لقد وزّع نبينا الكريم اوقاته و طاقاته و نعم الله خير توزيع، و "استهلكها" خير استهلاك، فقد كان هدفه -صلى الله عليه و سلم- دائما مرضاة الله و قد كان يتحرى ما يرضي الله و الحكمة في طريقة التوزيع و "الاستهلاك" فيخبرنا:
"إن لنفسك عليك حقا و إن لبدنك حقك و إن لزورك -في رواية لأهلك- عليك حقا، فاعطي لكل ذي حقا حقه"....أو كما قال -صلى الله عليه و سلم-.... و يخبرنا
"أنها ساعة و ساعة"...ساعة في العبادة المحضة و ساعة في امور الدنيا التي يتعبد ايضا بها المؤمن....
فدائما هناك اهداف كبيرة و مقصد أكبر...
ودائما هناك اهداف صغيرة وهي وسائل للوصول لهذا المقصد الأكبر...
وسنة الله أن جعل لكل فضيلة وسيلة... اللهم إلا اذا تقطعت الوسائل، فلم يكن ابدا الاتكال عليها إنما هي من كلمات الله وسننه وهو الذي يقول كن فيكون....
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «35» إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ «36»
سورة المائدة
ولعل القاريء يستغرب لماذا اتكلم على هذا في نافذة برنامج الحياة كلمة و تحت موضوع الاستهلاك و الذي قد يبدوا بعيدا جدا عن ما اتحدث عليه؟؟؟؟
إلا أن هدي النبي -صلى الله عليه و سلم- العملي مليء بمواقف مختلفة تعين على تفهّم كيفية تطبيق القيم الاستهلاكية بلا افراط و لا تفريط... واذكر بعضها على سبيل المثال... لا الحصر:
فقد كان -صلى الله عليه و سلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه و يقول
"افلا اكون عبدا شكورا"...ثم ينصح صحابته أن يناموا و يصلوا و يخبرهم أنه يفعل ذلك و يقول:
"فمن رغب عن سنتي فليس مني"....
فما القيمة الاستهلاكية التي نفهمها من هذا الهدي؟؟؟
بل هل نفهم شيئا؟؟؟؟
بل هل جمعنا هذان القولان و تفكرنا فيهم يوما ما؟؟؟
ثم يصوم النبي -صلى الله عليه و سلم- حتى يقال لا يفطر و يفطر حتى يقال لا يصوم، و يواصل الصيام و ينهى صحابته عن ذلك و يقول:
"أني لست كهيئتكم"....
و النبي -صلى الله عليه و سلم- كان ياخذ الهدية و يكافأ عليها، بل هذه من علامات نبوته التي عرفه بها سلمان الفارسي، و لكنه لم يكن يقبل الصدقه وذلك لانها محرمة عليه و على آل بيته -عليه و عليهم الصلاة و السلام-... و لكن قبول النبي -صلى الله عليه و سلم- للهدية يظهر جانب رائعا من جوانب كمال شخصيته و اخلاقه، وهو عدم الاسراف في عزة النفس حتى تتحول إلى نوع من انواع الكبر، او على الاقل الأنفه المنفّره...
بل كان -صلى الله عليه و سلم- يحث الناس على صدقه و مساعدة المحتاج، و كان يربط على بطنه الحجارة من شدة الجوع...ويأخذ من ابوبكر كل ماله و ياخذ من عمر نصف ماله، و يسألهم:
"ماذا تركت لاهلك؟؟" و يقول
"الثلث و الثلث كثير" لصحابته في الوصية، و يسأل عن الاهل و يحث على مراعاة احوالهم
..."إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون "...ثم تاتي إليه ابنته الحبيبة إلى قلبه فاطمه -التي زوجها لعلي و زوج اختيها لعثمان-...تأتي إليه و تسأله خادمه من بيت مال المسلمين لكي تساعدها على شؤون بيتها، و قد حثها زوجها على هذا المجيء...فيردها قائلا: "
ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا ثلاثا وثلاثين وسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين فهذا خير لكما من خادم "...
فما قد يكون مستحبا لأحد قد يكون مكروها لآخر!!!!
أما ما ثبت وجوبه أو تحريمه
بجمع النصوص فيه و معرفة الناسخ من المنسوخ،
فلا خروج لمؤمن عليه طوعا إلا موزور غير مأجور!!!
نعم إن النبي -صلى الله عليه و سلم- الذي زوّج بنتيه إلى عثمان الحيي الكريم الوصول الرفيق، هو الذي رد علي و فاطمه بالتسبيح...وهو الذي قال:
"إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا ويسروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة "... وهو الذي روي عنه مرسلا:
"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، ولا تكره عبادة الله إلى عباده ، فإن المنبت لا يقطع سفرا ، ولا يستبقي ظهرا"....
نعم فإن لكل مقام مقال
على شرط
بقاء الأصل و بيان أن الخبر متعلق بالمقام، و ليس التمام... وهنا يظهر الفرق بين كلمة أسوة و اتباع و اقتداء...
فالكلمة الاولى وهي
الاسوة وردت في القرآن في مواضع عدة :
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا...و
...((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ..الآية)) ...بل وردت في هذا السياق مرتين...
و الأسوة: (أَسَى) الجرحَ أَو المرضَ أَو المريضَ-ِ أَسْياً: أساه يأْسُوه، (آسَى) بينهما يؤاسِي، ويُوَاسي، مُؤَاساة، ومواساة: سَوَّى. و- فلاناً بماله: أَنالَه منه، أَو جعله مساوياً له فيه؛ فالاسوة تطبيقها العملي يظهر في خواتيم سورة التوبة فلقد جاءنا رسول مر بكل الظروف الصعبة لتبليغ الدعوة و ظل صامدا محتسبا، غير مفرِط و لا مفرِّط، لا يستعجل أمر الله، صبر على الاذى و الابنتلاءات المختلفه و ثبت على شريعة ربه، و لنا في صبره و جلده و ثباته اسوة لكل من كان في موقف صعب أو ضيق من العيش:
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ «128» فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ «129»
نعم إن كل من قرا هذه الآيات بيقين المؤمن بربه و رسوله يشعر ببرد وهو يتلقاه و لابد أن تقضي حاجته
ورد في سنن الترمذي وحسنه و صححه: عنزيد بن ثابت حدثه قال:
بعث إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال إن عمر بن الخطاب قد أتاني فقال إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قال أبو بكر لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر ورأيت فيه الذي رأى قال زيد قال أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فتتبع القرآن قال فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي من ذلك قال قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر وعمر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف يعني الحجارة وصدور الرجال فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ «128» فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ «129»
أما
اتباعه -صلى الله عليه و سلم- في اوامره الشرعية في المواطن المختلفة و حكمته في التطبيق فهو دأب المؤمنين، ومنهم من اتبع باحسان و منهم من خلط عمل صالحا و آخر سيئا و منهم من يدعي الإيمان وهو "جلي" النفاق، و منهم من هو مرجع لامر الله اما يعذبه و أما يتوب عليه....
أما لفظ
الاقتداء و القدوة (( (والقَدْوُ) والقُرْبُ والقُدُومُ من السَّفَرِ (كَالإقدَاءِ) وبالكسر الأصْل تَتَشَعَّبُ منه الفروعُ، (والقَدْوَى) كسَكْرَى الاستقامةُ)) فلا احسبه ذكر في القرآن إلا مرة بمعنى اتباع الهدي، ولقد كان -صلى الله عليه و سلم- قرآن يمشي بين الأرض بين صحابته الكرام حتى توفاه الله يوم 12 ربيع الأول، يوم ما يدعي الناس حبه بأكل الحلوى -قياسا على الاحتفال باعياد الميلاد و كيفية فرحهم بمجيء مولود جديد-، و ليس بعده -صلى الله عليه و سلم اله و من اتبعه باحسان- نبي....
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ «83» وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ «84» وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ «85» وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ «86» وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ «87»
ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ «88»
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ «89»
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ
قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ «90»