هل يمكن النظر للمواقف و الأحداث المتعددة في الحياة على أنها مقدمات و نتائج في آنٍ واحد ؟
يمكن ذلك ، فالحياة مراحل ، يصعُب فصلها عن بعضها البعض ، كل منها تسلم للأخرى و يعتمد اللاحق على السابق .
و هل يمكن إسقاط هذه النظرة على أحداث السيرة ؟
حين نعثر في الحياة على نفس طامحة وثابة صابرة متحدية ، نعلم يقيناً أن هذا لم يأتي من فراغ ، و انه يوماً ما كان له مقدمات تمخضت عن هذه النتيجة سواء من خلال التربية التي تلقتها هذه النفس أو من خلال تجارب عدة عبر رحلة الحياة .
و في ذات الوقت يمكن تقييم هذه الحالة على أنها مقدمة لمشروع ناجح في مستقبل الأيام ، حيث توفر الكثير من عناصر هذا النجاح في هذه النفس .
حجم الآلام التي تعرض لها الحبيب صلى الله عليه و سلم و كما جاء في الرؤية السابقة :
"
و يستمر مسلسل الآلام ، و الذي بدأ بمولده صلى الله عليه و سلم يتيم الأب ، فحادثة شق الصدر بما انطوت عليه من ألم معنوي و مادي ، ثم وفاة أمه آمنة ، فجده عبد المطلب ."*
كان مقدمة لهذا الشعور المرهف و الإحساس الراقي بحتمية المشاركة في تحمل المسؤولية عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه و سلم للعيش في كنف عمه حيث قلة الرزق و ضيق موارده ، فكان هذا الرقي في الإحساس و الذي لم يكن وليد اليوم و الليلة دافعاً لأخذ القرار بالتحول من شخصية منتجة لا مستهلكة فقط من خلال رعي الغنم و كسب الرزق بالجهد و التعب .
و أخذ القرار باستقلالية بعيداً عن ضغوط المجتمع و موروثاته هو ما يمكن أن نعبر عنه بإرادة الإصلاح ، حيث جاء :
"
المشكلة الأساسية التي تحتاج للإصلاح هي في أنماط التفكير والنظر التي تحكم كل تلك المجالات، فتشيع فيها أسلوبها البعيد عن القيم الإسلامية والحضارية والإنسانية.
والإنسان العاقل لا يركن إلى واقع معين، ويستسلم له مهما كانت الضمانات، فالإصلاح ليس مهمة مؤقتة أو طارئة أو مقيدة، بل هو مشروع سرمدي قائم، وعملية قوية دائمة" **
فها هو محمد صلى الله عليه سلم سليل قريش أفضل قبائل العرب يقرر خوض غمار هذه المهنة غيرعابئ بنظرة المجتمع له ، فالمهم هو تحقيق الغاية بإبعاد شبح البطالة و إكرام النفس و الحفاظ على عزها و سؤددها بالعمل ، و كم في هذا من ترسيخ و تطبيق على أرض الواقع لقيمة من القيم الإسلامية القوية ألا و هي العمل، و كم في هذا من التخطيط الجيد لأولى الخطوات نحو الإصلاح ، إصلاح النفس و الفكر .
و هذا القرار منه صلى الله عليه و سلم كما كان نتيجة لمقدمات أشرنا إليها ، ها هو الآن يشكل على مسرح الأحداث مقدمات لنتائج تمخضت عن عملية تربوية إصلاحية لجيل بأكمله قام على هذه الدعوة و من أجلها كافح و ثابر و ضحى و تحمل فأنتج و ما كان مستلهكاً فقط.
و حين ننأى عن المقدمات الصحيحة للتربية ، و ما يصاحب ذلك من هدر للقيم و منها العمل و أهميته و الفوائد الجمة التي يكتسبها المرء من حيث القدرة على التحمل و الصبر و إدارك قيمة الأشياء و عدم التفريط فيها .
و بتتبع المراحل التي مرت بها بعض المجتمعات و الخليجية منها على وجه الخصوص حيث اندثرت قيمة العمل فترة و بخاصة بعد ظهور النفط و الذي كان من المفترض إن اعتمدت تلك المجتمعات هذه المقدمات التربوية الصحيحة و المبنية على منهج القرآن من حيث تقديس قيمة العمل فلا تضطر إحدى المؤسسات الداعية لتفعيل طاقات الشباب و دعوته إلى العمل أن ترفع و تجدد مرة أخرى شعار " مين قال إن الشغل عيب" . فلولا إنفصال هذه المجتمعات عن إدراك قيمة العمل لمّا انفصلت عن مرجعيتها في استجلاء كنه القيم ما كنا بحاجة لرفع هذا الشعار و كأنه يُرفع في أمة ما عرفت من قبل للعمل قيمة .
و خطورة الأمر و إن بدا و لا شك في التحسن لا تقف عند خفوت الإحساس بقيمة العمل فقط ، بل ما صاحب ذلك من إنعكاسات من ضعف الفكرة أو لا مجازفة حينئذ إن قلنا بانعدامها عند الكثير من أفراد هذه الشعوب ، فالفكرة لا تولد إلا من معاناة ، ومن هنا تنشا قوة الارتباط بهذه الفكرة و التحمل في سبيلها و التضحية من اجلها و تتولد قوة التمسك بها و عدم التفريط فيها أو التنازل عنها مهما كانت التحديات و المعوقات .
حين نشتكي قلة الوعي الاستهلاكي أو ضعف قدرة الشباب و الفتيات على تحمل أعباء الزواج و مسؤوليات الحياة الأسرية الجديدة، أو تعالى صيحات الشباب على قسوة دوام يستمر ثماني ساعات ! ، أو أسئلة الاختبارات التي جاءت خارج نطاق ما قرره المعلم فقط ، أو عدم القدرة على البقاء في أماكن العمل بعيداً عن "الديرة" فترة الصيف المتميزة بالقيظ الشديد في ظل أجهزة التكييف في مكان العمل و السيارة و المنزل ! ....الخ .
و نسعى من اجل استكتاب توصيات ترفع من شأن الوعي العام و تحض على علو الهمم و القدرة على التحمل ، يحق لنا أن نتسائل
على ماذا ستُبني هذه التوصيات و الخلل لا زال قائماً في أنظمة التفكير و النظر ، و فكرة الإصلاح غير واردة أصلاً ؟
و هل نسعى من أجل إرساء وعي مؤقت لنوسع من قطر دائرة الخداع التي نعيش فيها متوهمين الأمان و الاطمئنان ، أم أننا نسعى حقاً من اجل بناء وعي دائم لن يقوم يوماً على ترشيد الاستهلاك فقط مهما بلغنا فيه شأواً كبيراً من دون البدء بالإنتاج من خلال التأكيد على قيمة العمل و أهميته و المبادرة بممارسته حتى في اشد المجتمعات رفاهية و مع توفر أعلى مستوى من الضمانات ، و من هنا تصاغ مقدمات لنتائج تتمخض عن أمة منتجة ذات وعي دائم لمّا حملت فكرة ، لا تخشى حينئذ عليها من استهلاك يوردها الموارد .
و من كان ذا رؤية كانت لكل نتيجة يحققها مقدمات تشكلت على أساس قوي و متين من التخطيط الجيد و القراءة الصحيحة لواقعه .
**********
*الرؤية (9)
http://muntada.islamtoday.net/showthread.php?t=19535
**الإصلاح.. إرادة 23/1/1428
د. سلمان العودة