| ضيف | الصاحبُ ساحب.. والمجالِسُ مُجانس .. وحتى الببغاء يتأثر ..!
الصاحبُ ساحب.. والمجالِسُ مُجانس
وحتى الببغاء يتأثر .. !
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه الغر الميامين .
وبعد :
اقتضت حكمة الله تعالى فى خلقه أن جعل الإنسان ميّالا بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم والإجتماع بهم , فقد فطرالله الإنسان على حب العشرة وعلى حب المدنية فهو مدني بطبعه .
ولكن الصحبة و المجالسة لها أثرعجيب في تشكيل أخلاقيات الإنسان , ولها أثرها الواضح فى فكر الإنسان ومنهجه بل وسلوكه ، وربما كانت سبباً فعالاً فى مصير الإنسان وسعادته الدنيوية والأخروية , وقد دل على ذلك الشرع والعقل والواقع والتجربة والمشاهدة , فقد تكون له رحمة ونور , وقد تكون له ظلام وحسرة, و لذلك نجد الإنسان إذا كانت له خلة ومحبة وملازمة لرفقة ما إلا ويكون على نهجها وطريقتها، يتحد معها في أفكاره ومسالكه وأخلاقه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر , وذلك لأن الإنسان بطبعه وحكم بشريته يتأثر بصفيه وجليسه ، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله , ومن ثم قيل: " لا يصحب الإنسان إلا نظيره " , فالمرء مجبول على الإقتداء بجليسه والتأثر به وبعمله فهو مماثل ومشاكل لخليله في الاستقامة وعدمها وكما قيل : " الصاحبُ ساحب، والمجالِسُ مُجانس" . ومجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا , لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء كما قال الغزالي .
ولله در القائل :
عن المرءِ لا تسألْ وسلْ عن قرينهِ *** فـكل قرينٍ بالمقـارنِ يقتدي
فإِن كانَ ذا شرٍ فجانبْهُ سـرعـةً *** وإِن كان ذا خيرٍ فقارنْه تهـتدي
وجاء في كلام بعض أهل الحكمة ( يُظَنُ بالمرء ما يظن بقرينه ) .
وقال المنتصر بن بلال الأنصاري:
وما الغيُ إِلا أن تصاحبَ غاوياً *** وما الرشدُ إِلا أن تصاحبَ من رشدْ
ولن يصحبَ الإِنسانَ إِلا نظيرُه *** وإِن لـم يكونا من قبيل ولا بلد
بل قد يؤثر القرين على عقيدة قرينه ، وعلى قناعاته الفكرية فكم من صديق قد جر الويلات على صديقه، وكم من قرين كان سببًا في انحراف قرينه وعندها لا ينفع الندم، وانظر إلى هذا المشهد البليغ الذي جسده لنا القرآن حيث قال تعالى:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً[27]يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً[28]لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} [الفرقان:27ـ29]. فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها، إنما هو يداول بين هذه وتلك أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من الندم اللاذع المتمثل في عضه على اليدين كما قال سيد قطب رحمه الله .
لذلك أمر الشارع الحكيم بمصاحبة الأخيار، ومصافاة الأبرار، والبعدُ عن قرناء السوء ومخالطة الأشرار.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " رواه أبو داوود 8433 وحسنه الألباني في صحيح أبي داود 4046 وصحيح الجامع برقم: 3545 .
و قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ " رواه أحمد و أبو داود و الترمذي وحسنه الألباني فى صحيح الجامع برقم: 7341 .
وقد أحسن من قال :
أنت في الناس تقـاس *** بـمـن اخـتـرت خليلاً
فأصحاب الأخيار تعلو *** وتـنـل ذكــراً جـمـيلاً
ورضي الله عن ابن مسعود يوم قال: " ما من شيء أدلُ على شيء؛ من الصاحب على الصاحب" , وإذا وجد الإنسان من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم. ولذلك فالصحبة الصالحة منة من الله تعالى كما قال ابن الجوزي رحمه الله .
و ورد في هذا الباب حديث ثالث عن أبى بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً ". متفق عليه .
والجليس صيغة مبالغة على وزن فعيل , من كثرة المجالسة والملازمة . لذلك قال ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: "وفي الحديث النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا , والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما ".
وقيل:
تجنب قرين السوء وأصـرم حباله *** فإن لم تجد عـنه محيصا فداره
وأحبب حبيب الصدق وأحذر مِراءه *** تنل منه صفو الود مـا لم تُماره
وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار وأنشد:
وصاحب خيار الناس تنج مسلما *** وصاحب شرار الناس يوما فتندما
ووعظ بعضهم ابنه فقال له : " إياك وإخوان السوء ، فإنهم يخونون من رافقهم ، ويسدون من صادقهم ، وقربهم أعدى من الجرب ، ورفضهم والبعد عنهم من استكمال الأدب والدين ، والمرء يُعرف بقرينه . والإخوان اثنان : فمحافظ عليك عند البلاء وصديق لك في الرخاء ، فاحفظ صديق البلية ، وتجنب صديق العافية ، فإنه أعدى الأعداء " , فصحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً ، وإذا مرت على الطيب حملت طيباً , كما قال المناوي فى فيض القدير.
وفي التحذير من صحبة الأشرار قال الشاعر:
هل يستوي مَن رسول الله قائده *** دومًا وآخر هاديه أبو لـهـب؟
وأين من كانت الزهراء أسوتها*** ممن تقفت خطى حمالـة الحطب
إن الرذيلة داء شـره خـطـر *** يعدي ويمتد كالطاعون والجرب
و اسمع إلى لقمان الحكيم وهو ينصح إبنه فيقول له :" يا بني ، جالس قوماً يذكرون الله بطاعته ، فإن كنت عالماً نفعك علمك ، وإن كنت جاهلاً علموك ، وإن نزلت عليهم رحمة أو رزق كان لك فيه معهم حظ ، ولا تجالس قوماً لا يذكرون الله ، فإن كنت عالماً لم ينفعك علمك ، وإن كنت جاهلاً زادوك جهلاً ، وإن نزلت عليهم لعنة أو سخط شاركتهم فيه ".
وأنشد أحدهم :
خلوةُ الإنسانِ خـــيـرٌ * * * من جليسِ السوءِ عندهْ
وجليسُ الخيْرِ خـــيـرٌ * * * من جلوسِ المرْءِ وَحدَه
وقال آخــــر :
فلا تصحب أخا الجهل *** وإيـاك وإيــــــــاه
فكم من جاهـــل أردى *** حليمًا حــيــن وافـــاه
يقــاس المرء بالمرء *** إذا مــــا هــو ماشاه
وذو العــر إذااحتك *** بــذي الصحة أعـــداه
وللشيء مـــن الشي *** مقاييس وأشــبــــــاه
وللروح على الـروح *** دليل حــيــن يـلـقـاه
ومعنى العر: الجرب
واعلم أن من ينهاك عن مصادقة الأشرار يدعوك لصحبة القوم الذين لا يشقى بهم جليس ، و أنظر إلى ذلك الرجل الذي قتل مائة نفس ظلماً ، وحين جاء لعالم يدله على طريق التوبة أمره أن يسافر من قريته ليلحق بقوم صالحين فمات في الطريق فغفر له ، وهو لم يعاشرهم .
وعن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمن مألفة ولاخير فيمن لايؤلف " روى الإمام أحمد .
وصاحب إذا صاحبت حرا فإنما *** يزيـن ويزري بالفتى قرناؤه
ماعاتب المرء الكريم كنفسه *** والمرء يصلحه الجليس الصالح
وللجليس الصالح صفات , فهو يأمرك بكل خير وينهاك عن كل شر , و يدلك على العمل الصالح والعلم النافع , و يسمعك قول الحق , ويفيدك بالحكمه البليغة والقول الصائب , يُبصرك بآلاء الله سبحانه وتعالى , و يكشف لك عيوب نفسك ويشغلك عن تتبع عيوب الاخرين , اِذا ذكرته بالله طمع في ثوابه , واذا خوّفته بالله ترك الإساءة والضلم , يجهد نفسه لتعليمك ما ينفعك , إذا غفلت ذكرك واذا اهملت حذرك وانذرك , يغفر زلتك ويقيل عثرتك ويستر عورتك , اذا اتجهت الى الخير حثك عليه , لا يُمل قربه ولا ينساك في بعده , يزين لك الطاعه ويذلل لك المعصية .
وقد جمع كل هذه الصفات و أكثر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعطي جوامع الكلم , فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " المؤمن مرآة المؤمن" رواه أبو داود .
ورحم الله الحسن البصري يوم قال : " المؤمن مرآة أخيه إن رأى فيه ما لا يعجبه سدده , وقومه , وحاطه , وحفظه في السر والعلانية . إن لك من خليلك نصيبا وإن لك نصيبا من ذكر من أحببت . فثقوا بالأصحاب والإخوان والمجالس ".
وقال الشاعر:
صحبةُ الصالحين بَلْسَمُ قـلـبى *** إنهـا للنفـوس أعـظـمُ راقى
وقال محمد بن علي الهندي:
عقلُ الفتى ممن يجالسهُ الفتى *** فاجعـلْ جليسَكَ أفضلَ الجـلسـاءِ
والعلمُ مصبـاحُ التقى لـكـنّهُ *** يا صاحِ مـقـتـبسٌ مـن العُلماء
فالله الله في الرفقة الصالحة و مصاحبةُ الأخيار،, فالأخوة في الله من أعظم الروابط , بل هي والله أعظم من رابطة الدمّ والنسب .
قد يقول قائل ماعلاقة هذا الكلام بالببغاء؟! وما هي قصة هذا الببغاء؟! و بما تأثر ؟! .
فأقول وبحول الله أصول و أجول :
أما حكاية الببغاء فقد سمعتها من الدكتور محمد العوضي الداعية المعروف حكاها في محاضرة ألقاها في الأردن , بيّن من خلال هذه القصة ــ والتي بطلها الببغاء ــ أنّ الإنسان يتأثر برفقائه وأصحابه وأن البيئة لها دور كبير في صقـل شخصية الإنسان .
فيعقد لنا الدكتور مقارنة بين ببغاوين أحدهما نشأ في بيئة متدينة و الأخر نشأ في بيئة سياسية .
أما قصة الببغاء الأول فحدث الشيخ قائلا : كنت في الرياض في بيت أحد الصالحين و لما جاء وقت الصلاة سُمع صوت عجوز تنادي"الصلاة ..الصلاة", فظننتها أم صاحبي .. و لكن الصوت لم يتوقف ! و استمر الصوت ينادي"الصلاة .. الصلاة" !! , فقلت لصاحبي : قم إلى أمك فلعلها تريد منك شيئا !!, فقال لي : أمي ماتت منذ سنوات !! , فقلت له فما هذا الصوت إذن؟! فقال لي : أما هذا الصوت الذي تسمعه فهو صوت ببغاء أتينا به لمّا كان صغيرا وكبر في بيتنا , و كانت أمي رحمها الله إذا سمعت صوت المؤذن نادت في أهل بيتنا "الصلاة ..الصلاة" !, ولا تسكت حتى يقوم كل أهل البيت للصلاة , فحفظ الببغاءهذا عن أمي رحمها الله و صار كلما سمع صوت الأذان قال : "الصلاة ..الصلاة".!!!
أما الببغاء الآخر فكان صاحبه مولع بالسياسة !.. كبُر هذا الغراب و أصبح قادرا على الكلام بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 !.. وكان صاحبه يتابع السياسة و الأخبار السياسية بشراهة كبيرة.. فما حفظ هذا الببغاء إلا الكلام في الأنظمة العربية وحكامها , فأصبح يردد ..
الملك الفلاني عميل !
والحاكم الفلاني خائن ...!
والرئيس العلاّني شيطان أخرص ...!
ووزارة الخارجية لدولة ( ... !) تخدم مصالح أمريكا , و ..!
إلى غير هذا الكلام المعروف !!.
وبيع هذا الببغاء , و لمّا أخذه صاحبه الجديد دُهش لأنــه وجده محلل سياسي أكثر من طائر أليف , وخاف صاحبنا هذا من أن يُسبب له هذا الببغاء المشاكل بسبب الكلام الذي يتكلم به فقرر بيعه , ولكنه ولمّا عزم على ذلك أشار عليه أحد أصدقائه أن لا يبيعه و أن يعاقبه بأن يدخله خم دجاج لمدة حتى ينسى هذا الكلام و يحفظ صوت الدجاج !
فأعجبته الفكرة !!فأخذه و أدخله في خم الدجاج ..فلما رأته الدجاجات تعجبن من هذا الكائن الجميل و الملون فأخذوا ينظرون إليه مستغربين !!
فلما رأى الببغاء ذلك نظر إليهم و قال لهم :" يا جماعة أنتم أول مرة ترون لاجيء سياسي" !!!
فاختار من الرفقاء الصالحين من يعينك على نفسك ويكون بديلاً عن رفقاء السوء , فالصحبة الطيِّبة هي خير معينٍ على الطاعة وهجران المعاصي والشرور والوقوع في الخطايا , وهي من أعظم ما يعين العبد على صلاح قلبه ، وتقوية إيمانه.
وفَرّ من خليل السوء فرارك من الأسد؛ فهو أجرب مُعدٍ، يقودك إلي جهنم، إن أجبته قذفك فيها، وسيكون لك عدوًا بين يديْ الواحد الأحد {الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} .
لا يخــدعـنك عــن ديـن الهوى *** نفرٌ لـم يرزقوا في التماس الحقّ تأييدا
عمْيت القلوب وعُـرّواعن كل قائدة *** لأنـهــم كـفـروا بالله تــقـلــيــدا
و خذ بنصيحة الشيخ السعدي يوم يحذرك قائلا : " فلينظر العبد لنفسه وقت الإمكان , وليتدارك الممكن قبل أن لا يمكن , وليُوال من ولايته فيها سعادته , ويعادي من تنفعه عداوته وتضره صداقته . والله الموفق " اهـ .
نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا ويجعلها منقادة لما يحبه الله ويرضاه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أخوكم : فؤاد حسينات (العنّابي)
hassainet@yahoo.fr |