| منتدى النثر الأدبي ميدان لإبداع اليراع فانثره هنا ؛ قصة أو رواية أو خاطرة أدبية أو تمثيلية معبرة أو مسرحية هادفة.. |
23-01-2007, 03:03 AM
|
#1 (permalink)
| | صديق ذهبي مميز
تاريخ التسجيل: Mar 2006 الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
| صورة الإعدام: مدخل لكشف العيوب الثقافية . الإخوة و الأخوات
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
هذا مقالي الذي نشره أخيرا الموقع الرئيسي للإسلام اليوم
على الرابط http://www.islamtoday.net/articles/s...186&artid=8554
و فيه محاولة لكشف العيوب الثقافية في الخطاب الثقافي الأمريكي و الإسلامي و العربي الليبرالي من خلال ردود الأفعال التي كانت على ظلال مقتل صدام حسين, فلا تحرمونا من آرائكم, أعرف أن الموضوع طويل, لكن لعلكم تتحملون العناء فنظفر بملاحظتكم. و عندي الإستعداد للنقاش و الحوار و الإستفادة قبل الإفادة قدر الإمكان إن شاء الله تعالى. أعرف أني مقصر أحيانا في الرد, لكن و الله لا أذكر أن كلمة مفصلة -غير عبارات الشكر- كتبت ردا على مقال لي لم أطبعها و أتمعن فيها جيدا و أستفيد منها, فلا تحرمونا هذا رجاء خاص بسم الله الرحمن الرحيم
لم يكن يوم عيد الأضحى هذه المرة يوماً عادياً، بل أصبح "علامة ثقافية" بارزة و عالمية. فهو اليوم الذي أفاق فيه الناس على أخبار أشاعت أن حكم الإعدام على الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد تم تنفيذه، و بدأ جدل كبير حول صحة هذا الخبر من عدمه، لكنها لم تمض مدة بسيطة حتى بثت القناة العراقية مقاطع من مشهد الإعدام، فجاءت "الصورة" بالخبر اليقين الذي قطع كل خيوط الشك.
لم تمض "الصورة" التلفازية هذه المرة مروراً عابراً كما حدث مع كثير من أخواتها، فقد حظيت باهتمام كبير و موجة واسعة من ردود الأفعال العميقة، اشترك فيها "الكل" من سياسيين و مثقفين و رجال دين. و فوق هولاء، أدخلت "الصورة" بإمكانياتها الجديدة و بتحالف مع شقيقتها "الشبكة العنكبوتية" أطرافاً جديدة تم إقصاؤها تاريخياً عن كل ما يتعلق بمثل هذا النوع من التفاعل العام، فأصحبت "الصورة" بسبب ذلك حدثا جماهيرياً، و مجال قول عام و مطلق، و "نصاً ثقافياً" كونياً أصبح مرجعاً مقدساً لكل القضايا الثقافية الحساسة.
كانت صورة القناة العراقية صورة صامتة، يمكن أن تستوعب مجموعة ضخمة من التأويلات المتنوعة المنطقية و غير المنطقية، لكن مقطعاً آخر تم تسريبه أعطى للصورة أبعاداً دقيقة مزجت بين العناصر الأيدلوجية و الدينية و السياسية و العرقية. و على الرغم من أن آلات التصوير كانت بدائية نسبياً من ناحية القدارات، إلاّ أنها امتلكت -عن طريق قدرتها على المزج العميق و السريع بين هذه العناصر في هذا المشهد- "مؤثرات" بصرية و عقلية لم تتوفر في أي صورة أخرى تحمل كل إمكانيات الإخراج السينمائي الحديثة، و كان من انعكاسات هذا أن فرضت علينا الاحتكاك المباشر مع مجموعة من الأسئلة الثقافية الحساسة.
الكل يعرف أن الحديث حول بعض القضايا و المصطلحات مثل "التطرف الديني"، و "الطائفية"، و "الدكتاتورية"، و "السياسات الدولية"، و "الأيديولوجيا"، و "التميزات العرقية"......الخ، ليس جديداً على الساحة الثقافية. فقد تنوعت الدراسات و المقالات التي بحثت كل هذه الأمور من أكثر من زاوية و على مدى سنوات طويلة، و كانت إفرازاتها تعتمد –عموماً- على نظام ذهني محدد يعتمد على بعض القوانين المنطقية التي تستحضر بعض السياقات الثقافية و الحضارية كأساس لتحليل و كشف المصطلحات و تفسير الأحداث و استخلاص النتائج، و لكل قاعدة شواذ!
لكننا لم نكن هذه المرة أمام جدل اعتيادي، فقد جاءت "صورة" الإعدام و معها عاصفة عاتية هزت معها أركان المشهد الثقافي و السياسي، لتخلف بعدها كل المحاور المطروحة بلا معالم قد تدلنا على سياقها التاريخي و الثقافي. فـ "الصورة" قد أصبحت "ناسخاً" "معطلاً" لكل ما سواها من منجزات ثقافية تقليدية. و بلغت قوتها النسخية أن أصبحت المصدر التأويلي لكل ما بعدها، فكان في هذا توجيهاً نوعياً للحراك الثقافي، و هذا يتمثل جيداً في بعض المواقف المذهلة و المفاجئة و التغيرات الحادة التي كشفت عن أنساق مضمرة و عيوب متجذرة في الخطاب الثقافي بكل أبعاده. فقد وجدت أن ردود الأفعال عموماً كانت متعارضة مع مسار "المنتجات الثقافية"، و ما أعلنته حول كثير من القضايا قبل هبوب هذه "العاصفة البصرية"!
لقد كانت أعيننا في مواجهة مع "صورة" تترجم كـ"نص" ثقافي كل عناصر "الهيمنة" أو "الدكتاتورية" الثقافية، فهي تحتكر بين دفتيها كل ما يغري لتحليل و معالجة المصطلحات و القضايا الكبرى لدرجة أنها قامت بتزهيد الناس –جماهير و نخباً على حد سواء- بغيرها مهما كانت قوته و أصالته الثقافية.
عندما بدأت أقلب صفحات الجرائد، و أتصفح الشبكة العنكبوتية لأتعرف على ردود الأفعال، وجدت أن "الصورة" كانت كالحلقة المفقودة التي ينتظرها الجميع ليحسموا كل شيء على المشهد الثقافي العام. فأغلب المقالات و التصاريح حفلت بمجموعة من النتائج المحددة و القطعية. و هنا عادت الذاكرة بضع سنوات إلى الوراء لتستقر على الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، و حينها التقت بمشهد الرئيس بوش و هو يتحدث لأول مرة بعد تفجير البرجين، و العالم كله في ترقب شديد، لتكون كلمته نقلة ثقافية حادة حصرت الحديث عن "الإرهاب" في هذه الصورة، فأمات حينها آلاف التقارير و الأبحاث المعنية بتفسير مصطلح عميق مثل مصطلح "الإرهاب". و لم تكن كل المحاولات و المؤتمرات التي عُقدت لبحث هذا المصطلح فيما بعد تنتهي إلى نتائج عملية أو معرفية. و السبب في ذلك أنها مؤتمرات بلا "صورة" كتلك التي كانت عند الرئيس بوش وحده، و عندها ظهرت مصطلحات الفكر و نتائج البحث العلمي تقليدية و بالية.
الناقد الدكتور عبدالله الغذامي يصف لنا معالم هذا التغير فيقول: " هذا تغير عالمي كوني يحدث للثقافة البشرية حيث تتولى الصورة رسم المعاني و تغيير المصطلحات. و سوف نرى كيف صار معنى الإرهاب معنى معجمياً مركزياً في ثقافة الصورة، و كيف صار يقود الفكر البشري بوصفه المعنى المركزي الأقوى و الأهم، ليس سياسياً فحسب بل ثقافياً و اجتماعياً و نفسياً، و في كل مناحي الحياة البشرية التي تسيطر عليها ثقافة الصورة و تحتوي كل وسائل التواصل فيه." (الثقافة التلفزيونية ص 168). و نحن نجد اليوم أن التاريخ يعيد نفسه، و لعبة "الصورة" تتكرر بنفس الطريقة تماماً، فتفرض نفسها كنص ثقافي يحتكر "كل شيء".
طبعا لا يمكن أن نعتبر هذا التحول الثقافي تحولاً محموداً بأي حال من الأحوال، بل هو أمر خطير للغاية، فقد أصبحت الأمور أقرب إلى البدائية من ناحية التحليل؛ إذ كيف يمكن أن نجعل حدثا عابراً سريعاً هو المدخل الأساس الوحيد لتفسير و حسم "كل شيء"، بل و على إعادة قراءة كل التاريخ في "لحظات"؟! و نحن إن كنا أحيانا غير قادرين على تحديد دور العقائد و الأيدلوجيات في صناعة بعض الأحداث، فإن بعض مفكرينا نبه كثيراً عن دور الأحداث في صياغة العقائد و تحريف المفاهيم. و هذا الأمر بلغ أوجه مع الأحداث المتصاحبة مع "صورة" بهذه الإمكانيات و الشروط. و هذا الاضطراب في المشهد الثقافي الذي تسببه مثل هذه "الصور" هو ما دفع مفكرين كبار مثل نعوم تشومسكي و إدوارد سعيد و غيرهم إلى التنبيه على خطورة هذا الأمر، و قامت بعض دراساتهم على نقد الخطاب الإعلامي السياسي و البحث في استخدامه كوسيلة تخدم خطاباً ثقافياً واعياً "مضاداً".
القريبون من الوسط الأكاديمي المعني بالنقد الثقافي، يعرفون أن الدراسات النقدية لـ"ثقافة الصورة" حظيت بعناية فائقة و أصبحت محركاً أساسياً لكثير من القضايا السياسية و الثقافية و الاقتصادية. و حين نتأمل في واقع "صورة" الإعدام, و ما تحمله من ثقل في العناصر الثقافية، يصعب علينا أن نصدق أن البث أو التسريب كان "عفوياً". فقد وجدنا بعض مفكرينا و علمائنا الأفاضل يصفها بذلك، و بعضهم أصر أن ما حدث هو دليل على سياسة ساذجة غبية. و لا يمكن التسليم أبداً لهذه اليقينية، فأي نظرة فاحصة على ما أحدثته من اضطراب على المشهد الثقافي و السياسي يدل على عكس هذا التصور الشائع تماماً.
مظاهر الاضطراب التي حدثت على السطح، أوهمت البعض أن الأمر عبثي بحت، لكن الحقيقة تقول إن "الصورة" -بكل ما تحمله من عبقرية- جاءت لتحرك الجميع في مسارات محددة و بطريقة منظمة للغاية. فالحكومة العراقية تلقت الكثير من البيانات السياسية من دول كبرى –بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية- التي تستنكر ما جرى، و جاء الإجماع على اعتباره تصرفاً بشعاً غير قانوني. و هذا يعني أن الحكومة العراقية قد وضعت حبل الإدانة حول عنقها، و ستكون "الصورة" دليلاً قانونياً يحرك أي معارضة –رسمية أو غير رسمية- متى ما حادت عن المسارات المرسومة لها. و هذه مجرد نسخة طبق الأصل في حقيقتها لمسلسل سقوط صدام حسين. و أعمق بوادر تأسيس هذه الإدانة ظهر من الوسط الثقافي الأمريكي نفسه، و بقلم توماس فريدمان المحلل السياسي المشهور حينما سجل بدهاء كعادته ما يلي:" وإذا كان من قدر السجناء في عهد صدام حسين، أن يتعرضوا للسخرية والهزء وسوء المعاملة حتى لحظات موتهم الأخيرة، فإن أكثر ما يثير التبرم والضيق من صور الفيديو التي بُثّت عن إعدام صدام، عقاباً له على هذا النوع من الجرائم بالذات، هي أنها تعيد إلى الأذهان ذكريات ذات السلوك الذي جرت محاكمته"!، و لنضع ألف خط تحت عبارتي "هذا النوع من الجرائم بالذات" و "السلوك الذي جرت محاكمته".
هناك من يستغرب بعض المتناقضات الموجودة على الشرق الأوسط، فهو يجد في "مشهد" الإعدام تدخلاً إيرانياً في الشؤون الرسمية العراقية. و هذا يتناقض مع دعوى أخرى تقول إن أمر الإدارة كله بيد الأمريكان، فيفسر كل ما يحدث بأنه مجرد مؤامرة مشتركة ضد العرب. لكن هذا الموقف فيه من التبسيط الشيء الكثير؛ فالحروب و وجود مثل هذه التوترات بين إيران و إدارة المحافظين الجدد بقيادة بوش لا يمكن أن يقطع الكثير من الحوارات الدبلوماسية التي لا نراها، و التي لا تشترك فيها إلاّ الأطراف القوية المؤهلة. و لا نحتاج الكثير من الذكاء لنكتشف المصالح التي قد يحققها أي طرف استطاع استغلال "الصورة" لمصلحته، مهما كانت هناك بوادر تنازل أو انهزامية على السطح. و هناك مجموعة يبقى دورها محصور في طريقة استجابتها, فهي ليست عناصر محركة للحدث، و يمكن أن نقول إن كل أطراف المشهد الثقافي العربي –الليبرالية قبل الإسلامية- مؤدلجة لحد "العماء" و يمكن توظيفها ضد أي طرف بسهولة شديدة، و هذا ما حصل!!
و لذلك فهذه القضية ستكون من أهم أهدافها هو ضبط المسارات، فنحن لا نعتقد أن حكاية "صورة" صدام قد انتهت خصوصاً بعد أن تم تسريب المقطع الثاني. فقد كان الرجل مادة دسمة للتصوير استمرت شهوراً طويلة لا يمكن أن يغفل عنها من يدرك طاقتها الاستيعابية و التغييرية و الإلغائية. و لذلك يجب أن نتوقع أن هناك جهات معينة –قد تكون مختلفة- تحتفظ بمثل هذه المقاطع، على أن تقوم بعرض بعضها و التعتيم على البعض الآخر بناء على ما تؤول إليه الأمور. و لعل هناك أسماء كبيرة لها ثقلها على الساحة –دينية أو غير دينية- قد تم تصويرها بطريقة ما مستغلة عاطفتها و نزعتها في الثأر بلا عقلانية لتتحكم فيها و تحدد مساراتها فيما بعد. و على كل حال، فالاحتمالات كثيرة، و سيظل الحديث حول هذا الأمر في إطار الظني. و لا أعتقد أن إطالة الجدل حول مثل هذه التنبؤات سيقود لكثير من الحسميات.
لكن – و من وجهة نظري الخاصة- أخطر تعبات هذا الحدث، و الذي هو في إطار القطعي، يتعلق بذلك "النفق" الذي حدد مساراً وحيداً ضيقاً لقطار المشهد الثقافي. فـ"الصورة" ستكون هي المعتمد الأول و الأساسي في تشكيل كل ما يتعلق بمفاهيم ثقافية حساسة مثل "الطائفية" و "التطرف" و "الشهادة" و "الشجاعة".....الخ، فتاريخ الثقافة و منتجاتها كلها سيتم تشريحها عن طريق هذا المقطع, ليتم استبعاد كل شيء خارج "منطق" "صورة" لا تتعدى دقيقتين!! و كأننا فعلاً قررنا أن نركب قطاراً يمكن أن يزودنا بمسار محدد في هذا "النفق" المظلم. و هذا الظلام يعكس حالة الاستبعاد التي تعيشها منتجاتنا الثقافية التقليدية، و التي كانت كمصابيح يمكن أن تساعدنا للسير و اختيار المسارات نحو المخرج الصحيح. يتبع
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا |
| |
23-01-2007, 03:05 AM
|
#2 (permalink)
| | صديق ذهبي مميز
تاريخ التسجيل: Mar 2006 الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
| . فهل معنى هذا أن نستسلم للأمر الواقع و نخضع لاستعباد الصورة؟
لا أؤمن أن هناك أزمة محددة لا يوجد فيها أبواب مفتوحة. و الاستغراق في تصوير الجوانب الظلامية و السلبية أحدث اضطهاداً لمفهوم عميق، عانى من إساءتنا الشيء الكثير، و هو "الوعي بالواقع". فالوعي بالواقع هو في حقيقته تحديد المسارات الإيجابية و مناطق التحرك و البحث في كيفية توسيعها و استثمارها مهما كانت الأزمة كبيرة. و لا يوجد أبداً أي سبب أو ظرف يمنع من تفعيل طرق البناء و الإيجابية مهما كانت محدودة، و ما أعظم ما قاله الرسول عليه الصلاة و السلام: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"(صححه الألباني).
و أكبر جوانب نقص الوعي بالواقع و التي ضل الناس فيها، و انقسموا على مذاهب شتى، هو "الوعي" بالسياق الثقافي و التاريخي و الحضاري لهذه الأمة. و هذا الوعي يقتضي أن تعترف الأمة أنه لا عزة لها إلاّ بدينها, و أنه يجب أن يقود الواقع بكل بتفاصيله و كلياته. و هذا يحتاج إلى حركات إصلاحية تعيد النظر في الخطاب الديني ليستعيد -منطلقاً من أصالته- شيئا من الفعالية التي خسرها خلال القرون الماضية كما هو بتعبير مالك بن نبي رحمه الله تعالى. و تجديد الخطاب الديني يجب أن يكون شمولياً، فيهتم بما يتعلق بشؤون الحياة العامة، و لا يغفل عن تصحيح العقائد و التي تعيش حالة مضطربة جداً للأسف. و قد وصل الكثير من المفكرين الغربيين غير المسلمين إلى ضرورة التعامل مع محيط الشرق الأوسط كمنطقة لها سياق حضاري إسلامي بحت، فكل محاولة لتعميق الفجوة بين هذه الأمة و سياقها الثقافي و الحضاري فلن يحقق مكاسب طويلة المدى بأي حال.
و من "الوعي بالواقع" أن تكون قراءتنا في "ثقافة الصورة" قراءة كاملة من كل الجوانب حتى نحدد الإطارات الإيجابية للحركة؛ فـ"ثقافة الصورة" تبقى في النهاية محايدة، لكنها لا تخدم إلاّ مريديها فقط. و أبرز الجوانب الإيجابية للـ"صورة" أنها مادة كاشفة عن الأنساق الثقافية و حركة هذه الأنساق و طرائق تعبيرها عن نفسها. و هذا يعني أن لدينا الآن وسيلة جديدة مهمة للغاية للتعرف عن الذات المثقفة و الشخصية الثقافية و التعرف على عيوبها الخطابية و النسقية. فالصورة أصبحت محور كثير من الدراسات الثقافية، و الناقد الثقافي يظل يترقب مثل هذه الأحداث و هذه الصور العمومية ليستفيد من ردود الأفعال في قراءة المجتمع بطريقة صحيحة.
و هذه نقلة مهمة في مسيرة النقد الثقافي، فالاهتمام أصبح متزايداً في نقد “المستهلك الثقافي” –كالصورة مثلاً- وردود الأفعال أثناء عملية الاستهلاك و الاستقبال الجماهيري على حساب الاهتمام في نقد الثقافة أو دراستها. و هذا تحول مهم يكشف لنا مقدار التباين بين الفعل الواعي الذي يفترض أنه يمثلنا في الحقيقة و بين ما تصنعه المضمرات النسقية.
و هذا يجعلنا أمام أمرين، فإما أن نخضع لهذه الصورة و ما ستفرضه علينا ثقافياً من تأويلات محددة، فيكون التحرر من تبعات هذه التأويلات في المستقبل شبه مستحيل. و إما أن نسلط النقد على ردود أفعالنا و نبحث عن عيوب الخطاب الثقافي عموماً، فتكون حينها "الصورة" مدخلاً تاريخياً و فرصة نادرة في إعادة تصحيح الأمور بطريقة علمية سليمة ستضمن لنا قاعدة متميزة يمكن أن تؤهلنا لخوض المراحل القادمة من مسيرة الانطلاق الحضاري بكل قوة و نجاح. و هذا أمر يفرض على علمائنا و مفكرينا الجدية الكاملة في تلقي مثل هذا الأمر، خصوصاً أن الجماهير أصبحت لها سلطة عميقة على الخطاب الثقافي و تتأثر كثيراً بالمخرجات المبسطة لهذه الصورة. و سنستخدم الصورة، لنقف الآن على مجموعة من العيوب الموجودة في المشهد الثقافي.
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا |
| |
23-01-2007, 03:07 AM
|
#3 (permalink)
| | صديق ذهبي مميز
تاريخ التسجيل: Mar 2006 الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
| . (1)
كانت فترة حكم الرئيس صدام حسين قد جرت العراق للكثير من المهالك، و بلغت الأدلة درجة التواتر فيما يدل على ذلك الواقع السيئ، و قد كان في داخل كل عراقي رغبة شديدة في تحرير العراق من هيمنته و ظلمه حتى يتغير الحال نحو الأفضل.
و بغض النظر عن الطريقة التي تم فيها إسقاط النظام العراقي السابق، فإن لغة الأرقام تدل على أن النتائج لم ترق لطموح الشعب, فالتغيير قد جره لمهالك جديدة. و هذا الذي حدث مجرد انعكاس لـ"نسقية المعارضة" كما يسميها الدكتور الغذامي. فالجانب النسقي من المعارضة في التاريخ تعني أن المعارضة هي صورة أخرى من المهيمن و الجميع يشتركون في السمات و السلوكيات و لن تكون "ثقافة المعارضة" إلا من خلال إزاحة نظام و إحلال نظام لا يختلف عن السالف من حيث الفعل و المسلك.
و الذي حدث الآن ليس خروجاً عن السياق التاريخي، فالعباسيون –مثلاً- قاموا بشن معارضة سياسية ضد الأمويين بدعوى ظلم بين أمية و تجاوزهم، غير أن العباسيين و هم يقومون بمعارضة ينتهون إلى نهاية نسقية، و يقدمون أمثلة كالسفاح الذي اكتسب اسمه من كثرة سفكه للدماء لدرجة وصلت إلى قتل قائد جيشه أبي مسلم الخرساني. و هذه "النسقية" في المعارضة ليست محصورة في الجانب السياسي فقط، فهي تشمل أيضاً "المعارضة الثقافية"، و قد نقل المسعودي في مروج الذهب أن المأمون بلغ به الحال أن أعلن البراءة من كل من يذكر اسم معاوية -رضي الله عنه- بخير، كما أننا نعرف قضية المأمون مع الاعتزال. ثم نجد على جانب آخر أن كل المعارضات التي واجهت بني العباس كانت دموية سياسية و إلغائية ثقافية، و هو ما يعكس صورة هذا العيب النسقي.
و عندما نقترب قليلاً، وننظر إلى حركات الثورات العربية الأخيرة، نجد أن الأمرنفسه يتكرر، و المشهد هو المشهد، فعندما تنتصر المعارضة تسقط الدعاوى و تكون صورة في هيمنتها و سلطويتها من النظام السابق مع بعض الإختلافات الشكلية. و ما كان صدام حسين مع عبدالكريم قاسم إلاّ مثالاً آخر مما يفعله المعارض مع المهيمن، حتى إذا أخذ المعارض السلطة ورث كل عيوب سلفه، و قد يكون أكثر كرماً فيضيف شيئاً من إبداعه.
و لذلك كان لا بد أن نتيقن أن صدام كان سيواجه نفس النهاية التي تواجه كل مهيمن في ثقافتنا، و قد سئل الدكتور الغذامي في مقابلة صحفية قديمة عن "المسافة التي تفصل بين القاتل و المقتول"، فأجاب بأن هذه المسافه هي "صدام حسين"، و لم يكن الغذامي يقرأ الكف حينها، لكنه كان يدرك تماما ثقافة المعارضة و نسقيتها التي لن تنفذ إعداما على صورة محاكمة قانونية، و لكنه حتما سيكون على صورة اغتيال سياسي مقاربة لتلك التي كان يشتهر بها صدام وقت حكمه. و لعل البعض مازال يتساءل عن بقية التفاصيل التي لم تبث في مشهد الإعدام، و عندها سنقول له -من خلال قراءتنا للعيب النسقي في المعارضة- إنها ستكون بنفس الطريقة التي كنا نسمعها عن اغتيالات صدام السابقة بدون حاجة لآلات تصويرية و مقاطع إضافية. فالجموع لا بد و أنها كانت تشاهد في لذة و تمارس كل أنواع التعذيب الجسدي و النفسي، لتكرر نفس المشاهد الصدامية دون أن يتغير شيء.
و لو استطردنا لنبحث في مجموعة أخرى من الأمثلة و النماذج للمعارضة السياسية أو الثقافية، فسنجد أننا سنصل إلى حقيقة واحدة، و هي أن المعارضة تقع في نفس الأشياء – و لو بعد حين- التي تنتقد بها كل مهيمن، مما يدل على عيوب نسقية ما زلنا نتوارثها -بلا وعي غالباً- فتعطل كل محاولة إصلاحية جادة في تحقيق مرادها. يتبع
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا |
| |
23-01-2007, 03:09 AM
|
#4 (permalink)
| | صديق ذهبي مميز
تاريخ التسجيل: Mar 2006 الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
| . (2)
جاءت أمريكا إلى العراق و هي تحمل معها وعوداً بتحرير سريع و بناء دولة ديموقراطية تكون نموذجاً فريداً لبقية الدول في المنطقة. و كان و لا يزال الرئيس بوش يتكلم عن هذا الأمر من حين لآخر، و يستعين ببعض المثقفين و الخبراء السياسيين -من المحافظين الجدد خصوصاً- الذين كانوا يبشروننا بالنعيم الذي ينتظرنا، فالجيوش معها قيم و مبادئ هي كالمفاتيح السحرية لأبواب الجنة في هذه الدنيا.
و هذا التبشير ليس وليد اليوم. فمن ناحية العلاقة التاريخية، لا شك أن الخطاب الأمريكي الليبرالي كان مغريا، فقد أخذ زمناً طويلاً في ترسيخه عند بعض مثقفينا قبل حدوث مثل هذا النوع من المواجهات التي تكشف عن الأنساق المضمرة التي قد تزعزع الثقة به، والتي قد تتعارض مع ما هو معلن في اللحظات الحاسمة. و إذا عرفنا حالة القهر و التخلف التي تجتاح العالم العربي، نجد مبررات عديدة لحالة "العمى الثقافي" التي فرضت على بعضنا الاستعانة بأية مبادئ تعلن أنها قد تضعنا على مشارف انطلاقة حضارية شاملة. لكن "صورة" إعدام الرئيس صدام و أخواتها كانت فرصة نادرة لكشف الكثير من الأنساق المضمرة و عيوب الخطاب الثقافي الغربي عموماً و الأمريكي على وجه التحديد.
دعونا نعد سنوات قليلة للوراء، و نتذكر كيف هزت "الصورة" التي أظهرت تفجير بعض الإرهابيين لبرجي نيويورك أركان المشهد الثقافي بنفس الطريقة التي تكشف المضمر. فنجد أن الرئيس بوش في أول تصريح له يتحدث عن "حرب صليبية" و عن مصطلحات مثل "قوى الشر" و "الشيطان"، مما يدل أن الخطاب الثقافي الغربي لم يتحرر في مضمره من هذه الأنساق التي كان و مازال يتوارثها و كأنها جينات متنحية، لا تظهر إلاّ في اللحظات الحاسمة بشكل يجعلها تقصي كل ما سواها.
و حين ننتقل إلى "صورة" صدام حسين لنقرأ في ردود أفعال بعض المثقفين الغرب، يأتي توماس فريدمان ليكشف ما هو مضمر في مقاله الذي هو بعنوان: "إعدام صدام والبحث عن مخرج للمأزق العراقي"، و يعلنها صريحة و كأنه يرثي كل من اغتر بالنموذج الليبرالي الغربي الذي كان يبشر به دائماً، و ذلك حين ينقل عن مايكل ماندلباوم "أن الديموقراطية لا تنجح إلاّ حين يكون هناك اتفاق رئيس على المبادئ و الأصول، و في وسع الآخرين الذين يفتقدون إلى هذه المبادئ و القيم، أن يستوردوها منا إن شاؤوا، إلاّ أنه ليس في وسعنا تصديرها لهم بأي حال، ذلك أنه ليس بإمكاننا توفير السياق العام الذي يمكن للآخرين الاستيراد منه".
و بالطبع فإن فريدمان حينما يقول إن نجاح الديموقراطية يعتمد على الاتفاق الأساسي على المبادئ و الأصول، نجد أنه يجسد قناعته هذه في قبوله بالكثير من النماذج الديموقراطية التي تخالف النموذج الأمريكي كما هو الحال مع فرنسا و بريطانيا و إسرائيل. لكن سؤالنا الذي ننتظر إجابته من فريدمان: هل يمكن أن ينطلق من هذا الكلام ليبحث لنا عن نموذج النظام السياسي الوحيد الذي يتلاءم مع سياق أمتنا الثقافي و الحضاري العام؟ لا أعتقد أنه سيملك الشجاعة ليخبرنا عن النتيجة؛ فهو ضحية نسق ثقافي غربي متجذر يعتقد أن ثقافته بكل تفاصيلها قد بلغت النموذج الصالح لنهاية التاريخ لتكون ملائمة لكل الحضارات.
لقد ظهر لي أنه من المهم قراءة مقالات فريدمان -بالذات- التي تكون كردود أفعال مع مثل هذه الصور، و في كل مرة سيجد القارئ فيها شيئاً جديداً يكشف الكثير مما هو مضمر. فعندما تسربت صور تعذيب سجن أبو غريب، بادرنا بمقال قال فيه: "يجب على كل من أراد العمل في العراق أن يُجرى له امتحان، ويتألف هذا الامتحان من سؤال واحد: هل تعتقد أن أقصر مسافة بين نقطتين خط مستقيم؟ فإن أجاب بـ"نعم"، فلا ينبغي أن يعمل هناك، يستطيع أن يعمل في كوريا أو اليابان أو ألمانيا لكن ليس في العراق، فقط، أولئك الذين يفهمون أنه في الشرق الأوسط أقصر مسافة بين نقطتين، ليست أبدا خطا مستقيما ينبغي أن يعملوا هناك". و هي دعوة من فريدمان أو "صديق الليبرالين العرب" كما يسمونه -و لا شماتة-، تحث على تجريد السياسة الأمريكية في العراق من أية أخلاقيات أو إلتزامات كي تحقق ثماراتها.
و رحم الله المفكر مالك بن نبي حين قال لنا قبل عشرات السنين: "إن المستعمر لا يحمل فضائله خارج أرضه" (وجهة العالم الإسلامي)، بل نجد أن مثل صورة أبو غريب تجعل علمانياً -عرف بتسويغه المبالغ للسياسيات الأمريكية- مثل فؤاد زكريا ليقول: "عليهم أن يعلموا أن الفضائل المتناثرة بين كاليفورنيا وفلوريدا، فضائل "لازمة" وغير "متعدية" للآخر!..أملتها ظروف تاريخية معينة واقتضتها "أخلاق الزبونية" التي تنتج الفضائل هناك. و ردة فعل زكريا تدين ثقافته من حيث لا يدري بأكثر من طريقة، و يا ليت قومي "يفهمون"!!
و على الرغم من كل هذا، فمقالات توماس فريدمان كانت -و مازالت- تحظى باستقبال كبير من بعض صحفنا، و قد وجدت أن هذا الاستقبال لا يطفئ أضواءه و يغلق أبوابه إلاّ حين يرى مثل وجهي دون أن أفهم السبب! و على العموم, لا أملك شيئاً من تدبير الأمر معه، و لا القدرة على محاورته أو أخذ مقعده. لكن على أقل تقدير فأنا أمير نفسي، و يمكنني أن أرجع إلى غرفتي مساء اليوم لألقي كتابه الذي كلفني الكثير من الدولارات في مكانه المناسب! يتبع
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا |
| |
23-01-2007, 03:12 AM
|
#5 (permalink)
| | صديق ذهبي مميز
تاريخ التسجيل: Mar 2006 الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
| . (3)
صعد الشيخ يوسف القرضاوي منبره في جامع عمر بن الخطاب في قطر، ليتحدث عن قضية العراق و الفتنة الطائفية, متناولاً بعض ما ارتبط بمشهد إعدام صدام. و بعد أن استنكر كل ما جرى، طالب بلهجة حادة و بلغة صارمة المراجع الشيعية في العراق و إيران أن تحدد موقفها من هذه الجرائم، فـ "صمتها" سيكون دليل إدانة صريح ضدها. و في مشهد آخر كرر الشيخ القرضاوي مطالباته رجال الأديان الأخرى أن يوحّدوا كلمتهم ضد أي عدوان أو تطرف عالمي، لكنه دائماً ما يعاتب تخاذل الكثير منهم في بعض المواقف الحيوية.
و الشيخ القرضاوي كانت له مساعٍ كبيرة من أجل تحقيق مثل هذه الأهداف، و هو ينطلق من أساسيات صحيحة، فالرسول صلى الله عليه و سلم قال:" لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو دُعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وأن لا يعد ظالم مظلوما". و لا نستطيع أن نقول إن هذا الحدث قد نُسخ بسبب العدوان, و أنه لا يمكن أن يُقام تحالف على مثل هذا في غير ذلك الزمان. و نحن نعلم أنه بالرغم من بعض الأحداث التاريخية التي حفلت بمواجهات دموية مع الشيعة أو مع غيرهم، إلاّ أن حالات السلم و التعايش كانت أكثر، كما أن أغلب ما يحفل به تراث الملل و النحل عموماً هو الوقوف ضد هذه الممارسات العدوانية. فإذا كان الحال على هذا النحو، فما هي الحلقة المفقودة في كل هذه القضية و التي تفسر "الصمت" الشائع؟
المسألة لها علاقة بالوظيفة الثقافية للكلام، و ما يرتبط بها من بعد سياسي و اجتماعي. و نشوء مثل هذه الرابطة يعني أنها ستخضع لجملة "قوانين نسقية" رسختها الأيام في كل نظام اجتماعي دون نقد كاف. فكل جماعة تعين من يكون صوتاً لها و يتولى وظيفة الكلام باسم هذه الجماعة –أي جماعة- بناء على مؤهلات أو ظروف معينة، و الذي لا تفوضه الجماعة للحديث و الخطابة يجب عليه أن "يصمت". يقول الدكتور الغذامي عن رابطة الشاعر و القبيلة: "فالشاعر بما أنه قد صار صوت القبيلة فإنه لا بد أن يكون صوتا قويا يجري اختياره من بين الأصوات الأخرى، و تحتفل القبيلة بهذا المخترع الثقافي الذي سيكون آلة حربية تحمي القبيلة و تحقق لها الهيبة في نفوس الآخرين، و هذه سمات لا تتحقق إلا بشخص له صوت يعلو على الأنداد و الخصوم معًا"(النقد الثقافي ص 205). و إذا خسرت القبيلة "صوتها" فإنها ستعيد تشكيل نفسها لتعلن عن ولادة "صوت" آخر، و هكذا.
و هذا كما قلنا هو "قانون نسقي" عند كل جماعة، فالكنيسة عندما خسرت حكمها السياسي، و توصلت إلى قناعة تامة بعدم قدرتها على إدارة الأمور و مواجهة التحديات السياسية و الثقافية، كان يجب حينها أن توكل غيرها ليكون حاكماً يغطي العجز و يقود المواجهات تجاه الخصوم. و هذه نقلة تاريخية جعلت الكنيسة خاضعة تماماً لكل ما هو سياسي في إطار "جماعتها"، و بهذا تكرر ما يحدث تاريخياً مع كل جماعة، ففي مثل هذا الخضوع، هناك جماعة "تتكلم" و جماعة يجب عليها تباعاً أن "تصمت". و الكنيسة لا تعتقد أن دورها السياسي انتهى، فعندها من الوعود الدينية التي تبشرها أنه مهما طال "الصمت"، سيأتي اليوم الذي ستكون مؤهلة فيه لـ"لكلام".
و الذي حدث بالنسبة للشيعة مؤخراً، هو قريب جداً مما حدث للنصارى، و قد كان البعض يستغرب كيف صار الحال في العراق على هذا النحو الذي وصلت إليه الأمور، خصوصاً بعد فترة طويلة من التجاور و التعايش مع السنة. لكن بعد أن نجحت الثورة الإيرانية، خضعت المراجع الدينية الشيعية تحت "عمى ثقافي" كبير لسلطة الطبقة السياسية تماماً بشكلها الديني الجديد بعد أن تم تفعيل "ولاية الفقيه"، و حينها اكتملت الشروط الضرورية لعمل "القانون النسقي" نفسه، فطبقة يجب أن "تصمت" و طبقة لها الحق أن "تتكلم". و كل من لا يلتزم بهذا القانون سيواجه كل أنواع الاضطهاد, و استمر المبدأ حتى يومنا الحالي بنفس الطريقة التي تضمن تفاعل القانون النسقي. و لعل هذا فيه شيء من الإجابة عن السؤال –و إن كان في سياق مختلف- الذي طرحه الأستاذ فهمي هويدي في مقاله "رسائل الإعدام المهين": " لو أنها كانت إيران الشاهنشاهية، هل كان الأمر يختلف عما عبرت به إيران الإسلامية؟"
و لا ندعي أن أهل السنة مجردين من هذا "العيب النسقي"، بل قد ظل يكرر نفسه تاريخياً دون أن يواجه بشيء من النقد. و قد يستغرب البعض صمت كثير من العلماء الذين نشهد لهم بالصلاح و الفضل عن كثير من الأحداث السياسية، لكن خضوع المؤسسات الدينية الرسمية و أتباعها تحت سلطة الطبقة السياسية شكل الوحدة الاجتماعية الضرورية لتفعيل وظيفة القانون النسقي نفسه، و لذلك كان عليهم أن يوكلوا لهم كل الحق بالكلام و إدارة الأمور، و يلتزم الآخرون بالطرف الأيسر من معادلة التفاعل النسقية، و هو "الصمت". و الذين يقرؤون في السياسة الشرعية عند أهل السنة، سيجدون الكثير عن صلاحيات "أهل الحل و العقد"، لكنها بقيت في إطارها النظري-إلا ما ندر- في كل فترات تاريخنا السياسي. و هذه السلطة الكبيرة الموجودة عند أهل الحل و العقد عند السنة، موجودة نظريا عند الشيعة و عند النصارى، لكنها آخيرا قد تعطلت بعد كثير من الأحداث.
و لذلك كانت من أهم المطالبات الإصلاحية التي يطالبها بعض علماء السنة قبل الوقوع الكامل في نفس الخطأ، هو استقلالية المؤسسة الدينية عن السلطة السياسية. قال هذا الشيخ سلمان العودة في أكثر من محفل إعلامي, كما أن الشيخ القرضاوي أكد على ضرورة أن يسترد الأزهر أوقافه، و أن يكون مستقلا في حركته لا يخضع للقرار السياسي.
و لذلك يجب علينا أن نسلط الكثير من النقد على هذا "العيب النسقي"، ففعالية المطالبات الذي ذكرها الشيخ القرضاوي و غيره متوقفة على وعي الأطراف الأخرى في تصحيح خطاباتها الثقافية التي تضررت كثيرا من هذا. و لا أعتقد أن المسألة مستحيلة، بعد أن رأينا أن الشيعة و غيرهم قد فرضت عليهم بعض الأحداث استجابات أكثر عمقاً، مما يدل على أن باب التغيير مفتوح، لكن الأمر في حقيقته متعلق بخطابنا الثقافي و كفاءة أجندته في بناء الوعي عند الغير بهذه النقطة بالذات. يتبع
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا |
| |
23-01-2007, 03:14 AM
|
#6 (permalink)
| | صديق ذهبي مميز
تاريخ التسجيل: Mar 2006 الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
| . (4)
على الرغم من تلك الجهود المبذولة لتوحيد الصف أثناء مواجهة القضايا الكبرى، و قيام الكثير من الاتحادات و المنظمات و الهيئات التي تهدف لتكثير السواد في مواجهة أية أزمة، و التي غايتها أن يكون الخطاب أكثر قوة و فعالية، إلاّ أننا بدأنا نلحظ تراجعاً كبيراً في الجهود المبذولة لتأسيس خطابات جماعية من جهة، و في زيادة فعالية ما هو موجود من جهة أخرى. و هذا العيب قد كشفته "صورة" الإعدام التي كانت انعطافاً حساساً في تاريخ الأمة. و على الرغم من هذا كانت كل البيانات –إلاّ ما ندر- فردية أو شبه فردية.
و إن كانت كل الأطراف المعنية بقضية الإصلاح و التغيير و التجديد تشتكي تسلط الذهنية التقليدية و أحادية الرأي، إلاّ أنها -و من خلال تأثير هذه الصورة- سترسخ هذا العيب فيها، و ستتجه النخبة – بلا وعي و تحت عمى ثقافي- إلى الانقسام إن مر مثل هذا الموقف دون مراجعة ناقدة.
ووصول الأمر إلى هذا المدى، يكشف عن عيب جذري يصاحب كل الحركات الإصلاحية الإسلامية أو الحداثية على حد سواء، و السبب أن هذه الحركات لم تتمكن من تأسيس خط كلي و بوعي جمعي عميق، بل ظلت في حقيقتها حركات فردية و ثقافتها ثقافة أفراد و رموز، و إذا ظل الرمز بوحدانيته تحول فكره إلى فكر شمولي، و ظل متعالياًً على النقد مهما ظل يصرح بأنه من دعاة النقد و الحوار، و هذا مشهد واقعي لا يكاد يستثني أحد الرموز على المشهد الثقافي، و لا يختلف في هذا الإسلامي عن العلماني شيئاً، و لذلك لا توجد لدينا أي حركة إصلاحية تؤسس معها جهازاً نقدياً حقيقياً ضمن خطابها، و هذا ما يجعلها مضطرة للانقسام على نفسها -مع كل حدث- حتى تظل محافظة في مضمونها على ثقافة الرجل الواحد، مهما بدا الظاهر غير هذا. و هذا الواقع المتأزم طبيعي, فالحقيقة أنه لا يمكن تشكيل جهاز نقدي حقيقي خارج إطار التيارات ذات التكوين الجمعي العميق.
و كما قلنا، إن مر مثل هذا الحدث الذي فجرته "الصورة" -و الذي غدا من أهم الانعطافات التاريخية الأخيرة- دون مراجعة نقدية، عندها ستقيد "الصورة" جهود النخبة في تأسيس أي خط جمعي في المستقبل، فالقانون المنطقي سيفرض نفسه ليقول: "ما دام أن هذا الحدث الذي ستثبت حساسيته الأيام قد مر دون تأسيس موقف جمعي حقيقي، فكل ما دونه لن تواجهه إلاّ الخطابات و المواقف الفردية في المستقبل".
و هذا ما جعل بعض مفكرينا يناشد الجامعة العربية بعقد اجتماعاً طارئاً فعالاً لتأسيس موقف جمعي مؤثر حول قضية العراق و قضية الاقتتالات الطائفية، و هذه مطالبة واعية، فالحقيقة إن مرت هذه الحادثة المهمة دون موقف حيوي جمعي، فهذا يعني أن الجامعة العربية قد كتبت نهايتها، و لن تحظى أي قضية دونها –حسب القانون المنطقي- بأي اجتماع بعد أن لازمت مثل هذه الحادثة بيانات رسمية فردية. و الوعي بهذه النقطة يذكرنا بما جعل الحكومة السعودية تستنكر قيام بعض الدول في مجلس التعاون بعقد علاقات دولية حساسة بصورة فردية لا تشاورية، و هذا يدل على وعي منها بأثر هذا على مستقبل النقاش الجماعي في القضايا المشتركة الأقل حيوية.
إننا أمام مرحلة حساسة جداً في تاريخنا الثقافي، و هي مرحلة "سقوط النخبة"، و هذا السقوط نعني به تلاشي رمزيتها التقليدية التي كانت تحتكر القيادة في المجالات السياسية و الاجتماعية و الفكرية....الخ. و كان يجب أن تسقط في ظل وجود بديل مؤثر جديد له طاقة استيعابية جمعية في استقبال المشاركات الجماهيرية. لقد جاءت "الصورة الفضائية"، و جاءت "الإنترنت"، و تشكلت "المنتديات الحوارية"، لتقود حركة التغيير الاجتماعية و بشكل جماعي دون وضوح أسماء رمزية محددة.
لكن يجب أن نفهم نقطة معينة في علاقة هذه الحركات التغييرية الجديدة مع النخبة، فهي لا تتحرك بدون الاستعانة بهم، لكنها في نفس الوقت تفرض سلطتها عليهم حتى و إن اضطر الحال إلى مهاجمتهم بأسماء غير رسمية أحياناً عندما يحيدون عن خط الحركة. و هذا يظهر دائماًً في ردود الأفعال الأخيرة, فالقانون في التيارات الجمعية على الإنترنت أن الحركة هي التي تدير النخبة و ليس العكس. و هذا انكشف بشكل واضح مع هذه "الصورة", فنجد في بيان رسمي لأحد كبار كتاب المنتديات و طلبة العلم مستنكراً على الشيخ البراك خروجه عن الخط فيقول: "ما أغنى شيخنا الفاضل عن الدخول في مثل هذا المعترك الحرج خصوصًا في هذه الحقبة الزمنية المقيتة، ومن لم يكن في أول أمور السياسة من ساستها فليدع آخرها يسوسها غيره ...".
المشهد الحداثي العربي أمام هذا التغير في القوى -على وجه التحديد- مثير للشفقة أكثر من غيره، و يواجه أكبر أزمة في تاريخه الثقافي القصير نسبياً، فـ "صورة صدام" كشفت عن "النسق المضمر"، و هو "البعد الديكتاتوري" المتجذر في "الليبرالية" عموماً. فبعض الصحف قد امتلأت بكل المحاولات القمعية لكبح ثورة الجماهير. و هذا الأمر تكرر تماماً مع "صورة" الحجاب في فرنسا حينما ظل أدونيس و غيره يدافعون عن القرار الفرنسي أكثر من فرنسا نفسها، مما يدل على هشاشة الطرح الحداثي و خضوعه تحت سلطة الأنساق الديكتاتورية المضمرة عند أي مواجهة مع أي "صورة" لحدث ما. و في كل مرة تعلن الدوائر الانتخابية فوز الإسلاميين، نجد الجملة الكاشفة تقول: "إنه لم يحن وقت الديموقراطية في الشرق الأوسط."!!
و ما أروع ما قاله (روزينو) :"إن شكوك ما بعد الحداثيين حول المشروع الحداثي قد أفضت إلى مأزق فكري و عملي، و لم يعد هؤلاء على قناعة بأن الذي تم إنجازه حداثيا هو بالضرورة صحيح و حقيقي و جميل و أخلاقي. ضاعت القناعة لأن المنجز أقل من المأمول و المتوخّى. و هذا ما جعل بعض المفكرين يقول إن هناك أسباباّ لعدم الثقة بالحداثة و ادعاءاتها الأخلاقية و مؤسساتها المعرفية و تأويلاتها العميقة. حتى لقد ذهب (تورين) إلى القول إن الحداثة لم تعد قوة للتحرير و لكنها صارت مصدراً للاستعباد و للاضطهاد و القمع".
و لا شك أن هذه ملاحظات صارمة يتم توجيهها للحداثة، خصوصاً حينما أعطت قيمة مطلقة لمفهوم (الليبرالية) و (العقلانية) حتى بلغ بها الحال أن ازدرت كل النظريات الأخرى، و اعتبرت أنها رجعية بدائية. و هذا الحل المطلق تحطم على يد البطالة و التفكك الاجتماعي، و غيرها من المعضلات التي ضربت المجتمعات الحديثة. يتبع
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا |
| |
23-01-2007, 03:17 AM
|
#7 (permalink)
| | صديق ذهبي مميز
تاريخ التسجيل: Mar 2006 الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 84 في 40 موضوع
| . (5)
جاءت حادثة الشنق لتصعد من حدة المواجهات الطائفية بين جماعة من أهل السنة و الشيعة. و على الرغم من أن أهل السنة قد ظلوا لسنوات طويلة يسجلون مواقف تعارض حزب البعث حتى وصفته بالكفر، إلاّ أن حصر الجرائم التي تدين صدام بطريقة متطرفة لصالح الطائفة الشيعية, فجّر الأزمة. و جاءت الصورة بطريقة ألغت كل السياق التاريخي بين أهل السنة و صدام لتكشف ردود الأفعال عن بعض المواقف التي تحتاج للكثير من المراجعة.
بعض الكُتّاب ذكر أن صدام قد تاب و ظهرت علامات توبته جلية، و هذا ما يعني بطلان حكم الإعدام بعد أن ثبت رجوعه لدينه. و عندما قيل له أن حكم الإعدام لم يكن ذا ارتباط بكفره من إيمانه، و أن القضية لها علاقة ببعض الجرائم، ذكر أن الله أعلم بباطن الأمر و لعله كان متأوّلاً، و في الأمر أكثر من مخرج!
هذا يظهر الخلل في فهم فلسفة التشريع، فالذي لا يشك فيه أحد أن صدام سيأخذ حكماً بالإعدام حتى لو كانت محاكمته كاملة الشرعية. فالتوبة لا تنقض الأحكام الشرعية، و لن تكون توبة صدام أظهر من توبة الغامدية التي زنت و التي جاء الوحي مصدقاً توبتها. و على الرغم من هذا أقام الرسول عليه الصلاة و السلام عليها الحد حتى يحفظ لنا المبادئ و الأخلاق. فالشريعة بكل أحكامها و حدودها من غايتها تنظيم شؤون الخلق. فكل المبادئ لا يمكن أن تُصان بفهم بشري قاصر، و هذا ما أظهرته التجارب البشرية الحديثة. لكن عندما نميع المنهج بسبب ردود الأفعال، فهذا يعني أننا نسلك الطريق الخاطئ. و لا يمكن أبداً معالجة العيوب النسقية بعد نقدها، إلاّ بقوة الوحي الذي يخضع الجميع لسيطرته.
لقد وصف البعض بأن ما حدث كان اغتيالاً سياسياً، و انتقاماً طائفياً عطل صورة العدالة التي تحفظ للجميع حقها في الاقتصاص من صدام دون تمييز، في دولة كان يُفترض أن تكون مدنية. و هو انتقام لأكثر من حادثة تاريخية و بنفس الطريقة، و هذا الانتقام هو مشهد يصور "نسقية المعارضة", يقول الشيخ عبدالرحمن البراك:" "اختيار يوم العيد لقتله يظهر أنه مضاهاة لقتل أميرٍ من أمراء دولة بني أمية وهو خالد القسري للجعد بن درهم -إمام المعطلة- إذ قتله يوم عيد الأضحى وقال: ضحّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍٍّ بالجعد بن درهم فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، فنزل من المنبر فذبحه.. والرافضة تُوالي الجهمية المعطلة، ولهذا اعتنقوا مذهب المعتزلة".
لكن موقف بعض أهل السنة كشف تماماً عن "نسقية المعارضة" التي أدنّا بها الشيعة، فهذه الفئة كانت تستنكر على كل من دعم الشيعي نصر الله في حربه الأخيرة على إسرائيل. و اعتبروا ذلك موقفاً متخاذلاً مع المنهج، فأولئك الذين دعموه رأوا أن هجومه على إسرائيل يستحق الدعم و التأييد و الثناء، لكن هذه الطائفة من أهل السنة اعتبرت أن موقف نصر الله لا يحمل أي دلالة على أي خير، و أنه من باب ضرب الظالمين بالظالمين. لكن هل أثبت هذا المنهج اطّراده؟
الحقيقة أن هذا المنهج لم يطّرد، فعندما تغير الحدث و انقلبت الأدوار نجد أن ما يتهم به المعارض الآخر هو نفس "العيب النسقي" المتجذر فيه قبل غيره، و هذه هي "نسقية المعارضة". فقد جاء على لسان أحد المشائخ ما معناه: "و صدام على الرغم من ظلمه، إلاّ أن حسناته كثيرة، يكفي أنه وقف أمام المد الصفوي و الغزو الصليبي!!". و هذا العيب النسقي اعترض عليه شيخ الإسلام رحمه الله حين حذر من هذا الأسلوب في المواجهة, فانتقد الذي استفزتهم الخصومة مع الشيعة "فقابلوا باطلاً بباطل، و ردود بدعة ببدعة" (مجموع الفتاوى 4\513). و ليست هذه المرة التي يظهر فيها هذا التعارض، فهم لا يحسبون لجمال عبدالناصر حربه على إسرائيل، و الذي نقل مؤرخه محمد حسنين هيكل أنه كان متديناً، لكنهم يناقضون أنفسهم هنا ليعتبروا صدام بطلاً وقف لسنوات طويلة أمام المد الصفوي!! و هذا ما يدل على عيب نسقي متجذر.
و هذا يُقال أيضاً عن كل المحاولات التبريرية التي تحاول حجب الشمس بغربال، بل كان بعضهم يتحدث عن سنوات صدام الأخيرة حتى شككت أنهم يتحدثون عن الحسن البصري -رحمه الله تعالى- و بدأت النزعة التسويغية، و هذه نزعة نسقية تظهر دائماً في مثل هذه المواقف و بأشكال متعددة للأسف. و قد وجدت أن أحدهم قام بمعاتبة الشيخ البراك مذكراً إياه -بطريقة انتقائية- انتصار بعض أهل السنة للحجاج بن يوسف الثقفي، لكنه جهل أن الشيخ البراك معروف بانتصاره لمنهج شيخ الإسلام بن تيمية الذي قال: "نحن إذا ذُكر الظالمون كالحجاج بن يوسف و أمثاله نقول كما قال القرآن: (ألا لعنة الله على الظالمين)، و لا نحب أن نلعن أحداً بعينه. و قد لعنه –يعني الحجاج- قوم من العلماء، و هذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد. لكن ذلك المذهب أحب إلينا و أحسن. و أما من قتل الحسين و أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً و لا عدلاً" (مجموع الفتاوى 4\487).
يقول الأستاذ محمد المختار الشنقيطي: "و ما كان شيخ الإسلام بالذي يدافع عن رجل مثل الحجاج ارتكب من المظالم و الفظائع ما لا يعلمه إلاّ الله، بل ورد عنه ما يفيد استحلالها و العياذ بالله: "عن عاصم قال: سمعت الحجاج و هو على المنبر يقول: ...و الله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من أبواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم و أموالهم. و الله لو أخذت ربيعة بمضر لكان لي ذلك من الله حلالاً..."( الألباني صحيح سنن أبي داوود 3\878)"
و التناغم مع المنهج و الحفاظ عليه ظهر جلياً في موقف الشيخ البراك حينما قال: ""صدام أحد قادة حزب البعث العربي، والمعروف أن حزب البعث يقوم على مبادئ جاهلية وإلحادية، ولم يُعلم أن صداماً أعلن براءته من حزب البعث بعد احتلال الأمريكان للعراق، ولا قبل ذلك. وعلى هذا فنفوض أمر صدام إلى الله ولا نحكم عليه فيما بينه وبين الله". وأضاف الشيخ البراك: إن "أهل السنة غير آسفين على قتل صدام حسين". و قال: "لا نترحم عليه؛ ولا نصلي عليه لو قُدم للصلاة عليه؛ لأن كل ما أظهره لا يدل على انتقاله من زعامته لحزب البعث والإيمان بمبادئه".
و لعل الله قد منّ على الشيخ البراك حين أفقده "حبيبتيه" فوقاه شر سحر "الصورة" التي هزتنا. فالشيخ قد ترك لنا المشاهدة و التعاطف، و اكتفى بسماع عبارة صدام التي تقول: "العراق بدون صدام و لا شيء"، ليتأمل فيها الشيخ مستعيداً ماضي الرجل، فيجد أن العبارة هي العبارة، و معجم صدام لم يتغير، فعلاقة الرجل مع من سواه تقوم دائماً على ترقية الذات من فوق الآخرين بالضرورة، فصدام لم يكن عراقياً بمقدار ما كان العراق صدامياً، فالجيش هم جنود صدام، و حربه هي قادسية صدام كما وصف بها حرب الخليج الأولى مع إيران, كما أنه ليس بعثياً بمقدار ما إن الحزب صدامي. و أعتقد أن الشيخ رأى أن هذه الجملة كافية بذاتها لدحر كل أشباه الأدلة التي تناقض رؤيته.
إن وقفتنا هذه جاءت من واقع معرفتنا بعبقرية "الصورة" على الأسر و الهيمنة؛ فمشهد الإعدام بكل ما يحتويه من تفاصيل إن مر بدون دراسات ناقدة للعيوب التي انكشف بعضها، فإنه سيرسخها بطريقة لا يمكن التخلص من تعباتها فيما بعد. و سيبلغ تأثيرها أن تكون "الشجاعة" و "الإيمان" و بقية القيم مجسدة في صدام قبل أن تكون في غيره, و هذا لأن "الصورة ناسخة لكل ما سواها" كما قلنا في السابق. على الرغم من أن الحقيقة أن أهل السنة لا يحتاجون للدفاع عنه، و لا عن رمزيته، و لا يمثل لهم شيئاً، و لن يكسبوا من وراء هذا الموقف إلاّ ترسيخ الاضطراب في المنهج على نحو لا يمكن الاستدراك لمعالجته بعد مدة.
فحسبنا الله و نعم الوكيل. انتهى المقال
نسأل الله أن يكتب له القبول
و أن يغفر لي ذنوبي
__________________ أشفق على من حرم متعة الابتسامة!!
ابتسموا |
| |
23-01-2007, 06:38 AM
|
#8 (permalink)
| | أمين هيئة الإشراف
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 2,111
مزاجي: عدد مرات شكره للأعضاء: 215
شُكر 270 في 175 موضوع
|
اصبر علي ياعلي قليلاً فسوف أتأمل مقالك والتعليق فيما بعد وسوف ينسخ هنا وهناك .
|
| |
23-01-2007, 10:56 AM
|
#9 (permalink)
| | صديق نشيط
تاريخ التسجيل: Nov 2006 الدولة: الحجــ أرض ــــــاز
المشاركات: 630
عدد مرات شكره للأعضاء: 16
شُكر 14 في 9 موضوع
| أستاذنا الفاضل علي الحمدان وفقه الله ورعاه لقد بُهرت وأنا أقرأ مقالك بسعة اطلاعك ونظرتك الموفقة وتحليلك المدهش بهذه الطريقة التي تصوغها بإسلوبك المتين
الذي يشد القارئ حتى آخر حرف رغم مايعتريني عادة من ملل ومحاولة الوقوف ولكن مازال بي حتى أسلمني الى نهاية
المقال
ثم أما بعد:
فمن وجهة نظري أن النظرة فيما يتعلق بأمور الحياة عموماً هي نظرة شرعية هذا في حس المؤمن طبعاً أقصد النظرة
الوسطية العادلة وعندما ينظر بمنظار آخر فإن هذا يؤدي للإنحراف في النظرة والسلوك والعمل
والميزان الشرعي في التعامل على مستوى الأفراد والدول يجعلنا دائماً كمسلمين ننظر بميزان العدل مع القريب والبعيد
مع الصديق والعدو مع من وافقنا ومع من خالفنا
فهل نعدل مع امريكا ؟ مثلاً
وهل نعدل مع صدام ؟
هل نعدل مع من خالفنا في اعتقاد أو في مسئلة أو في أي شئ ؟
إن العدل مطلوب شرعاً وهو سمة بارزة لأمة الإسلام ومن أقوى دعائم حضارتها التي تميزها عن سائر الأمم الأخرى
قال تعالى : ( ولايجرمنّكم شَنَآنُ قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقر ب للتقوى) هذا وبالله التوفيق .
__________________
(كوككوكو) لم تعد تهـوى الصيـاح=(كوككوكو) صـرتَ عيـن الانفتـاحْ
لا تلمنـي ( يادُيَيكـي ) لا تلمـنـي=(بقبقاتـي) مـن همـومٍ وجــراحْ
سوف أمضي في طريقي سوف أمضي =سوف أعطيك دروسـاً فـي الكفـاحْ
إن موتـي فـي طريقـي بشمـوخي =خير ممن عـاش مكسـور الجنـاحْ
التعديل الأخير تم بواسطة هدوء شاعر ; 23-01-2007 الساعة 11:08 AM.
|
| |
23-01-2007, 09:52 PM
|
#10 (permalink)
| | ضيف |
مشكور
الله يعطيك العافية
تحليل جميل
اخوك نبراس الازدي
لي اكثر من شهرين لم استطع الدخول للمنتدى بسبب فقدان الرقم الخاص بي - وراسلت الدعم الفني ولكن بدون جدوى
.
.
.
.
| |
| | |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | | | | أدوات الموضوع | | | | انواع عرض الموضوع | العرض العادي |
تعليمات المشاركة
| لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة لا تستطيع الرد على المواضيع لا تستطيع إرفاق ملفات لا تستطيع تعديل مشاركاتك كود HTML معطلة | | | الساعة الآن 09:51 AM. |