المكر السيئ إنها سنة الله جل في علاه لكل الذين يمكرون المكر السيئ ليوجهوه في صدور الآخرين ووجوههم وأعراضهم وحياتهم "فالأمور والأحداث لا تمضي في الناس جزافاً ; والحياة لا تجري في الأرض عبثاً ; فهناك نواميس ثابتة تتحقق , لا تتبدل ولا تتحول . والقرآن يقرر هذه الحقيقة , ويعلمها للناس , كي لا ينظروا الأحداث فرادى , ولا يعيشوا الحياة غافلين عن سننها الأصيلة , محصورين في فترة قصيرة من الزمان , وحيز محدود من المكان . ويرفع تصورهم لارتباطات الحياة , وسنن الوجود , فيوجههم دائماً إلى ثبات السنن واطراد النواميس . ويوجه أنظارهم إلى مصداق هذا فيما وقع للأجيال قبلهم ; ودلالة ذلك الماضي على ثبات السنن واطراد النواميس ".
أين يذهبون من جزاء الله وعقابه؟ فهو الذي يدعو الناس أن يفعلوا الخير لبعضهم البعض حتى تتنزل الرحمات والبركات إلا أنهم يصرون على الفساد والطغيان ، إنهم مدعوون أن يعيشوا في هذه الحياة في كنف عبادة الله التي تقتضي أن يجعلوا الأمور كلها إليه هو سبحانه فهم الذي يحاسب الناس على جريرة أعمالهم وما اقترفته أيديهم ظلماً وعدوانا إلا أنهم يأبوا إلا أن يكونوا رؤوساً للظلم والجحود والنكران .
لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فما يصيب مكرهم السيئ أحداً إلا أنفسهم ; وهو يحيط بهم ويحيق ويحبط أعمالهم .وانظر وتأمل معي حال كثير من الذين تزعموا المكر والكيد فكان مكرهم بوراً وكيدهم ضلالاً ودماراً في نحورهم ونحور أعوانهم من الظلمة والطواغيت .انظر إلى حال فرعون فقد َ{جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } القصص4 خوفاً من ذلك الصبي من بني إسرائيل أن يدمر عليه ملكه وسلطانه فكان الذي خاف منه ، بل هو الذي رباه وأطعمه وكساه حتى بلغ أشده واستوى .
وهاهي قريش تحذر الناس من أن يسمعوا من النبي محمد صلى الله عليه وسلم لئلا يغير عقولهم بزعمهم فكان عكس ما مكروا فإذا بالناس تذهب لتسمع منه فيؤمنوا وتخسر قريش المعركة .. والوقائع والقصص في ذلك متكاثرة .
ومن أمثال العرب " من حفر لأخيه حفرة وقع فيها " وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمكر ولا تعن ماكرا فإن الله تعالى يقول: " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله "، ولا تبغ ولا تعن باغيا فإن الله تعالى يقول: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " ( الفتح: 10 ) وقال تعالى: " إنما بغيكم على أنفسكم " ( يونس: 23 ) وقال بعض الحكماء: "يأيها الظالم في فعله ، والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى ، تحصى المصائب وتنسى النعم" وفي الحديث (المكر والخديعة في النار). فقوله: (في النار) يعني في الآخرة تدخل أصحابها في النار، لأنها من أخلاق الكفار لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في سياق هذا الحديث: (وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة).وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة. (تفسير القرطبي)
إنه حري بكل ماكر من الحاقدين والظالمين والطواغيت أن يتأملوا هذا المعنى العظيم الذي جاءت به هذه الآية الكريمة ليتقوا مغبة مؤامراتهم الموجهة إلى عباد الله وأولياءه من المستضعفين والفقراء والمساكين والذين لا حول لهم ولا قوة ."فأما المكر السيئ قولاً وعملاً فليس سبيلاً إلى العزة ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان . إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد . وعد الله ، لا يخلف الله وعده . وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم" .
إنها صرخة يجب أن تدوي في أذن كل طاغوت وكل عميل وخائن أنكم مهما مكرتم وكدتم وتجبرتم فإنكم إلى زوال وإلى انهيار ، وأما مكركم وكيدكم فسيكون وبالاً عليكم ونتيجة نهائية لمشوار ظلمكم وجبروتكم فهل يستفيقون وينتبهون قبل أن تحيط بهم عدالة الرب العزيز الحكيم ذو القوة المتين سبحانه جل في علاه ؟ |