الشباب بعد فترة، و بين الفطرة و الشهوة و القسوة.... بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «1» مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «2» يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ «3»
اللهم رب العالمين، ولي الطيبين، معطي الشاكرين، تبارك أسمك و نعمك و آلائك و حكمك، و تعالى جدك، ولا إله غيرك... اللهم صلي و سلم و بارك على الخاتم النبيين، و امام المرسلين، الصادق الامين و على آله الطيبين و صاحبته الغر المحجلين و على من اتبعهم باحسان إلى يوم الدين... أما بعد...
إن الله فطر خلقه على ما فيه صلاحهم و نماؤهم و عيشهم، فلم يخلق بلا تسوية، و لم يقدر بلا هداية، بل خلق فسوى و قدر فهدى، سبحانه جلت قدرته...ولقد فطر الإنسان على الطعام و الشراب و التنفس و النكاح و حب الكمال و الجمال و حب الازواج و الابناء و المشارب و المآكل و الاموال، كما فطرهم على توحيده و التعلق و البحث عن من لهم به حاجة، و غيرها من الامور التي لا حياة لهم ولا نماء إلا بها... منها ما هو ضروري لحياة جسده و منها ما هو ضروري لحياة روحه و عافيته...منها ما يمكن طمسه و تغيره و منها لا يستطيع الحياة لحظة من غيره ومنها ما لا يستطيع الاستمرار او الرشد بدونه...وكل فطرة الإنسان تساهم في نموه و ارتقاءه و بقاءه... ولكن كثير من الفطر وخصوصا ما تتعلق بالحياة العقلية و النفسية و الاجتماعية خاضعة لعملية التربية، فتتشكل بها و تأخذ صورتها و بقاءها و نماءها او حتى سقمها و موتها من العملية التربوية... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " ....
لذلك فإن مرحلة الشباب تشهد بعد تشكل الفطرة بالتربية في مرحلة الطفولة، نماء آخر ثم استقرارا و رشدا و بلوغا للأشد ثم انكماشا تدريجيا للرشد بذهاب قدرات العقل...حتى يرد الإنسان إلى ارذل العمر.... فاللهم إني اعوذ بك ان ارد إلى ارذل العمر...و يقول المحققون أن ارذل العمر لا يرتبط بسن قدر ما يرتبط بحالة من ذهاب قدرات العقل، و لا يرتبط بفساد العضو قدر ما يرتبط بفساد العقل... ففقد روي أن أسماء بنت ابي بكر!! أم عبد الله ابن الزبير -رضي الله عنهم اجمعين- فقدت بصرها و لم تفقد عقلها و بصيرتها حتى بعد ما تعدت التسعين سنة... ولكن ماذا عن الشباب اليوم أفقد فطرته؟؟ ام فقد عقله؟ ام فقد بصيرته؟ ام انه أفضل من شباب الجيل السابق في امور و أضل في امور أخرى؟ وما هي؟ وما اسباب ذلك؟ و هل فطرة الرجل و المراة دائما متشابهه؟ وهل الفطرة تناقد العقل؟ فمن كان عاقلا فقد فطرته و من قل عقله كان "على الفطرة"؟ أم العكس هو الصحيح؟ أم أن في الامر تفصيل؟ إن أقوى الشهوات هي ما بنيت على فطرة -ولو انحرفت بحاجة دون الأخرى-
و أقسى الناس من فقد شهوته الفطرية -فانحرف بعقله أو بفطرة عن فطرة، فاستعمال العقل فطرة!!!!!!!-....
وللعقل و تشكيله و عاداته و اخلاقه داخليا، و الظروف التربوية و المجتمع خارجيا دور كبير في تحكم الشهوة كما لها دور في ظهور القسوة... نعم، فعلى سبيل المثال، لطرف الآخر الذي يتبع شهواته و لا يستخدم عقله دور كبير في دفع الناس إلى القسوة... كما ان القاسي قد يكون له دور في دفع الناس إلى الشهوة... فالتفريط يولد افراطا... و الافراط يولد تفريطا و تفرقت الامم و أهل الكتب إلى شعب كثيرة... ثم إن طول الحروب يولد عللا، كما ان تطاول الامد و الامن يولد عللا أخرى...و أصل أن يعيش الانسان في أمن، و إن كان في كبد نسبي... و الامن "الحقيقي" -و امن روح أهم- مطلب للنمو.... و عادة البداية دائما بالتفريط لانها تستمد قوتها من الفطرة و ضعف العقل -و الانحدار أسهل كذلك الهدم- كما أن أهله الذي لا يعلمون عواقبه أكثر...و لا الضـــــــــــــــــــــــــــــالين... ولكنهم عثاء وجفاء، الزبد لا اللبن، و لا عيش لهم بلا لبن !!! فالفطرة إذا اتحدت مع العقل بلغت غايتها، و إذا نقص العقل أو ضعفت القدرة الشارئية كانت ماءا، و الماء مطلب و لكنه ليس الأفضل، و لا يستطيع أن يعيس الإنسان على الإرض دائما على الافضل... ثم اذا نقصت الفطرة و العقل أكثر انطلقت الشهوة بلا عقل و فطرة متزنة تضبطها فكانت خمرا...! قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ «16» أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ
سورة الرعد لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
سورة الحديد وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ «7» أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ «8» وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ «9» وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ «10»
سورة الرحمن
نعم.... اذا اختل الميزان و طال على عوجه الامد لم تمكث الارض.... فلا تستطيع أن تمكث بالزبد فحسب.... فالحق هو الذي يجعلها تستقر و تنمو....
إن التوسط بين الشهوة و العقل هو المذهب الخيار... وخير ما يظهر هذا التوسط علميا و عمليا، هو في هديه -صلى الله عليه و سلم- و ذلك كان لسببين: اولا حسن خلقه -صلى الله عليه و سلم- و اصطفاء الله و تفضيله بالمقام المحمود و الرسالة و النبوة، ثانيا نمو هذا الدين و ظهوره في الجيل الأفضل و القرن الخيار، جيل الصحابة -رضوان الله عليهم-... فما خلق الله الجن و الإنس إلا ليعبوده، ما يريد منهم من رزق و ما يريد أن يطعموه، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين... و الانبياء -صلى الله عليه و سلم- كلهم افاضل و لكن "وسطيتهم" الخُلقية و الشرعيه اعتمدت على ما يحتاجه من حولهم من وسطية... فموسى لم يكن قاسيا إنما كان مختارا من ربه ليقود و يأُم بني اسرائيل بما فيهم من طبائعم، و هذا القرن من بني اسرائيل كان من القرون المفضلة و أمة من بني اسرائيل أفضل الامم بعد أمة محمد عامة و خاصة، و إن كان ليست الأفضل....فامة محمد بكافرها و مؤمنها في جل أمرها و تقيمها أفضل، و مؤمنيها عامة أفضل ممن سبقهم من الأمم، بما في ذلك من فيها من المؤمنين من بني اسرائيل، فهي امة عالمية، لا ترفع إلا نسب التقوى ....فهنالك الوسطية العامة و الفضلى، أما الوسطية الخاصة هي وسطية الحكم و الموقف و التصرف...و الوسط هو الخيار كان في العموم او الخصوص او اجتمع العموم مع الخصوص... والوسط صدق و حق فخير، و عدل فشهادة ثم إحسان.... وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
سورة البقرة
نعم...فقد كان الناس يحتاجون بيت المقدس أن يكون قبلة في بداية الامر، وهذا لتربيتهم، ثم تحولت القبلة إلى البلد الحرام و بيت الله و افضل البقاع عند الله و اوسطها بين الناس... و الله أعلم....
__________________ روي عنه -صلى الله عليه و سلم- عن انس بن مالك أنه قال: كل بني آدم خطاء ،
و خير الخطائين التوابون الراوي: أنس بن مالك - خلاصة الدرجة: حسن - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 4515 سؤال: الناس تقول "خير الخطائين التوابين" أو "خير الخطاؤون التوابون"، فلماذا هي "خير الخطائين التوابون"؟؟؟
التعديل الأخير تم بواسطة Yasmeenah ; 20-11-2006 الساعة 05:34 AM.
|