لماذا يزهد العرب في معرفة اسرائيل!! لماذا يزهد العرب في معرفة إسرائيل؟
غزة/صالح النعامي 24/2/1428
14/03/2007 تعالت مؤخراً الدعوات داخل إسرائيل لتجنيد قدر أكبر من الموارد لتزويد المؤسسات الأمنية والاستخبارية والأكاديمية البحثية بالمستشرقين والباحثين اليهود في الشؤون العربية، على اعتبار أن التحديات التي تواجه الدولة العبرية تفرض عليها الحصول على أكبر قدر من المعلومات عن العالم العربي. وتأتي هذه الدعوات على الرغم من أن الدولة العبرية تولي أصلاً اهتماماً كبيراً بعلوم الاستشراق والمؤسسات البحثية التي تُعنى به. ومن يتتبع خارطة مراكز الأبحاث في إسرائيل، فإنه لا بد أن يشعر بالدهشة لكثرة عدد مراكز البحث والدراسات الإسرائيلية التي تتخصص في دراسة مختلف القضايا في العالم العربي، وهذه المراكز لا تترك شاردة ولا واردة في العالم العربي إلاّ وتشبعها بحثاً ودراسة حتى تخلص في النهاية إلى تقديم استنتاجات بشأنها. وأذكر أن أحد أصدقائي كان يعدّ رسالة الماجستير في الشريعة الإسلامية، واحتاج إلى بعض المراجع، وبحث عنها في مكتبات كل الجامعات الفلسطينية، فلم يعثر عليها، لكنه وجدها في مكتبة الجامعة العبرية في القدس المحتلة. وإلى جانب العديد من مراكز البحث المتخصصة في دراسات العالم العربي، فإن كل جامعة في إسرائيل تضم أكثر من مركز أبحاث متخصص في دراسة قضايا العالم العربي، ناهيك عن مراكز البحث التابعة للأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، فمثلاً جهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية(الشاباك) له مركز أبحاث متخصص في دراسة التطورات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية من مختلف النواحي، و(الشاباك) لا يستغل العملاء فقط في الحصول على المعلومات الاستخبارية المتعلقة بنشطاء الفصائل الفلسطينية الذين يساهمون في أنشطة المقاومة، بل أيضاً يوفر هؤلاء العملاء الكثير من المعلومات لمركز الأبحاث التابع لـ (الشاباك) الذي يطرح أسئلة محددة، ويطلب من العملاء الحصول على إجابات عنها. كما أن جهاز الموساد يملك مركز أبحاث ضخم يتولى دراسة التطورات في العالم العربي، وهذا المركز يقدم توصيات لدوائر صنع القرار السياسي بشأن مستقبل العلاقة مع العالم العربي. في نفس الوقت، فإن جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروف بـ (أمان) يضم بين أقسامه مركز أبحاث كبير متخصص بدراسة العالم العربي وقضاياه المختلفة. وتكمن أهمية مراكز البحث في إسرائيل المتخصصة في الشؤون العربية سواء المستقلة أو تلك التابعة للأجهزة الاستخبارية في أنها توفر المعلومات والرؤى التي تساعد دوائر صنع القرار السياسي في الدولة العبرية على اتخاذ القرارات المتعلقة بالصراع. إن المرء عندما يحاول أن يرصد الجهد الإسرائيلي في مجال تأمين أسباب التمكين للمشروع الصهيوني يفاجأ من ذلك الحرص الصهيوني الفائق على معرفة كل ما يدور في العالم العربي عبر رصد علمي موضوعي، ومحاولة تحليله وفق آليات تحليل منطقي تتولاه مراكز بحث ودراسات متخصصة في مجال رصد المعلومات وتحليلها واستقرائها، واستنباط نتائج تؤسس لتحقيق فهم أكبر لما يدور في العالم العربي من تطورات وأثر ذلك على إسرائيل. وفي نفس الوقت تقوم فرق بحث أخرى بوضع خطط لمواجهة هذه التطورات في العالم العربي بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني. ومن المعروف أن رئيس الوزراء في إسرائيل يتلقى مرتين شهرياً خلاصة ما تعده المراكز البحثية في كل من الشاباك والموساد والاستخبارات العسكرية، كما أن أركان مكتبه يطلعونه على نتائج الأبحاث ذات العلاقة بالقضايا التي تبحثها الحكومة. وقد أقر بيريس عندما كان رئيساً للوزراء في العام 1984 بدور مراكز الأبحاث في مساعدة الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ قراراتها تجاه العالم العربي. وفي المقابل فإن هناك قصوراً يثير الاستفزاز في مجرد محاولة العرب فهم ما يدور في إسرائيل، فأين هي المراكز البحثية العربية المتخصصة التي تُعنى بدراسة الشأن الإسرائيلي من مختلف جوانبه، فإذا كانت إسرائيل تملك أكثر من خمسة عشر مركز أبحاث متخصصة في شؤون العالم العربي، فإن العالم العربي الكبير المترامي الأطراف لا يملك أي مركز متخصص لدراسة الشأن الإسرائيلي بشكل جدي، وعندما نقول بشكل جدي، فإننا ندرك أن هناك مراكز أبحاث تدّعي أنها تُعنى بالشأن الإسرائيلي، في حين أنها لا تحتفظ حتى بالصحف الإسرائيلية، ولا تتابع الإصدارات باللغة العبرية، ناهيك عن عدم قيامها بأبحاث حول الشأن الإسرائيلي، ويقتصر عملها على توثيق ما يُنشر في الصحف الإسرائيلية، أو أنها تصوغ الأبحاث وفق ما يشتهيه نظام الحكم القائم. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كل هذا التقصير العربي في مجال محاولة فهم ما يدور في إسرائيل من تطورات؟ فلماذا لا يتم إنشاء مراكز أبحاث متخصصة تُعنى بالشأن الإسرائيلي؟ ولماذا لا تُعنى مراكز الأبحاث القائمة بهذه القضية الهامة جداً؟ على الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أن يسعى للتخلص من هذا الخلل القائم. عليه أن يعمل على إقامة مراكز أبحاث عربية متخصصة في الشأن الإسرائيلي، صحيح أنه لا يوجد قيادات سياسية تُعنى بنتائج هذه الدراسات التي ستعدها هذه المراكز، لكن مجرد وجود مثل هذه المراكز هو متطلب سابق لكل جهد في مواجه دولة الاحتلال. ولعل أهم مقومات المواجهة التي يتوجب علينا تحقيقها، هي معرفة عدونا بشكل موضوعي ودقيق قائم على الدراسة والبحث والتمحيص وأعمال الفكر وليس عبر الركون إلى فيض العواطف والمواقف المسبقة التي تعكس في أحسن تقدير هيمنة الجهل والخضوع لمعايير اللعبة التي تفرضها إسرائيل. فهناك أسباب كثيرة وراء قدرة عدونا دوماً على إلحاق الهزائم بنا، وهذا لا يرجع إلى قدرات الصهاينة الفائقة التي لا يمكن الوقوف أمامها، بل لأننا -بكل بساطة -ننأى بأنفسنا عن أسباب النصر والتمكين والقدرة على المواجهة. |