( ٣ )
هل هناك علاقة بين قضية عصابة "التوربيني" - هكذا سمي زعيمها - وبين قضية طلاب جامعة الأزهر؟ ردي علي السؤال أن ثمة علاقة غير مباشرة، من أكثر من زاوية، فمن ناحية نجد في عصابة قتل الأطفال بعد اغتصابهم بعضاً من سمات «مصر الأخري»، التي لا تذكر في وسائل الإعلام إلا في صفحات الحوادث، ولا يشار إليها إلا مرتبطة بالكوارث والجرائم، وهي العالم الآخر الذي يقبع في المساحة المظلمة من صورة المجتمع، التي تخفي واقعاً عشوائياً تغيب عنه السلطة، وتكاد تحكمه شريعة الغاب.
ولأن أهله هم ضحايا الفقر والبطالة وإهمال الدولة واستعلاء النخبة، فلا غرابة أن يصبح موطنا للجريمة والرذيلة ومختلف تجليات التحلل الاجتماعي، ولك أن تذهب إلي أبعد وتقول إن ما أقدمت عليه العصابة إذا كان قد صدم المجتمع المصري وأثار اشمئزاز وقرف كل شرائحه، إلا أنه ليس غريباً ولا مفاجئاً تماماً، ذلك أن تقارير منظمات حقوق الإنسان، التي تسجل الانتهاكات التي يتعرض لها البشر، إذا أوقعتهم حظوظهم البائسة في أيدي من لا يرحم في المخافر والسجون والمعتقلات، لا تخلو من إفادات من هذا القبيل تترواح بين هتك العرض والقتل البطيء (هل تذكر شريط الصور الذي سجل هتك عرض أحد المواطنين في مخفر الشرطة بحي إمبابة؟) الأمر الذي يعني عند التحليل الأخير أن الاختلاف بين هذه الممارسات وتلك، هو في الدرجة فقط وليس في النوع.
وإذا كانت العصابة رمزاً لحالة اجتماعية بائسة طفحت علي جسم مصر الأخري، فإن ما أقدم عليه أولئك النفر من طلاب جامعة الأزهر يرمز إلي حالة من الاحتقان السياسي الذي ينبغي أن تفهم أبعاده ويدرك سياقه. صحيح أن هذا السلوك شاذ وغريب علي الجامعات المصرية، ناهيك عن الأزهرية، ولم يختلف أحد علي النفور منه واستنكاره، لكن من الصحيح أيضاً أن الباحثين المنصفين لا يختلفون حول الظروف التي استدعته وأفرزته، حيث لا مفر من الإقرار بأن هذا السلوك الشاذ هو نتاج ظروف شاذة مماثلة، وإن شئت فقل إن الإسراف في التعبير عن الاحتجاج والغضب، هو رد فعل مباشر للإسراف في قمع الطلاب والتدخل الأمني في شؤون الجامعات، وهو ما دفع كاتباً محترماً ورصيناً مثل الدكتور عمرو الشوبكي إلي القول بأنه «إذا حوسب المسؤول عن إدخال البلطجية إلي جامعة عين شمس (لقمع الطلاب الذين حرموا من الترشيح فلجأ إلي إقامة اتحاد حر مواز)، فلابد أن نحاسب الميليشيات الطلابية السوداء علي ما فعلته في جامعة الأزهر، برعونة لا تعي خطورتها» (مصر اليوم ١٤-١٢).
( ٤ )
في «أحلام فترة النقاهة» - الحلم رقم ٢٠٣ - التي تطبعها الآن «دار الشروق» مكتملة، كتب الأستاذ نجيب محفوظ يقول: رأيتني أقرأ كتاباً وإذا بسكاري رأس السنة يرمون قواريرهم الفارغة، فتطايرت شظايا، وينذرونني بالويل، فجريت إلي أقرب قسم شرطة، ولكني وجدت الشرطة منهمكة في حفظ الأمن العام، فجريت إلي فتوة الحي القديم، وقبل أن أنتهي من شكواي هب هو ورجاله وانقضوا علي الخمارة التي يشرب فيها المجرمون، وانهالوا عليهم بالعصي حتي استغاثوا بي!
المعني الذي أراد نجيب محفوظ توصيله أن «الأمن العام» في مفهوم رجال الشرطة ليس هو أمن الناس أو المجتمع، ولكنه أمن النظام، وعلي الناس أن يدركوا هذه «الحقيقة» وأن يتصرفوا علي هذا الأساس. وملاحظته هذه تفسر لنا المفارقة التي نحن بصددها، حيث لم تنتبه الشرطة إلي عمليات القتل التي مارستها عصابة التوربيني طوال السنوات السبع التي خلت، لأنها كانت منشغلة «بالأمن العام» المتمثل في متابعة النشطاء السياسيين، الأمر الذي يجسد الاهتمام بالأمن السياسي دون الأمن الاجتماعي، وهو موقف يعبر بصدق عن الخلل الشديد في علاقة السلطة بالمجتمع في مصر، والذي ترجح فيه كفة السلطة باستمرار، الأمر الذي رتب نتيجة مهمة خلاصتها أن تأمين النظام بات أهم واجبات الشرطة، وكل ما عدا ذلك تتراجع أهميته أو تنعدم.
هذا التفسير رددته بعض التحليلات التي نشرتها صحف المعارضة، حتي أصبح أمراً متعارفاً عليه ومسلماً به، ناهيك عن أن شواهد الواقع تؤيده. والانطباع السائد في المجتمع المصري الآن أن أغلب مخافر الشرطة أصبحت تستقبل بفتور وعدم اكتراث أي بلاغ تتلقاه حول قضية جنائية أو مدنية، لكنها تستنفر وتعلن الطوارئ وتهرول، إذا كانت القضية سياسية أو كان البلاغ يشكك في وجود رائحة للإرهاب في أي مكان.
ليس ذلك فحسب، وإنما بات مستقراً في أوساط الشرطة أن كفاءة الضابط أو القيادي، ومن ثم ارتقاءه واستمراره، ذلك كله يقاس بمدي الإنجاز الذي يحققه في ملاحقة وإجهاض العمليات الإرهابية، فضلاً عن كفاءته في «التعامل مع الإرهابيين بالأسلوب المناسب»، وهو ما يدفع رجال الأمن إلي التفاني في اتجاه والتراخي في الاتجاه الآخر، وفي ظل ذلك الوضع فلا يستغرب ألا ترصد ممارسات عصابة «التوربيني»، بينما تسلط الأضواء القوية علي ممارسات طلاب الجامعة، إذ بحكم ذلك المنطق، فإنه من حسن حظ الرجل وعصابته أنهم ليسوا في عداد «الإرهابيين»، حيث لم يفعلوا أكثر من أنهم اغتصبوا وقتلوا ٣٠ طفلاً فقط!
أعرف صديقاً من أنصار نظرية المؤامرة، أدهشته المفارقة في موقف أجهزة الأمن في القضيتين، فحاول إقناعي بأن المبالغة في تضخيم ما جري في جامعة الأزهر ليست سوي فرقعة أريد بها ضرب عصفورين بحجر واحد، إذ من شأن الفرقعة أن تصرف الانتباه عن الفشل الأمني في ضبط عصابة التوربيني في الوقت المناسب، كما أنها تشكل غطاء مناسباً لتوجيه ضربة إجهاضية واستباقية تؤدب المشاغبين وتردعهم بعد تزايد الصداع الذي يسببونه للنظام في الآونة الأخيرة.
إلي هذا المدي ذهب البعض في التأويل والاستنتاج
انتهى.