نحو فهم وإدراك وتعامل أفضل
(1)
الأحد، 9 محرم، 1428
يقول الله تعالى { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك؟ إذ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت! قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر. والله لا يهدي القوم الظالمين }..
إن المواقف التي يتعرض لها الإنسان دائمًا يتصرف معها حسب ما يمليه له عقله الواعي واللاواعي ومن خلال مكتسباته وخبراته وتصرفاته الأخلاقية ... ولذلك فإنه لا يفقه الموقف كما يجب إذا حكم عليه بسرعة من خلال مؤهلاته الشخصية إلا في الحالات المادية البسيطة البحتة كأن يحكم على وجع يده بسبب النار أو كأن يطأ على شوكة وهكذا ... بل يجب أن يقرأ الموقف ( سياسيًا أو اقتصاديا أو اجتماعيا ) .. بالغوص في أعمق التحليلات لهذا الموقف ... ولذلك يروى عن ابنة الإمبراطور الفرنسي ماري أنطوانيت : أن حراسها رأوا أحد الفقراء مغشيًا عليه من الجوع فأشفقوا عليه وأدخلوه إليها ... فقالت ببراءتها وعلى ما تمليه عليها خريطتها الإدراكية ( سيدي ؛ لماذا تتبع هذا الرجيم القاسي ؟! ) وفي رواية أخرى أنهم أخبروها أنه لم يأكل خبزًا منذ أسبوع فقالت مستنكرة ( ولماذا لا تأكل جاتوه ؟! ) ...
إن هذه العقلية هي التي جعلت ذلك المتكبر يقول ( أنا أحيي وأميت ) لإبراهيم عليه السلام وهي في اعتقاده أنها حجة دامغة ... ولذلك فإبراهيم عليه السلام لم يطاوله في حجته بل أتى له بحجة أخرى لتبين له عواره وجهله ... فبعض الناس مهما تكلمه وتخاطبه وتأتي له بالحجج والبراهين يبقى جاهلًا ولا يتعامل إلا مع ما اعتنقه من قبل وما يدركه عقله ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام ورضي الله عنه ( حدثوا الناس بما يعقلون أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟! ) ... وهذا مع القرآن والسنة ومع أمور الدين ... فكيف بأمور الحياة ... يروى أن اثنين من أهل القصيم ذهبوا إلى أوربا ورأوا الطائرات هناك وكيف أنها تحلق في الجو ولما رجعوا إلى بلدتهم حدث أحدهم أهل القرية بما رأى .. فقالوا إنما أنت مجنون وكاذب كيف لحديد أن يطير في الجو؟! .. فأحب أن يثبت لهم ذلك وأن يأتي بالشاهد .. فأتى بصديقه وشاهده ليثبت ذلك فقال أن ذلك غير صحيح .. فصدم صديقه بتكذيبه لما رآه .. وسأله بعد أن أصبحا لوحدهما لماذا أنكرت الطائرة ؟ قال : أتريد أن يصموني بالجنون مثلك ؟! ... وهذا يدل على أن صديقه فقه كيف يخاطب أهل بلدته وهو لم يفقه ذلك ... ولهذا تركهم إلى أن يرو ذلك بأنفسهم بعد سنوات من ذلك
ولهذا فإذا علمنا أن الإنسان عادة ما يحكم على المواقف والأشياء من خلال خريطته الإدراكية وينبني على ذلك أن نحدثهم بما يعقلون ويفقهون ... فإننا أيضًا يجب أن نعي أمرًا آخر مهما جدًا ... وهو أن نعلم أن منهجيتنا في الحكم على الأشياء يجب أن تكون وفق تعمق في المواقف وإطلاع على جميع التحليلات ... ليس بما يتبناه المرء مسبقًا من خلال أيديولوجية معينة أو فهوم مبسطة فإن ذلك لا محالة فيه الكثير من النقص ... ولأضرب لكم مثال على ذلك في العقلية اليهودية ... فالعقلية اليهودية ربيت على فهوم معينة من خلالها تفسر الأحداث والمواقف ... فهم باعتقاداتهم أن وجودهم في أرض فلسطين ليس احتلالًا بل عودة إلى أرض الأجداد ... وأنه تم ذلك بناء على الوعد الإلهي وليس وعد بلفور ... من خلال هذه المنطلقات يجب أن ندرك أن حكمهم على ما يحدث في فلسطين اليوم منهم ليس إرهابًا وما يحدث من الآخرين ما هو إلا إرهاب وأنهم لا يفقهون أهدافهم ودوافعهم ... ولذلك يجب أن نعلم أنفسنا أن ما يحدد سلوكهم ليس المنطلقات والملابسات المادية المحيطة بهم بل من خلال إدراكهم وتصورهم لها ... من خلال هذا المثال للعقلية اليهودية ... يجب علينا ننظر إلى المواقف والأفكار ليس من خلال أيديولوجية معينة أو تصور سابق بل من خلال قراءة عميقة واطلاع واسع ونفس هادئة أيضًا ...
والله أعلم ... وأستغفر الله لي ولكم ...
---------------------------------------------------------------
(1) مرجع
أفكار المقال إلى مقال للدكتور عبد الوهاب المسيري