الضروريات الخمس و استقراء العلماء
لئن كانت الضرورة هي ما لا تقوم الحياة إلا به ، و منها حفظ الدين و العقل و النفس و العرض و المال ، و هناك من زاد ضرورة سادسة و هي حفظ النسل ، و لعلها تدخل ضمناً في حفظ النفس ،
فهل الكثير من القيم و التي أمرنا الله تعالى بتحقيقها على هذه الأرض كالعدل لقوله تعالى (و أقيموا الوزن بالقسط ) ، و الأمن الاجتماعي من حفظ الحقوق و وحدة الصف ، و حرية التفكير و الاختيار ، و التي قررها الله تعالى حتى في شأن الكفر و الإيمان (فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر) ، و بالطبع هي ليست دعوة للكفر ، و لكنه قدر من الحفاظ على الإرادة الإنسانية ، فالله تعالى يحب من عباده أن يأتوه طوعاً لا كرهاً ،
مثل هذه القيم هل لا تقوم الحياة إلا بها ؟
و هذا بدوره يطرح سؤالاً آخر حول ما مدى فهم الإنسان لهذه الحياة و تصوره عنها ؟
هناك من يرى أن الحياة ما هي إلا لنيل كل المتع المادية فحسب ، و هذا بالطبع ستختلف الضروريات عنده عمن يراها مجالاً للكفاح و إثبات الذات بصرف النظر عن العقيدة التي يعتقدها ، و هذا بدوره ستختلف الضروريات عنده أيضاً عمن له عقيدة ثابتة من خلالها يضع تصوراته للحياة و الموت و ما بعده ...الخ .
و على ضوء الواقع الذي تحياه البشرية كلها اليوم من الذي يملك الحق في وضع تصور ثابت للحياة تثبت على إثره الضروريات اللازمة لاستمرارها و لا تتغير بتغير الأنماط التي ينتهجها قوم ٌ دون قوم ؟
هل القوي و الذي قد لا يرى أن الدين ضرورة ،
أم الضعيف و الذي قد يملك تصوراً صحيحاً نسبياً عن الحياة و لكنه لا يملك القوة و التي من خلالها يُروج لهذا التصور و الضروريات التابعة له ،
و هنا سؤال ثالث هل القوة من الضروريات التي لا تقوم الحياة إلا بها ؟
لنعد إلى نفس المربع الأول ، هل هي قوة العقل ، أم القوة المادية و التي من دون منظومة أخلاقية توجهها ، و مهما تفوقت ، و مهما طال عليها الوقت لا يمكن أبداً أن تنتج حقاً شرعياً تنفرد من خلاله بصياغة المنظومة الحياتية للبشر جميعاً .
قد يكون صحيحاً إلى حد كبير أن استقراء العلماء لتلك الضروريات ، و بناء على الواقع الذي نعيشه اليوم و ما يستجد على البشرية من أحداث ، أن يكون هذا الاستقراء ناقصاً ، و لا يمكن إغفال أن غياب قيم من مثل العدل و الأمن ...الخ ، تشوش كثيراً على جودة الأداء الإنساني في هذه الحياة ، و لكنها لا تمنع !
و الحياة قد تبدأ و تستمر و تنتهي مع أناس كثيرون من دون استيفاء هذه القيم ، و لا يعني ذلك الدعوة للزهد فيها ، و الذي عند البعض قد يرجع إلى سوء فهم الإنسان لهذه الحياة و حقوقه التي يجب أن يستوفيها ،
و هنا يتمتع ! العقل المسلم بقدر لا بأس به في أحادية النظرة للنص الشرعي ، فالدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، و الإنسان ما خُلِقَ إلا ليشقى فيها و يكد و يتعب (و لقد خلقنا الإنسان في كبد ) و لا التفات إلى (و لا تنس نصيبك من الدنيا) و بخاصة إنها جاءت في سياق الخطاب لقارون الكافر !
أو انه حتى مستخلف فيها، و من مقتضى الخلافة تصدير السعادة و الأمن و الراحة للبشر جميعاً و ليس فقط مثلاً أحكام الردة و التعدد !
و لكن ألا يرجع كل هذا إلى عدم حفظ العقل و تنميته و استثماره بصورة جيدة تؤمن قابليته للتحديث بحسب العصر الذي يعيش فيه و على ضوء معتقداته الإيمانية ؟
أليس العدل و الأمن و حرية الاختيار و التفكير ...الخ ، هو نتاج العقل ؟
فما الذي سنجنيه إذا قررنا أن هذه القيم هي من الضروريات و العقل أساساً يعيش أزمة و يعاني ألوان من الخلل و الاضطراب ؟
و لذا ترى الحبيب صلى الله عليه و سلم يرشد صاحب المسألة إلى قطع الحطب و بيعه ، كان من الممكن أن يتصدق عليه بما يوفر له شئ من الأمن الاقتصادي و لو إلى حين ، و لكنه يلفت النظر و يوجه إلى أن العقل لا يتحسن أدائه و يدرك ماله و ما عليه إلا من خلال الممارسة و العمل و الأداء ، عندها يدرك ما ينقصه من ضروريات عليه أن يسعى في الحياة ليستوفيها ، يزيد ، يقدم أو يؤخر ، ما كان له أن يدرك ذلك و يتفطن إليه إذا توفر له ما يريد دون جهد أو مشقة ،
و مما يشهد لذلك أن ابراهام لنكولن لما قرر منح الحرية لهؤلاء العبيد في أمريكا، عادوا طواعية و من أنفسهم لحياة الرق مرة أخرى ، فلئن تحررت أجسادهم ، فإن عقولهم لا زالت في الأسر ، فلم يتمكنوا من التفاعل مع الحياة و لم يملكوا عنها تصوراً صحيحاً أصلاً ، فسرعان ما فرطوا في هذه القيمة الغالية ، و تأمل طويلاً حكمة الشرع المُنزل في اكتتاب العبيد من أجل الظفر بالحرية .
وفي ظل غياب بعض هذه القيم كالحرية ، و تعرض بعض الضروريات للمساس بها بشكل كبير كالتهديد الذي يمس النفس و العرض و المال ، تجد أن العقل قد يعمل بكفاءة عالية جداً ، و أوضح مثال لذلك تلك الاختراعات التي يقدمها الشباب المسلم في فلسطين رغم معاناتهم اليومية ، فالتحدي يُحسن أداء العقل و يحفزه .
قد تكون الدعوة إلى العمل و تقديم نماذج من خلال استغلال المتاح حيث ، وكما سبق، بالعمل يتحسن أداء العقل و يلمس احتياجاته و أولوياته في الضروريات و التحسينيات و الكماليات ، فالحاجة أُم الاختراع ، أفضل من التنظير و الانتظار لغير المتاح.
فالمخاطر التي تحيط بالعقل البشرى عموماً و التي آلت به إلى حالة من الركود و الجمود سواء في البحث عن القوى المادية بالنسبة للعقل المسلم ، أو القوى الروحية و قيم من مثل الإنصاف لعقول تتبنى أنماط أخرى من العقيدة ، لن يجدي معها طول الحديث حول استقراء الضروريات من حيث النقصان و الزيادة ، لأِنه في كل زمان ستجد أنها بحاجة إلى الإضافة و التحديث بحسب ما يجد لها من قضايا ،
فالاشتغال على المُنتج ، و أداة الإنتاج فيها ما فيها لن يزيد إلا في مؤلفاتنا و أوراقنا (و شعورنا بالإحباط عند قراءة عقول كثير من الناس) ،
فحين أن الاشتغال ببناء هذا العقل و كيفية و سبل تحسين أدائه و إنتاجه ، سيفرز لنا بصورة طبيعية و واضحة و ملموسة كل القيم النبيلة ، و التي سيدرك العقل عندها انه لا استمرارية لعطائه و إبداعه في هذه الحياة إلا بوجودها ، و شيئاً فشيئاً يستوفيها و يتمسك بها و لا يفرط فيها.
العمل و لو من خلال المتاح هو السبيل لإظهار الطاقات الكامنة بداخل الإنسان ، و إدراك قيمة الخلافة في هذه الأرض و عمارتها .
و من خلال العمل سيدرك العقل أيضاً مدى حاجته لتفسير أعمق لهذا الدين ، ما كان ليدركه حال ركوده و جموده ، يرى أن أقل تفسير يمكن أن يَفي بضرورياته ، و التي حتماً ستختلف عندما ينفض عنه غبار التقليد و يخوض غمار الممارسة و الفعل .
ما سبق يمكن تلخيصه في سؤال واحد
أيهما أجدى إثقال كاهل العقل بمزيد من الإدراك بالنسبة للضروريات ، و لعله عند الكثير لم يُفطن بعد إلى انه هو في حد ذاته ضرورة ؟
أم السعي لتفعيله في هذه الحياة فيتحصل شيئاً فشيئاً على كل ما يلزم لهذه الحياة؟
في سورة الأنعام يقول المولى سبحانه و تعالى (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ....)
خُتِمت الآية الأولى بقوله (لعلكم تعقلون) ، و التي تليها (لعلكم تذكرون) ، و الثالثة (لعلكم تتقون) ،
جاء عند الطبري : لأِنهم إذا عَقِلوا تذكروا ، فاتقوا .
و الله تعالى أعلم . |