محمد أبوعبيد
حاولوا – إذا سمحتم – تخيل المَشاهد التالية معي :-
في العاصمة البيروفية , ليما , تظاهرة أمام السفارة الفلسطينية احتجاجاً على خطف مصور وكالة الأنباء الفرنسية البيروفي خايمي رازوري على يد فلسطينيين , وللمطالبة بتحريره . في فرنسا تظاهرة للعاملين في الوكالة وزملاء لهم للغاية نفسها . في غزة , التي يُخشى أن تصبح عاصمة الخطف رغم صغر مساحتها , تظاهرة لصحافيين فلسطينيين أيضاً للإفراج عن رازوري . والصور الآتية من فلسطين تظهر الرصاص الفلسطيني يخترق الجسد الفلسطيني .
مَشاهد أخرى , تعود إلى فترة ازدهار النضال الفلسطيني : أوروبيون , كبنيان مرصوص , يتظاهرون أمام سفارات إسرائيل في عواصمهم , حاملين علم فلسطين ومرتدين كوفيتها احتجاجا ً على القمع الإسرائيلي لانتفاضة الفلسطينيين , وعلى الإحتلال بكل مركباته . أوروبيون لم ترق لهم رؤية الرصاص الإسرائيلي يخترق الأجساد الفلسطينية , صورة تختلف عما يرسمه السطر الأخير من الفقرة الأولى .
هكذا , وإذ الفلسطينيون في أمسّ الحاجة لجسر إعلامي تسير عليه معاناتهم وصولاً إلى الغير , فإنهم يحرقون الجسر ولا يبقون سوى منفذ صغير تتسلل منه صورٌ معيبة ومسيئة لفلسطين كلها . كان المشهد سابقاً يتمثل في شكوى الفلسطينيين من عدم نقل معاناتهم إلى من لا وجود للمعاناة عندهم . وبعد أن طارت الأطقم الصحافية بمراسليها ومصوريها إلى فلسطين لتجسيد الحياة اليومية فيها وتوثيقها , صارت تترصد لها مجموعات مسلحة ,بالتأكيد لا تريد لفلسطين أي خير .
آهٍ ...آه ٍ... لو يعلمون ماذا تخسر فلسطين فضلاًعما تخسره من بشر وشجر وحجر .في فلسطين من يبدد جهد وكد عقود من النضال من أجل حجز حيز لفلسطين على خريطة العالم بعد أن تغيرت معالم هذه الخريطة . عقود تكللت بالنجاح فصار لفلسطين موقع يتم التفاوض عليه , حتى من قِبل من أنكر نكراً تاما ً أي وجود لهذا الاسم . وصار لفلسطين موقع على الخريطة الإعلامية أيضاً .
. فلسطين الآن بحاجة إلى العودة إلى وصفها الإعلامي العادل والصحيح . بحاجة إلى المعادلة الخاصة بها : حجر + كوفية + وحدة وطنية = فلسطين . وإلا فإنها ستخسر البقية الباقية من المتضامنين مع شعبها والمناصرين لهم .
عذراً فلسطين ومعذرة . لم أقصدك باسمك وترابك وخريطتك . المقصد شريحة من أهلك لا يمتد أفق بصرها أبعد من أمتار معدودات .