان بلحظة ، وقد جعل العالم في غرفة واحدة صغيرة ، وليست قرية فحسب ، بحيث العالم أمامك في مربع طول ضلعه 15 أو 17 بوصة فقط!! وهذه الوسيلة قد احتلت مساحة من التأثير القوي في العالم بأسره بل ..وفي العقلية البشرية فكرا وسلوكا.
ولنخض أكثر في الانترنت لنجد أن من أبرز معالم هذه الشبكة العالمية : "التواصل عن بعد" بكل سهولة ، ليفتح باب تأثير جديد على العالم بجمعه ، وعلى الشعوب بعناصرها ، وعلى الثقافات بأفكارها ، فتتأثر ثقافة المشرق بثقافة المغرب ويتأثر سكان النصف الجنوبي بسكان النصف الشمالي ولم يعد للحدود السياسية مدلول يذكر في محاصرة الثقافة وحكرها ، لنصل إلى محور حديثنا من هذا الموضع وهو كبرى تقنيات التواصل عن بعد : "المنتديات الالكترونية" .
المنتديات.. كمجتمع "الكتروني"* محاكي للواقع :
تستطيع وأنت تتصفح المنتديات المتعددة بأهدافها والمختلفة بتوجهاتها وأنواعها أن تدرك نزراً من السمات "الافتراضيّة" لهذا المجتمع الالكتروني ومن أهمها :
-
الارتباط والتآلف : وهو شعور الاجتماع والوحدة والترابط بين عناصر المنتدى الواحد ، أو لنجعل العبارة أكثر دقة : بين "معرّفات" عناصر المنتدى الواحد ، فشعور بالتآلف والاتحاد يحيط بمجموعة المعرفات مربوطة بالمنتدى ويحدها - أحياناً – المنتدى وقد تتعداه .
-
حرية الطرح : بحيث في مقدور كل عضو منتسب إلى المنتدى أن يطرح ما لديه من دون قيود (حيث الأسلوب السائد الممارس في البلدان النامية -وليس الحديث على إطلاقه-) وخاصة في القضايا والمشكلات الاجتماعية والسياسية ، وكذلك هذا الجو قابل للتعدد ويسع أكثر من مادة مختلفة بلا إرباك أو تشتيت للجو العام .
-
التلاقح الثقافي والحضاري : بين عناصر هذا المنتدى ، ففي بعض الأحايين لا تجد ما يربط بين الأعضاء سوى المنتدى فقط ، فكلٌ من أحد أصقاع هذه الأرض وكلٌ من مجتمع مختلف ، وثقافة وتربية مختلفتين ، فينشأ مزيجاً اجتماعياً "الكترونياً" بين هذه العناصر والأخلاط لتصنع – ولو بشكل جزئي بسيط – انسجام ثقافي (تعايش) عن طريق عمليات تلقيح فكرية متعددة الأطراف من خلال الحوارات وإبداء الرأي .
-
حرية التعبير عن الرفض : سواء كان ذلك فكريا أو عمليا ( تخريبياً ) ، كردة فعل لقرار تتخذه الإدارة المسئولة -سواء كان صحيحا أم غير ذلك- ، ويتخذ هذا التعبير في أكبر أشكاله –غالباً- الانسحاب من عضوية المنتدى باستياء من المسئولين وهو بمثابة الهجرة في مجتمع الواقع ، وقد يصل لدرجة اختراق المنتدى والتعزير بما تحتويه قاعدة البيانات وهو بمثابة العمل الإرهابي التخريبي في مجتمع الواقع .
-
التأثر الواضح بالإعلام العام : تماما كمجتمع الواقع ليعبر الأعضاء عن ردود أفعالهم وآرائهم تجاه حدث أو قضية من خلال المواضيع والردود والنقاشات المطروحة .
هذه بعض الخصائص والمفردات الموجودة في محاكاة المجتمعات الالكترونية الافتراضية للواقع ، ونستطيع أن نستنتج أن المنتديات الالكترونية في الحقيقة مجتمعات الكترونية أشبه ما تكون بالواقعية من حيث الجوهر ، مع اختلاف نوعي في المظهر ، بمعنى أننا نستطيع أن نقرر أن المنتديات الالكترونية هي عبارة عن امتداد لقيم وأساليب وروح مجتمع الواقع تتفرع عنه في المظهر حيث يبدأ الاختلاف في الكيفيات والممارسات .
المنتديات.. كآلة حوارية متميزة :
فالمنتديات مهيأة بشكل مميز لتكون مهداً للحوارات الجادة لتحقيق أفضل النتائج من هذه الحوارات وبكفاءة عالية مع بقاء كونها امتداداً لمجتمع الواقع ، وأتجرأ على نفسي فأقول أن أكثر الحوارات الجادة في المنتديات الالكترونية أكفأ عملياً من الحوارات المباشرة !! لما سنوضحه الآن من سمات المنتديات الالكترونية ..كآلة حوارية مميزة :
-
التعبير الحر : بلا مقاطعة أو إزعاج أو تشتيت سمعي أو بصري –متعلق بالمنتدى- يقطع عنك حبل الأفكار ، فلا يستطيع الطرف الآخر مقاطعتك ، وبإمكانك أن تعود –فيما بعد- وتضيف وتستدرك وتعدّل بلا حدود للوقت أو المكان أو المقدار.
- إمكانية المداخلة : في حوار آخر لست طرفا فيه لتضيف فكرة ما غابت عن المتحاورين بل ولتنضم لأحد الأطراف في الحوار بلا إحراج.
-
الاسم المستعار : وتكمن فائدته في امتلاك مساحة أكبر من الحرية في الحديث ، بلا عواقب على شخصه ، وهذا أسلوب شائع جدا في المنتديات الالكترونية ، ولكن.. بقدر امتلاك الحرية ينقص حس المسؤولية الكاملة للآراء المكتوبة -في الغالب- مما يجعلها غير جدّية و غير عملية.
-
الاستفتـاءات : و هي بمثابة استطلاع محلي على زوار المنتدى و يمثل آراء الشريحة المتابعة للمنتدى ، و تعطي هذه الميزة المزيد من فرص دراسة و تطوير و ضع سائد ، أو حل ظاهرة منتشرة في الشريحة المشاركة أو المتابعة للحوار و المستهدفة بنتائج الاستفتاء في نفس الوقت !
-
العودة للحوارات القديمة : بكل سهولة و لو بعد سنوات و قراءة الآراء والأفكار والمداخلات المطروحة في الحوار القديم - والتي تكون غالباً قد تطورت - والاستفادة منها.
-
التصنيف الموضوعي : فحوارات الرياضة مع بعضها في مكان يحتويها ، و كذلك حوارات السياسة و الدعوة و الفقه ، بلا اختلاط بينها مما يسبب تشتتا لدى الزائر و المتصفح لها ، و هذا يعطي فائدة أخرى و هي توفير فرصة للباحثين أو المهتمين بالرأي العام تجاه قضية ما لاستطلاع الآراء حولها.
-
التقييم والترشيح : بحيث إعطاء كل ذي حق حقه ، وهذه خاصية تعتمد على الجمهور المتابع بشكل أساسي ، فالتقييم مطروحا لكل موضوع من خلال أشكال النجمات تكون بجوار عنوان الموضوع ، فالموضوع ذو الخمس نجوم يختلف عن موضوع أجرد ، وكذلك ميزة الترشيح بإهداء مجموعة نقاط لعضو محاور ، ليكون صاحب مئات النقاط غير ذو الخمس نقاط !.
-
المشاهدات والزيارات : التي تقيس مدى تفاعل الزوار ، من غير المتحاورين ليكون متاحاً في الغالب للكل مشاهدة الحوار و الاستفادة منه ليتسع نطاق الفائدة الحوارية ، و من عدد المشاهدات تستطيع جسّ نبض الرأي المتابع والجمهور المتواجد إلى حد ما .
هذه بعض السمات الفريدة للمنتديات الالكترونية كآلات عصرية للحوار ، و من خلال هذه السمات المذكورة ندرك أنه يستحيل تواجدها في موضع آخر بمستوى سهولتها و مرونتها ، و نستنتج أن المنتديات الالكترونية مهيأة لتكون أداة حوارية فعالة ومميزة و سهلة في متناول الجميع ولا مثيل لها ، لتحقيق أفضل النتائج من الحوارات البناءة والهادفة.
فرص الاستثمار الحضاري في المنتديات :
بلا شك أن المنتديات فرصة مميزة (كغيرها) إذا ما استُغلت أجود استغلال ، وقبل أن نخوض في فرص الاستثمار الحضاري والقيم التي تزرعها المنتديات المثالية في ثقافات مرتاديها ، ننبه إلى أن المنتديات هي عبارة عن امتداد لمجتمع الواقع ، تتأثَّر أكثر من أن تؤثِّر ، أو بعبارة أدق لم تصل بعد لمرحلة التأثير على مجتمع الواقع ، فما سنذكره هنا هو مرتبط بمدى تأثير المنتدى في مجتمع الواقع فقط ، وليس العكس.
نستعرض الآن أهم القيم الحضارية التي تخدمها المنتديات بشكل جيّد :
-
التعايش : فكما أسلفنا أن المنتدى يحتوي على ثقافات متعددة ويضم بيئات مختلفة في الغالب ، مما يجعل فرص التآلف والانسجام أكبر لمصلحة نجاح المنتدى ، واختلاف التنوّع هذا لن يفيد أحداً بقدر ما يفيد أربابه ، فما قامت يوماً ما المشاريع الكبرى إلى على أطياف ترسم بألوانها لوحة حضاريّة رائعة ، وربما هذا صعب المنال في مجتمع واقعي تسود فيه المشادات الكلامية والحروب الباردة بين الشعوب.
-
الحوار : يستلزم الاختلاف في المنتديات دفقات كثيرة ومكثفة من الحوارات وتبادل الأفكار سواء بشكل واضح أو بشكل خفي ، وحيث كانت المنتديات من أكفأ الآلات الحوارية فأدبيات وأساليب وسمات الحوار الناجح ستكون جليّة وذات معنى وتأثير –إن وجدت-.
-
التدريب : حيث الاختلاف والحوار يولّد كماً من خبرات الشخص ومهاراته ، وحيث لم توجد طريقة مجدية للتعليم سوى العمل والتجربة ، فالمنتديات بلا شك تمد الفرد – إن أراد – بقيم ومهارات جديدة ، وعلى حسب تجربة واحتكاك الشخص و"دخوله" في خضم وفي صلب المنتدى تكون استفادته من أخطائه سواء الثقافية أو الاجتماعية أو التواصليّة أو غير ذلك.. مما يفسر لك سر "رُقيْ" تعامل كثير من مرتادي المنتديات ومهاراتهم التي يبدونها في حواراتهم ، وطبعاً هذا كله معلق بـ "إن أراد".
-
الحقوق المشتركة و"الديمواقراطية" : ونقصد بها إتاحة الفرصة لجميع المنتسبين بالتعبير وإبداء الرأي والمشاركة في التصويت وفي الاستفتاء ، وفي إضافة المواضيع والردود ، عدا الصلاحيات الإدارية التنظيمية ، فلا يوجد تكميم ولا إسكات ، خاصة في وجود الأسماء المستعارة والتي تكفل للمرء قول "كل" ما يشاء.
وكذلك الأمر في مجال الإعلام الالكتروني ، أقصد أن تأثير "رأي" في المنتديات أصبح منافساً قوياً لآراء كتاب الصحف والمجلات ومتحدثي التلفاز ، ولم يعد هنالك "تفريق" يذكر ، بل.. في المنتديات حق إبداء الرأي ومنافسة القنوات الإعلامية والصحفية مشروع للكل بلا استثناء خلاف الصحف والتلفاز التي يحدها الاختيار والتعيين.
وختاماً.. فالمنتديات الالكترونية إن اعتبرناها ذات تأثير على مجتمع الواقع ففرص "تعويض" الركود الحضاري أكبر وخيار اللحاق بركب المتقدمين أقرب ، من خلال التمهيد عن طريق المنتديات للقيم الحضارية السالفة -وغيرها- التي نتوخى وجودها في مجتمع الواقع ، وإيجاد مساحات لها في ثقافات الشعوب ، كأرضية ممهدة ، وحتى لا تكون معاملة المجتمع للحضارة وتقبله لقيمها سلبية "استهلاكية" فيعود المجتمع من حيث ابتدأ.
ما زال للمنتديات الالكترونية دور مأمول في رفع مستوى ثقافة واهتمامات الفرد والمجتمع وإروائها وإنمائها على عود قوي وشجرة مباركة أصلها ثابت ، وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل جيل وكل زمان بإذن ربها. فقط إذا نظرنا لها بنظرة استثمارية. وليست نظرة نمطية ، استهلاكية فحسب.
_______________________
هوامش:
* ونلفت انتباه القارئ الكريم لكلمة (الكتروني) بحيث تضفي هذه الكلمة تغييرات لبعض مفردات وظروف مجتمع الواقع ليصبح مجتمعا "لائقاً الكترونياً" إن صحت التسمية ، ولكن يبقى الجوهر كما هو .