أمريكا بحاجة لمن يمد لها يد الغوث في العراق أمريكا بحاجة لمن يمد لها يد الغوث في العراق عبدالله الطويرقي* لا شك عندي في أن العراق اليوم ليس إلا بلداً مهدماً وكياناً مفككاً تسرح فيه كل قوى الشر المستطير الافتراضية والواقعية وتمرح فيه كل أشكال الدموية الطائفية والحزبية المقيتة، والتي تجلت في إعدام صدام حسين، فجر عيد الأضحى، ولاشك مطلقاً في مكابرة الرئيس التنفيذي للحرب على الإرهاب جورج دبليو بوش، حتى اللحظة بقبول الواقع الكوارثي الذي أفضت إليه سياسات الحافة ودمقرطة الأنظمة وإعادة رسم خارطة منطقة المصالح الاستراتيجية للعم سام هنا.
17% من الأمريكيين من يصدقون بوش وتشيني في وهم النصر في العراق، بينما يشكك 71% من الأمريكيين في المقابل في إدارة الرئيس بوش للسياسة الخارجية وأجندة الحرب على الإرهاب بما فيها العراق بطبيعة الحال، وتصويت الناخب الأمريكي لصالح الديموقراطيين في نوفمبر الفارط، والذي كرس هيمنة ديموقراطية على مجلسي الكونجرس، يعكس فعلياً فقدان ثقة الشارع الأمريكي ونفاد صبره من الطروحات غير الواقعية لخطاب المحافظين الجدد، والذي حوّل بقدرة قادر منذ 11 سبتمبر 2001 فائض الموازنة الأمريكية من 450 مليار دولار إلى عجز يتجاوز الـ500 مليار دولار، وفاتورة متعاظمة مادياً وبشرياً لم يتوقف مؤشرها عن الارتفاع على جيوب دافعي الضريبة هناك. وعلى الرغم من اعتراف السيد رامسفيلد وزير الدفاع المسرّح قبل أيام من ترحيله في مذكرة سرية للبيت الأبيض بفشل سياسة الرئيس التنفيذي للحرب على الإرهاب، وضرورة التعجيل بمعالجات بديلة، وباعتراف هنري كيسنجر عرّاب المنطقة الأشهر في الثمانينات وكبار جنرالات المؤسسة العسكرية أن أمريكا تخسر حربها في العراق، إلا أن بوش وتشيني ما يزالان يراهنان على حدوث معجزة تقلب الطاولة لصالح منهجية الصقور بين لحظة وأخرى، بل يقال إن الرئيس أجل خطاب استراتيجية الملف العراقي لهذا الأسبوع من يناير، لعل إعدام صدام يقوّي عملياً حضور حكومة المالكي خارج المنطقة الخضراء لبسط سلطاتها على كل التراب العراقي، وبشكل يوحي ولو مظهرياً بأن أمريكا حصدت الحرية والديموقراطية للعراقيين وطوت صفحة من عذابات الشعب المسكين، وفي الوقت نفسه، يعجّل ذلك برحيل الجيش الأمريكي من هناك.
ويتوقع أن يعرض الرئيس بوش في خطابه لخطة مرحلية لسحب متدرج للقوات الأمريكية وإعادة انتشار لها من بغداد والبصرة والموصل وكركوك لتتواجد في 5 قواعد عسكرية أمريكية داخل العراق، وربما في الكويت لتكون بمثابة قوى تدخل خاطفة لدعم النظام في بغداد، فيما لو تدهورت الأوضاع، على أن يسبق ذلك اعتماد الكونجرس لـ 18 مليار دولار سنوياً، لدعم وإعادة تأهيل قوات المارينز وسلاح الجو والمعدات الحربية، سبق وطلبها الرئيس من قبل.
في المقابل لا يبدو أن الديموقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب حريصون على معارضة الرئيس التنفيذي للحكومة في طلبه الدفع بما يقارب الـ20 - 30 ألف جندي الآن لدعم القوات المستنزفة في العراق وأفغانستان، والتي تقدر بثلثي عدد القوات الأمريكية المسلحة، وتسهيل عمليات إعادة الانتشار لاحقاً، أو تعطيل الدعم المالي الذي كما أسلفت يقارب الـ20 مليار دولار سنوياً، حتى عام 2010 ربما، تحاشياً لتوريط إدارة الرئيس لهم أمام الرأي العام الأمريكي كونهم تسببوا في الكارثة الراهنة.
الواقع أن الرئيس بوش نفسه، وهو يطالب بدعم كهذا يعرف سلفاً أن الورطة في العراق لم تعد ورطة قوة أو أدوات حسم قتالية بقدر ما هي مداورة سياسية-دبلوماسية علاجية تتعاطى بواقعية مع كافة الفرقاء والقوى النافذة في المشهد العراقي، وعكس منهجية التبني للشيعة البراغماتيين الموالين لمصالحها كقوة حليفة في وجه التمدد الإيراني الأصولي في طهران على المدى البعيد. فأمريكا بحاجة واقعياً لأدمغة تتحرك في كل اتجاه لإعادة صياغة القوى الرئيسة والهامشية لتمثيل غير موجّه وحقيقي ويعزز الوحدة السياسية للعراق، بحاجة لأدمغة منظّري اليمين الجدد أمثال: وولفووتز وبيرل ورامسفيلد، بطبيعة الحال للعمل من داخل العراق بدلاً من تسريحهم التدريجي وتغييبهم من الكابيتول هل وكأن شيئاً لم يكن، في الوقت الذي يتعاطى الشأن العراقي جنرالات حرب لا يعرفون من العراق إلا المنطقة الخضراء وحسب. العقول التي دفعت بأمريكا لسياسة الردع والضرب وإسقاط الأنظمة بقوة السلاح منذ 11 سبتمبر 2001 عليها أن تعود للعراق لعلاج الكارثة الكبرى التي أحدثوها للعراقيين ولدول المنطقة وشعوبها، وبالتأكيد دافعي الضريبة في بلاد العم سام.
كارثة العراق اليوم ليست شأناً عراقياً خالصاً كما تتصور حكومة المنطقة الخضراء، فدول وأنظمة المنطقة اليوم من حقها التخوف مما يجري في العراق والذي لا يستبعد معه تصدير الحالة لها تحت أي ظرف وفي أي وقت من يدري؟!
أمريكا اليوم تسببت في كارثة اسمها العراق قد تأتي على الأخضر واليابس داخل العراق الأخذ في تصفية مؤجلات العهد البائد طائفياً واجتماعياً، ومن غير المستبعد أن تطال عقابيلها دولاً مجاورة عقدياً وسياسياً وجيوبولتيكيا في المجمل. وكون واشنطن اليوم تراوح بين تخبطات إدارة الرئيس ومناورات مجلسي التشريع في الكابيتول هل في الشأن العراقي المخيف، فمسؤولية دول المنطقة اليوم التحرّك بشكل حاسم وجاد بالعمل على استراتيجية أمن جماعي لدول الجوار لتطويق حالة الفوضى العراقية، والحيلولة دون تمددها خارج التراب العراقي، هذا في حد ذاته قد يعيد الصواب لواشنطن بالتخلي عن لعبة رهاناتها الفئوية داخل العراق، وتفاهماتها الاستراتيجية الخفية مع إيران، وتبني برنامج سياسي عملي يعيد العراق لكل العراقيين وبإرادة كل العراقيين لا غير ذلك، الرهان على سياسة الرئيس بوش الواعدة لن يكون إلا بمثابة خطأ تاريخي يرتكب و لا يقل كوارثية عن قرار بوش وبلير إسقاط نظام البعث والتجريب في بلد كامل السيادة بلعبة حجار الشطرنج تحت غطاء صندوق الانتخابات، وانتظار ما لدى الرئيس الذي يكابر حتى اللحظة في الاعتراف بمصيبة العراق، ومستمر في تجاهل ما يقول به الخبراء والاستراتيجيون بالتجريب في العراقيين كل أشكال العبث المتصورة، في نظري ليست إلا مغامرة غير محمودة العواقب.
فبعد ما يقارب الـ4 سنوات على احتلال العراق ما أنجز لم يتجاوز حكومة محصنة في قاعدة أمريكية اسمها المنطقة الخضراء، وليس حكومة ذات سلطات وقادرة على بسط القانون وحماية السيادة على كل العراق، ولكل العراقيين. وأخشى ما أخشاه أن واشنطن تلعب على خيار توريط دول المنطقة النفطية معها في دفع فواتير حربها المجنونة بتركها للمشهد العراقي يخرج عن السيطرة ويصل لدول الجوار التي لن يكون أمامها إلا الاصطفاف مع بلير وبوش في طابور العرض الخاسر.
قد تكون أمريكا وإدارة الرئيس بوش قريبة من أي وقت مضى للتسليم بعجزها بكل ما تملك من أدوات على إعادة العراق لوضع مستقر، وألا بديل عن الشراكة مع دول المنطقة في إيجاد مخرج يؤمن للعراق ولجيرانه الأمن والاستقرار والسيادة. ولعل إدارة الرئيس بوش تبحث على استحياء عن دور لأصدقائها المؤثرين في المنطقة بعد أن همشت كل النصائح والتحذيرات من مغامرة القوة التي لم تنه الإرهاب المزعوم وعبثت بما فيه الكفاية بمقدرات ومصير العراقيين، وتتجه بالعراق وجيرانه لنهايات مميتة على ما يبدو. وعلى ما يبدو أنها فرصة سانحة لدول المنطقة لإفهام بوش وبلير أن لا مناص من التعاطي بعقل وبمسؤولية مع داخل وخارج العراق، لأنه من حق الجميع هنا الخوف على مصالحهم وأمنهم واستقرارهم.
__________________ المستقبل لايُرسم بريشة القانطين |