يوماً ما كان أملاً ،
يوماً ما اصبح واقعاً ،
يوماً ما سيكون ذكرى ،
سنة الحياة المطردة تسري على كل الخلائق ، و منهم المسلمين في عباداتهم و معاملاتهم .
و هاهي أيام الحج تمضي و تودعنا كومضٍ أضاء رحاب الفضاء و مر سريعاً و لم ينتظر ... يتجدد معه الشوق لعام قادم ...يراودنا الأمل أترانا نبلغه ثانية ؟
و مع الأمل كان يتجدد الألم أيضاً لما يراه المسلم من سلوكيات الحجيج و بخاصة في منى في مشاهد تنقلها الفضائيات للعالم أجمع ، هذا هو لقاء المسلمين العالمي .
أكاد اجزم انه ما من مسلم يحمل في قلبه هم هذه الأمة إلا و يتردد السؤال بداخله كل عام ، إن لم يصحبه على مدار الأيام ، أما لهذه المشاكل من حلول ؟
و لأِن الهم يأبى أن يظل أسير الأماني و الأمنيات عند عقول الكثير من المخلصين لهذه الأمة ، من يملكون الوعي أننا مهما تحدثنا عن مكانتها و ريادتها فلن يسمع لنا العالم يوماً إلا حين نقدم نموذجاً عملياً تطبيقياً يعبر عن احترام الإسلام لقيمة الإنسان ، و عن النظام كسلوك في حياتنا ، فكان أول الغيث بهذا التطوير الرائع و الذي ساهمت فيه سواعد من دولٍ شتى ، لمداخل و مخارج جسر الجمرات بمنى و الذي تشرف و سعد المسلمون جميعاً أن يراه العالم كله ، بعد خجلٍ توارينا خلفه سنواتٍ طوال .
بيد أن مثل هذا العمل الكبير بحاجة في كل موسم إلى متابعة و حرص شديد للالتزام بممرات السير المحددة للداخل و الخارج ، تحسباً لمن يهوون دوماً مخالفة الأنظمة حتى و إن كانت فيما يخص الصالح العام للمسلمين جميعاً .
و على صعيدٍ آخر تأتي تجربة عمائر منى لتكون بديلاً عن الخيام ، حيث شُيدت ست عمارات على سبيل التجربة ، و إن كانت هذه التجربة تثير الخشية أن تكون المحصلة هي التوسع الرأسي فقط مما يزيد من مساحة الأرض الخالية مع بقاء نسبة الحجيج الذين يفترشون الأرض كما هي ، هذا حين تكون أسعار التأجير لهذه العمارات مرتفعة كما الحال عند تأجير الخيام مما يحول بين الفقراء و محدودي الدخل من سكناها ، و يبقى الحال على ما هو عليه .
إن التجديد للخطاب الإصلاحي الذي نجدد به لأمتنا بلغة العصر الذي نحياه من خلال المشاريع و تقديم النماذج العملية ليستحق الكثير و الكثير من الإنفاق ، و العائد الاستثماري هو تفكير شعوب الأرض في الالتحاق بهذا الدين بعد تفكير منطقي و عميق يتم تحريضها عليه حينما ترى هذه النماذج الناطقة ، و ليس على الدوام ألسنتنا بالخطب و المحاضرات و توصيات المؤتمرات .
إن جزءً كبيراً من حل مشكلة الافتراش بمنى يلزمه الدعم بالمال و لا شك ، و تطوير و تحديث المناطق التي تتم عليها هذه الشعيرة آخذ في الزيادة إن شاء الله ، و سُتنفق من أجله الأموال الطائلة ، و التي قد تتجاوز دخل البلاد من موسم الحج بكثير ، و لكن الله تعالى افاض على هذه البلاد الكريمة بالنفط أيضاً ، و ما من مال إلا و لغير أهله فيه حق ، فما بال لو كان غير الأهل هم المسلمون جميعاً ، هذا غير دعوة سيدنا ابراهيم و التي تؤمن ديمومة الرزق لهذه البلاد حتى لغير المسلم " و ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله و اليوم الآخر قال و من كفر ..." ، فلا باس عندها أن يخصص جزء من هذه الأموال لتكون بعض المخيمات ، أو العمائر مستقبلاً إن نجحت التجربة ، سبيل للفقراء من الحجيج ، و مع وجود جهاز قوي للإحصاء و التعبئة يمكن وصول هذا الدعم لمستحقيه .
من الأمانة و الشفافية أن نعترف انه لا زال هناك الكثير من السلبيات و التي تحتاج إلى جهود ضخمة ، و لكم أعجبني تصريح قائد شرطة المرور بمنى قبل الحج بأيام حين قال " بالتأكيد لن يمكننا القضاء على الافتراش بنسبة مائة بالمائة ، و لكن هناك أماكن لن يُسمح فيها مطلقاُ بالافتراش " و لقد صدق هو و كل من تعاون معه في هذا الأمر ، و من هنا فمن الصدق و الموضوعية أن نحتفي بهذه الإيجابية المشرقة و هذه الإنجازات العملية التي وفرت قدراً كبيراً من النظام و توفير الأمن و الأمان عند أداء شعيرة كان يتسائل المسلمون عندها و بخاصة في يوم التعجيل ، كم سيكون عدد الموتى في هذا اليوم .
و يبقى تساؤل ، فها هي الحكومة قد بدأت خطوات رائعة بحق في تأدية ما عليها ، فما دور الشعوب الآن ؟ و ما مدى انعكاس الوعي الذاتي المتوفر لديها عند التعاطي مع هذه التطويرات ، و من المسؤول عن تحفيزه و إخراجه على أرض الواقع سلوكاً و منهجاً ، حين ترى صناديق المخلفات منتشرة في الطرقات ، ما بين كل صندوق و صندوق ، صندوق ثالث ، و رغم هذا يلقي المسلمون بمخلفاتهم خارجها ، ربما في نفس المكان الذي يفترشه الحاج و ينام فيه ، و في نفس الوقت هو يصلي و يبتهل إلى الله تعالى بالدعاء بالمغفرة و الرحمة و يواصل تأدية المناسك .
حين يجد هذا الحاج من يؤهله قبل تأدية هذه الفريضة بخطاب يوصيه فيه بالحرص الشديد على النظافة و أن إهمالها قد يدخل في قوله تعالى " و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمناتِ بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً و إثماً مبيناً " تلك الآية الكريمة التي استشهد بها يوماً ما إمام الحرمين فضيلة الشيخ عبد الله السبيل في أحد الأعوام في ليلة من ليالي رمضان حين ازدحم الحرم بالأطفال الصغار لدرجة اشغلت الكثير من المصلين عن تأدية صلاتهم موجهاً خطابه لكل من اصطحب مثل هؤلاء الصغار أماً كانت أو أباً ، فاللعبادات مقاصد ، و للنصوص حقٌ من التدبر ؛ و تفسيرها ليس حول معاني الكلمات و أسباب النزول و الناسخ و المنسوخ فقط ، و لعل أقوى ما تُفسر به هو العثور على هذا الرابط بينها و بين واقع الحياة ، فيتشبع المسلم من خلال هذا الأثر التراكمي عند سماعه لكل خطبة أو درس بكيفية التعبد إلى الله تعالى بشمولية هذا الدين ، ذلك ، حين لا يتخلى علماؤنا عن الإلحاح بهذا النهج في خطبهم و دروسهم ، تماماً كما يحرصون على الشرح التفصيلي لمناسك الحج ، فيرتفع الوعي الذاتي عند المسلم و الذي هو نتيجة متوقعة لارتفاع الوعي عند العالم و الداعية بأولويات الخطاب الموجه للأمة .
في زمن العمل الجماعي ، فإن صناعة النجاح لا يمكن أن يقوم بها فرد أو مؤسسة أو دولة مهما كان حجم الدور الذي يلعبه ، فالمسؤولية تقع على كل فرد في الأمة بحسب ما يملك و ما يمكن أن يساهم و يقدم ، ومراحل إعدادا و إخراج موسم الحج هو مشروع الأمة كلها الذي تستعيد من خلاله جزء من مكانتها المفقودة بين الأمم ،
أمتنا لا تنقصها العقول و لا الأموال و لا الانتماء ، فقط تحتاج إلى الإخلاص و الدوافع الذاتية للعمل و البناء .
تجديد الخطاب الإصلاحي
http://muntada.islamtoday.net/search...earchid=154313
الدوحة 2006 و تجديد الخطاب الإصلاحي
http://muntada.islamtoday.net/showthread.php?t=17893