العودة   منتديات الإسلام اليوم > .°ˆ~*¤®§(*§ منتدى التربية والتدريب §*)§®¤*~ˆ°. > منتدى التربية
التسجيل All Albums إستضافة الصور قائمة الأعضاء أوسمة التميز اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى التربية وفيه نستلهم معاني الربانية ونتطرق إلى التربية بمفهومها الواسع إنه منبر للتوجيهات و الأفكار التي تصب في بوتقة تربية الجيل المسلم .

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-03-2007, 06:18 PM   #1 (permalink)
أمين هيئة الإشراف
 
الصورة الرمزية طه بافضل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 2,122
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 225
شُكر 278 في 176 موضوع
طه بافضل is on a distinguished road
افتراضي وقفات تربوية مع حديث تقسيم الغنائم في حنين(1 ـ 9)

وقفات تربوية مع حديث تقسيم الغنائم في حنين

هذا الموضوع نشرته لي مجلة البيان عدد211 وللفائده أنشره هنا
العلاقة بين القائد وأتباعه يشوبها بين الفينة والأخرى شيء من الوهن والضعف؛ فهي كالشجرة تحتاج إلى رعاية وعناية وحماية، أما إذا تُركت وأُهملت، وتعامل أهلها معها معاملة رتيبة، وساذجة، ومملة فإنها حينئذ يذهب عنها اخضرارها، ويظهر اصفرارها واسودادها، حتى تصبح هشيماً تذروه الرياح.
والقائد الفطن هو من يبذل كل ما في وسعه وطاقته؛ بغية حماية هذه الشجرة من الآفات والأمراض؛ فهو كالمزارع اليقظ الذي كرّس حياته لأجل زراعته؛ فضحّى بوقته وراحته، حتى يجني ثمارها، ويسوِّق بضاعته، «وعند الصباح يحمد القوم السُّرى»!
وكنت قبل فترة ليست بالقصيرة أتأمل ما حدث بعد قسمة غنائم هوازن يوم انتصر المسلمون في معركة حنين؛ فتعجبت من شدة حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على علاقته بأنصاره وأصحابه. وإليكم سياق القصة:
عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: لما أصاب رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الغنائمَ يوم حنين، وقسّم للمتأَلفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شــيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي واللهِ رسول الله قومه. فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم. فقال: «فِيمَ؟» قال: فِيمَ كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شــيء، فقال رســـول اللـه -صلى الله عليه وسلم-: «فأين أنت مـن ذلك يا سعد؟» قال: ما أنا إلا أمرؤ من قومي، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني!»، فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة، فجاء رجل من المهاجرين فأذن له، فدخلوا وجاء آخرون فردهم حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه، فقال: يا رسول الله! قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، حيث أمرتني أن أجمعهم؛ فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام فيهم خطيباً: فحمد الله وأثنــى عليــه بما هــو أهـله، ثم قال: «يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضُلاَّلاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكــم؟»: قالوا: بلى! ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟!» قالوا: وماذا نقول يا رسول الله، وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله. قال: «والله! لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمَّنَّاك، ومخذولاً فنصرناك»، فقالوا: المنُّ لله ولرسوله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوَجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تألَّفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شُعْباً، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار! ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار!» قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله رباً وبرسوله قَسَماً، ثم انصرف وتفرقوا(1) رواه أحمد، واللفظ له ( 57، 3) وأصله عند البخاري، الفتح 7 (4330)، ومسلم (1059).
الوقفة الأولى: كرم بلا حدود:
إنه كرم النبي -صلى الله عليه وسلم- وجوده المنقطع النظير، بل السهل الممتنع، ذلك الكرم الذي يصل إلى حد أن يعطي الرسول -صلى الله عليه وسلم- الرحيم بأمته مئات من الإبل لأفراد لم يقاسوا بعدُ مشقات الطريق، ولم تُخْبَر بعدُ مواقفهم، بل إنّ منهم من سقط في أول اختبار له في حنين، ولكنها الحكمة النبويـة الرائعـة؛ فالمال عنـد القائد الرباني لا يعني شيئاً؛ لأنه ليس من أرباب الأموال الذين تتمايل نفوسهم وراء الدينار والدرهم، وترحل معها حيث رحلت؛ فهذا القائد يعطي متى ما كان معه شيء، ولو كان ثوبه الذي يلبسه؛ فعن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: جاءت امرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ببردة، فقالت: يا رسول الله! أكسوك هذه؛ فأخذها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلبسها، فرآها عليه رجـل مــن الصحابة فقال: يا رســول الله! ما أحسن هذه! فأكسُنيها، فقال: «نعم!» (1) البخاري، الفتح 10 (6036)..
ويَعِدُ -صلى الله عليه وسلم- ويبشر بالخير ولا يقنّط أحداً؛ فعن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما أسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه الناس مقفِلة من حُنين، فعلقت الناس يسألونـه، حتى اضطروه إلى سَمُرة، فخطفت رداءه فوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «أعطوني ردائي! لــو كان عـــدد هــذه العضــاة نعماً لقسمته بينكم، ثـم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً»(2) البخاري، كتاب الجهاد، رقم (2609)..
وكان يبشر أصحابه فيقول: «.. فأبشروا وأمِّلوا ما يسركم؛ فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم! ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»(3) البخاري، كتاب الجزية، رقم (2924)، ومسلم كتاب الزهد، رقم (5261).
القائد أياً كان وضعه عالماً، أو موجهاً، أو معلماً، أو قائداً عسكرياً لا يحبس شيئاً عن أتباعه، أو يبخل عنهم بشيء، كما أنّه يعطي رجالاً ويترك آخرين لحِكَم يراها مثل قوة إيمانهم، وإخلاصهم، ويقينهم، واستقامتهم، وثباتهم؛ فهو حكيم بنفوس الرجال، يقدّر قدرها، ويعرف كيف يمكن قيادها، وما هي الطريقة المثلى لعلاج ما اعوجَّ من سلوكها، فالقيادة والترؤس ليس تصدُّراً وظهوراً فحسب، فهذا يسير حتى على الأغمار وصغار الشباب، ولكن الأمر شيء آخر أبعد من ذلك.
لقد كان كرم النبي -صلى الله عليه وسلم- لا لأجل استمالة قلوبهم إلى الباطل، وتزيينه في قلوبهم، وليس لأجل كسب ودّهم وتعاطفهم مع شخصه -صلى الله عليه وسلم- بعيداً عن وظيفته التي كلفه الله بها، وهي الرسالة السماوية الخالدة، وإنما كان لهدف سامٍ ومقصد غاية في النبل والنقاء؛ وهو تأليفهم على الحق وتقريبهم له حتى يثبتوا وتخالط بشاشته قلوبهم.
طه بافضل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-03-2007, 06:22 PM   #2 (permalink)
أمين هيئة الإشراف
 
الصورة الرمزية طه بافضل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 2,122
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 225
شُكر 278 في 176 موضوع
طه بافضل is on a distinguished road
افتراضي

الوقفة الثانية: (المصلحة الشرعية ميزان العطاء والمنع):
ينبغي للقائد في مسألة العطاء والمنع أن يقوم بأمر غاية في الأهمية، حتى لا يهتز مشوار تربيته لتلاميذه وأتباعه: وهو أن يعلمهم بميزان العطاء والمنع الذي يستند إليه، بل وفي كل مسائل تأليف النفوس من تقريب فلان على غيره، والاهتمام بمجموعة على أخرى وهكذا؛ لأن ذلك مدعاة إلى ترسيخ قواعد الثقة بينه وبين الأتباع، ودحض لكل الأقاويل والترهات التي تلوكها الألسن؛ بغية التفريق، وزعزعة الصف، وتوهين لُـحمته وسَداه.
فهذه السياسة البعيدة الأفق للنبي -صلى الله عليه وسلم- لم تُفهم أول الأمر، بل أطلقت ألسنة شتى الاعتراض؛ فهناك مؤمنون ظنوا هذا الحرمان ضرباً من الإعراض عنهم، والإهمال لأسرهم.
روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوماً ومنع آخرين؛ فكأنهم عتبوا عليه، فقال: «إني أعطي قوماً أخاف هلعهم وجزعهم، وأَكِلُ قوماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب» قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حمر النعم؛ فكانت هذه التزكية تطييباً لخاطر الرجل، أرجح لديه من أثمن الأموال»(4) رواه مسلم (2812) من حديث جابر رضي الله عنه.. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يستخدم هذه السياسة، ويثبت تلك القاعدة العتيدة في ميزان العطاء والمنع؛ «أعطي قوماً أخاف هلعهم وجزعهم، وأَكِلُ قوماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى»، بل يبين مقاصدها وأهدافها؛ فهـا هو يقول للأنصار: «أَوَجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟».
إن الدعوة إلى تمثل هذا الميزان من قِبَل الموجهين، والمربين، والقادة في الحقل الدعوي ليس معناه أن يبقى القائد رهيناً لأهواء تلامذته، وانتقاداتهم، وأمزجتهم، بل إن المسألة لا تعدو أن تكون تربية بالمواقف؛ فهو يستغل كل موقف وحدث استغلالاً رائعاً حتى يجعله لبنة في بنيان النفوس، وحبلاً يشدّ ويمدّ إلى رب العالمين؛ فترتبط بخالقها وبارئها، فلا ترتبط بهذه الدنيا وحطامها وشهواتها؛ ولذا كان لزاماً على القائد أن يكون قريباً من رجاله وتلامذته، يتحسس أخبارهم ولا يتجسس، ويشعر بآلامهم، ويقيّم مواقفهم ببراءة نفس، وصفاء سريرة دون أي مقدمات مسبقة، أو تراكمات سابقة، بل المعيار عنده كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم الخبرة الكبيرة التي اكتسبها من مشواره الطويل في خدمة هذا الدين وما أصابه وتعرض له من ابتلاءات ومشكلات.


الوقفة الثالثة: المبادرة إلى حل الإشكالات:

عدم تأخر النبي -صلى الله عليه وسلم- في حل الإشكال الحادث؛ فما أن سمع بالخبر حتى ذهب مسرعاً إلى القوم، بعد أن استدعاهم، وأنهى بحكمته وحنكته هذا الأمر الطارئ؛ فلو أنه تأخر أو استهان به وتركه، مع أنه سيكون حينئذ معذوراً؛ فهو النبي، وهو القائد الأعلى الذي على عاتقه من المهمات والأعمال الشيء الكثير ـ فلو أنه تأخر ـ لكان هذا الموقف من الأنصار ـ رضي الله عنهم ـ قنبلة موقوتة، ربما ستنفجر يوماً من الأيام، وتعلق في أفئدة الرجال استفهامات وتقديرات خاطئة، تساعدها مواقف أخرى، والشيطان لا يترك مثل هذه الفرص، بل يؤججها ويجعلها فتيلاً قابلاً للاشتعال فهو قد: «أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»(1) مسلم (2812) من حديث جابر، رضي الله عنه. ، «وتلك سنة حميدة يجب أن يتبعها القادة والزعماء مع أنصارهم ومحبيهم؛ فإن الأعداء متربصون لاستغلال كل حادثة أو قول يضعف تعلق المحبين بقادتهم، والشيطان خبيث الدسّ، سريع المكر؛ فلا يهملِ القادةُ استرضاءَ أنصارهم مهما وثقوا بهم»(2) السيرة النبوية، دروس وعبر، لمصطفى السباعي، ص 92..
تحدث المشاكل بين العاملين في الحقل الدعوي، وتصل قضاياهم إلى قيادة العمل، ولكن للأســف تجــد خمولاً إزاءها ولا مبالاة، وكأن هذه القيادة ليس لها إلا التصدر والترؤس، واستصدار الأحكام والفتاوى، أما حل تلك المشكلات وتقريب النفوس وتهذيبها فهذا ليس من اهتماماتها؛ لأن بعضهم يزعم أنهـا ستشغلهم عن مهمات كبيرة جداً، ولا أدري: هل هذه المهمـات أعظـم من التفكك والانشقاقات والتصدعات، وهشاشة العمل وتأخر ثمرته؟ فهل هؤلاء القادة يحملون أثقالاً أكثر وأعظم مما حمله -صلى الله عليه وسلم-؟ ولكن المشكلة الحقيقية عند بعض قيادات العمل الدعوي: هي عدم تقدير المواقف بشكل صحيح، وعدم القدرة على استيعاب مواطن الخلاف بين العاملين أو التلامذة، ومن ثم عدم قدرة القائد تحمل أن يرى عماله أو تلامذته يختلفون أمامه، بل بعض القادة يتمنى أن لو كانت الأمور تسير دائماً على ما يرام لا يشوبها كدر ولا خلاف أو شقاق وهيهات. لقد نسي هؤلاء ـ وفقهم الله ـ أن الله ـ تعالى ـ قال: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْـمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْـخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَـكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179].
إن هذه الخلافات التي تبدو لأول وهلة صغيرة فإن فيها من مغذيات النمو ما هو كفيل بأن يجعلها مفاصَلات مع المربي نفسه، ودماراً وخراباً لكل ما بناه في سنيه التي خلت؛ فليس معه إلا أن يوجه أصابع الاتهام ليس إلى ذاته، وتفكيره، وعدم حنكته، وضعف بديهته، وإنما بالدرجة الأولى يوجهها إلى هذا الجيل المتأخر غير المتربي، والذي لا يحترم الكبير فضلاً عن القائد والمربي، ولعمري! إنها لمصيبة عظيمة أن نلقي التبعة على غيرنا، ونخرج نحن خارج الدائرة
.
طه بافضل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-03-2007, 06:24 PM   #3 (permalink)
أمين هيئة الإشراف
 
الصورة الرمزية طه بافضل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 2,122
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 225
شُكر 278 في 176 موضوع
طه بافضل is on a distinguished road
افتراضي

الوقفة الرابعة: الحلم مع القدرة:

سعة صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتحمّله للنقد الموجّه له؛ «يغفر الله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ يعطي قريشاً ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟»(3) هذا من رواية أنس كما عند البخاري (6/251) رقم (3147).. فلم يرتفع صوته أو يحمرَّ وجهه ويَسوَدَّ، ولم يرتب أحكاماً ومواقف على هؤلاء المتكلمين؛ فيتعامل معهم معاملة جديدة وفق هذه المعطيات، فيهجرهم ويقاطع العمل معهــم؛ بحجــة أنهـم لا يحترمون القيادة، ولا يوقرون الكبار، ولا يقدرون فضائل من ضَحّى من أجلهم. كلا، لم يفعل -صلى الله عليه وسلم- شيئاً من ذلك؛ بل ذهب إليهم، وطرح عليهم أسئلة حكيمة، ثم مدحهم، وأثنى عليهم ثناءً ومدحاً فوق مستوى الحدث، لم يكن أحد منهم يتوقع هذا المدح والثناء؛ فلم يستطيعوا أن يوقفوا تدفق الدموع على خدودهم.
إن بعض القادة والمربين يستطيع أن يستميل قلوب تلامذته ورجاله لو رآهم أخطؤوا بموعظة بليغة تَوْجَل منها القلوب، وتذرف منها الدموع، إلا أنه تغلبه الطبيعة التي تربى عليها منذ صغره؛ فيرى أن كبرياءه قد جرحت وخدشت، ولا يعيدها إلا اعتذار على مستوى رفيع، كأن يعتذر هؤلاء الذين تكلموا ليس في اجتماع مغلق: كالحظيرة أو القبة التي اجتمع فيها الأنصار بل اعتذار على الملأ، حتى يجرح كبرياءهم ويخدشه مثلما فعلوا.
إن الرفق بالمتلقي إذا أخطأ أمر مهم جداً؛ إذ إن القسوة عليه في غير محلها، وهو يحب مربيه ومعلمه يوغر في صدره أموراً، ويطرح أمام ناظريه عدة تساؤلات، لا يجيب عليها إلا واقع سيئ يعيشه هذا المتربي في تعامل قادته مع أتباعهم.
كما أن على القائد أن يضع في عين الاعتبار والاهتمام أن أتباعه ذوو عقول تزداد خبرةً وعلماً ومعرفةً يوماً بعد يوم، وفكراً ينضج ساعةً بعد ساعةٍ. فلو أُهملت هذه العقول وتلك الأفكار المتراكمة لكانت العاقبة وخيمة، ويسقط البنيان من القواعد.
يجب ألاّ نتعامل مع المنتقد على أنه ذلك الشاب الصغير الذي كان يوماً من الأيام لا يستطيع أن يثبّت النظر في عيني شيخه ومعلمه، أو ذلك الطالب الذي كان يتلعثم في كلامه.
فعجلة الزمن لا تتوقف؛ فهي تدور ويتطور معها الكائن البشري، ويرتقي في سلم الكمال؛ فيصبح المتربي أو الجندي قائداً بين لحظة وأخرى، وربما نِدّاً لقائده ومعلمه ومربيه.
الوقفة الخامسة: الصراحة، والوضوح: لقد كان سعد بن عبادة ـ رضي الله عنه ـ: صريحاً وواضحاً في خطابه مع النبي -صلى الله عليه وسلم- قائده ومعلمه؛ فها هو يقول له: «يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت؛ قسمت في قومك وأعطيت عطايا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء».
إن هذه الصفات والخصال الحميدة لا يجيدها إلا النادر من التلاميذ والأتباع، ولا يتقبلها إلا القليل من القادة أو الموجهين الذين لا يضعون على أنفسهم هالة من التبجيل، ولا تصيبهم غضاضة لو لم ينادَ بلقبه أو مركزه العلمي.
الصراحة، والوضوح أسماء ومعانٍ قلّما تجد من يتمثلها فتصبح واقعاً وسلوكاً ومنهجاً في تعامله مع الآخرين صغاراً أم كباراً، ولذا فإنك ترى من يفعل ذلك قد أصبح لكلامه وقعٌ في النفوس، ولوعظه تأثيرٌ في القلوب، وأعماله منهجٌ يسير عليه ويقتدي به الآخرون، وما ذلك إلا لأن هؤلاء قد عظّموا الله ـ جل جلاله ـ تعظيماً فاق كل التصورات، واقتفوا أثر نبيهم، فكان نبراساً لهم في هذه الحياة. وما أجمل وضوح سعد بن عبادة ـ رضي الله عنه ـ وشفافية رده للنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» فقال –رضي الله عنه-: «يا رسول الله! إنما أنا رجل من قومي»؛ أي: أن قولهم ورأيهم هو قــولي ورأيي. لم يكن ســعد ـ رضي الله عنــه ـ متكلفاً أو مجاملاً أو متلوناً، وهذه صفات تكثر في الأتباع تجاه قادتهم؛ مما يورث الجماعة انقساماً، وتحزباً، ونجوى مفسدة وموهنة لحبل الاجتماع. وقد يقول قائل: إن سعداً كان إمَّعة في قوله ذاك، أو أنه خاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمنطق الجاهلي:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِ
كلاَّ! إنها مسألة بدهية أن يجد الإنسان في نفسه عندما يرى العطايا تقسم ولا يصل له منها شيء، مع أنه جزء من الجماعة؛ فما بالك إذا كان هو مرتكز التغيير والتحول، وصاحب السابقة، والتأييد، والإعزاز، والنصرة؛ فكيف سيكون الحال؟
إن المسألة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفطرة الإنسان في محبته للمال والعطاء؛ فلا أحد يرضى أن يكون فقيراً أو معدوماً، والله قد أحل الغنائم لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فأي غضاضة أن يطلب الإنسان حظه منها؟!
وهنا يأتي دور الإيمان واليقين والتسليم والاحتساب، يأتي دور المربي كي يبني بنيان الإسلام في قلب المتربي بكل ما يحمله من قِيَم ومبادئ ومعان سامية، حتى لا يبقي في قلبه سوى حب الله وحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما أعده الله للصابرين الذين باعوا الدنيا وما فيها، واشتروا بها جنة عرضها السموات والأرض، وهذا الذي فعله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد أعلنها واضحة جلية: أن قضيتهم ليست مرتبطة بلُعاعة الدنيا وحقارتها، وإنما مرتبطة باتباع هديه، ونصرة دينه، وإعلاء كلمة الله؛ فليذهب الناس بالشاة والبعير، فليس هناك مشكلة؛ بل أعظم المصيبة والبلاء أن يذهب المرء ومعه حظوظ الدنيا، وهو خالي الوفاض من دينه، وتمسكه بما أمر ربه، والتزام ما نهى؛ فالتخليط ديدنه، والتلوُّن طريقته، والترخُّص هِجِّيراه وعادته
.
طه بافضل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-03-2007, 06:32 PM   #4 (permalink)
أمين هيئة الإشراف
 
الصورة الرمزية طه بافضل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 2,122
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 225
شُكر 278 في 176 موضوع
طه بافضل is on a distinguished road
افتراضي

بقيت أربع وقفات سأذكرها بإذن الله لاحقاً في نفس المشاركة أو مستقلة ..
طه بافضل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-03-2007, 03:50 PM   #5 (permalink)
صديق مشارك
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 142
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 24 في 13 موضوع
يوسف الهذلول is on a distinguished road
افتراضي

حنين . . منها غرفت دروساً شتى وعلمتنا عبراً وعبرا . . لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو مريد !
يقول المفكر الغزالي في تعليقه ـ في كتابه فقه السيرة ـ على توزيع الغنائم : إن في الدنيا أقواماً كثيرون يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظل تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها آمنة ! فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون من الاغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له .
فرحمه الله كم أجاد الوصف ..
وقفات جميلة جدا
__________________
بقدر الأمل .. تتألم !
يوسف الهذلول غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2007, 05:56 AM   #6 (permalink)
أمين هيئة الإشراف
 
الصورة الرمزية طه بافضل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 2,122
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 225
شُكر 278 في 176 موضوع
طه بافضل is on a distinguished road
افتراضي

شكراً أخي أبو هدلول على مرورك وأرجو أن تواصل قراءة ما تبقى من الوقفات فهي مهمة أيضاً ويمكن أضعها قريباً أما استشهادك فجميل وقد كان في المسودة لكن خوف الإطالة حذفته مع غيره من الشواهد .
طه بافضل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2007, 08:20 AM   #7 (permalink)
صديق نشيط
 
الصورة الرمزية أحمد عبدالعزيز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 817
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 1 في موضوع 1
أحمد عبدالعزيز is on a distinguished road
افتراضي


ما شاء الله لا قوة إلا بالله

بحث موفق جمع الدقة والفكر والإستدلال بالأثر على رموز الواقع ( الأليم ).

دورس نحتاج إليها في العمل الجماعي حتى نربي أنفسنا عليها ، فترتقي النفس وتتزكى .... نحتاجها لتكوين مجتمع لا يريد حقه فحسب بل يريد ما يسعد الآخرين ... يريد أن يرضي الله عز وجل .

أخي / طه بافضل ...

أكمل بارك الله فيك ونفع بك .. فالنفوس تائه والقلوب قاسية ... نحتاج ما يدلنا على كل خير ونحتاج من يلين قلوبنا ...
أحمد عبدالعزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2007, 10:40 AM   #8 (permalink)
صديق ماسي مميز
 
الصورة الرمزية عين الحياة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 4,813
عدد مرات شكره للأعضاء: 293
شُكر 448 في 182 موضوع
عين الحياة is on a distinguished road
افتراضي

يا لها من دروس وعبر
وتلك سيرة نبينا المصطفى، نزعم نصرته وبيننا وبينه مسافة لم نحاول قطع بعضها
وفي حنين المقام يطول والتأمل واجب ..
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر..

الأخ الكريم طه بافضل
حفظك الله
ونتوق لبقية وقفاتك
جزاك الله عنا خيرا
__________________


السلاسل العلمية ومحاضرات الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة


سيرة الشيخ سلمان بن فهد العودة يكتبها في سلسلة
عين الحياة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2007, 02:25 PM   #9 (permalink)
أمين هيئة الإشراف
 
الصورة الرمزية طه بافضل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 2,122
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 225
شُكر 278 في 176 موضوع
طه بافضل is on a distinguished road
افتراضي

أخي الفاضل أحمد عبد العزيز
أخي الفاضل عين الحياة
شكراً على مروركما وبإذن الله نكمل الوقفات بعد غدٍ إن شاء الله
..
طه بافضل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2007, 07:53 AM   #10 (permalink)
مشرفة الفضاء العام
 
الصورة الرمزية قارئة المستقبل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة: طريق اللبّــــــانــة.!!
المشاركات: 4,823
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 445
شُكر 96 في 72 موضوع
قارئة المستقبل is on a distinguished road
افتراضي

وقفات نبيله جميله عظيمه
أستاذنا المربي الفاضل طه تم الاطلاع على الثلاث الولى ولي عودة لتكملة البقيه
رفع الله قدرك واعز بك الأسلام وأهله
__________________
,
,
اقتباس:
يا أيها الأحباب .. ماذا تفعلونْ !
تبنون في أرواحنا مدن اللقاء..وترحلون ْ؟
تعدونني ألَّن يفرقنا الزمان ولا تفونْ!
قارئة المستقبل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع


الساعة الآن 11:43 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.3, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92