بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
إن أساس نهضتنا : إسلامنا وإيماننا فمتى ما قوي إيماننا قويت صروحنا الداخلية فقويت دعامتنا الحقيقية فإن كان العكس فالنتيجة المعاكسة هي الحليف لنا عندئذٍ ! إن المطالع لما يكتب اليوم عن نهضة الأمة وسبل الوصول والرقي بها يرى أن العصا لم تمسك من منتصفها إلا من قلة قليلة وأن ما يظهر على السطح كجبال ثلج قاعدتها ماء يُذوبُ ما فوقه من بنيان وإن بدى للناس متماسكاً ... !
إننا نجد الغالب نظرتين في وصف حالنا : إما تمسك بالأصل واستبشار بالمستقبل وتفويت الأسباب بل وازدراء من يعمل بها وإما تعلق بالإسباب ونسيان الجوهر الذي تقوم عليه حضارتنا وبين هذين الأمرين طبقات عدة تميل تارة لهؤلاء وتارة إلى هؤلاء ... !
إن نفوس الشعوب المظلومة التي لا ترضى بالضيم كالمراجل تشتعل وتريد ما يطفئ نارها بما يقر عينها ولحاجتها للعزة فإنها قد تطلبها في غير مظانها ! وربما سئمت من ألم الذل فلجئت لمخدرات المشاعر والهموم فتعاطت الشهوات وتبعت الهوى ... !
أزفرات ألم نبعثها أم أهازيج بشر نرسلها ؟! أنصف واقعنا بينهما ؟! ما زلنا على أرض الواقع وما زلنا نعاين الذل وما زلنا نتلمس البشر وهذا الذي نريد ، نشد العزيمة ونقوي الشكيمة ونبذل السبب ونرتشف البشر ونهتف بالأمل والقلب يردد " وما توفيقي إلا بالله " .
كنت أتألم وأخلد أياماً بعيدة عن العالم وعن وسائل الاتصال أقطع عن نفسي الأخبار وأخبئ نفسي بين كتب وأخبار ماضية ، لا أريد أن أرى الواقع ... ! لا أريد أن أسمع مزيداً من الصراخ في أمتنا !!! فما ألبث أن استغرق في حُلمي حتى يأتي الواقع محملاً بكوابيسه ليوقظني ...! لابد أن أستيقظ ألست مسلمة ومن قلبي تنبعث روابط متعددة بعدد من تجب علي موالاتهم ! استيقظ على ألم لا استطيع فعل شيء فالشؤم متربص بي والإحباط قد أغرقني ... أذهب لكتب السابقين أتمنى من ينطق لي بحال زمني !!! ابحث بين بعض كتب المعاصرين فأرى من يرويني من ينابيع رائعة لترسلني نحو حلمي وكأني بكلمة سأصلح العالم ولم يقدم لي علقم الصبرِ حتى يُعرف للشهد قيمته !!!
وابحث بين كتب جراحاتنا فأرى برك الدم ترتع فيها حروف تلك المؤلفات ... والأبخرة تكاد تعميني فلا أقوى على القراءة ؟!
أريد شيئاً وسطاً ... أريد دليلاً من كتاب ربي وسنة نبيي – صلى الله عليه وسلم – يجعلني أعمل وأبذل والأمل يبرق لي ولو كنت أقف على الجمر ... سأنسى الألم فالمطلوب أعظم ...!
وجدته ! وجدت ضآلتي قبل عامين ، كتاباً أعطاني الأمل وجعل المصائب لدي فرصاً أستبشر من خلالها بدنو النصر ، جعل الدماء في عيني ينابيعاً تبني بساتين الخير ، وأهداني طرقاً للصبر ...
" تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين في القرآن الكريم " نعم لقد غابت بصيرتي ولم أدرك إلا لحظتي ، ارتشفت من ذلك الكتاب ، آية فكلام وأدلة ونقولات رائعة
شخصيات فذة وجيل صاعد وصبر وجلد وتعلمت أن النصر والتمكين ليسا شيئاً واحداً إنما التمكين يأتي بعد النصر والنصر يأتي بعد الصبر والصبر يأتي بعد الثبات والثبات لا ينبع إلا من قلبٍ مؤمن قد خالطته بشاشة الإيمان فلا يرتد ... !
علمت أن القوة الهائلة تكمن في ديننا وأن الأسباب خيوط نربط بها أشرعتنا على مراكبنا لنبحر في عالم مظلم ننشر الإسلام وننقذ البشرية الغارقة .
لقد قام الكاتب بإحياء روحي من جديد وضخ الهمة بفضل من الله وكرمه ... تنفست الصعداء .
نقل نقلاً رائعاً ورصه بأسلوب رصين وكلمات قوية كصاعق يصعق الجسد ليفيق ويبصر مبدأ النصر " الإيمان " وليس النصر لازماً للنجاة بل الإيمان هو اللازم في الحياة الدنيا والآخرة والنصر وعد لكنه بشرط " إن تنصروا الله ينصركم "
لقد نقل الكاتب : ( إن الإيمان الراسخ ، والعمل الصالح ، والسيرة الفاضلة ، والمقاصد الخيرة ، والدعوة إلى الله وإلى الحق واستخدام كل ما أوتينا من علم وحكمة يصنع الحضارة الربانية التي قاعدتها العقيدة الصحيحة ، والتي تنبثق منها مبادئ وقيم وأخلاق ربانية تسعد من دخل في منهجها في الدنيا والآخرة .
إن الحضارة الإنسانية الرفيعة تتحقق في ظل دين الإسلام ، وبذلك نستطيع أن نعرف الحضارة الربانية بأنها : " تفاعل الأنشطة الإنسانية للجماعة الموحدة لخلافة الله في الأرض عبر الزمن ، وضمن المفاهيم الإسلامية عن الحياة والكون والإنسان " ) ص : 180
كررتها أكثر من مرة ... بان لي أمر : كثيرون يبنون في الأسباب ويتناسون الجوهر والقوة الباعثة للأخذ بالأسباب والشعوب الإسلامية تعاني من فقر هذه القوة العظيمة ( قوة الإيمان ) فلابد من فتح أبواب الموارد وبعث الأطباء ( ولكن أطباء إيمان " بقول واعتقاد وعمل " ) .
الإيمان ضعيف في أمتنا وفي أنفسنا أولاً ، فما السبيل لرفعه ؟! سوى سبيل الأولين ... !
" الأمة بثوابتها " قال المؤلف :
( إن وصول الأمة الإسلامية في هذا الزمان إلى التمكين ليس بالأمر السهل ، ولكنه ليس بالأمر المستحيل ... – إلى أن قال – : لقد تحدث بعض الخطباء والوعاظ عن مشاكل الأمة ، وفساد أحوالها ، بصورة تنشر اليأس وتوصد أبواب الأمل في وجه أبناء الأمة الغيورين ، وشاعت روح الهزيمة بين صفوفهم ، وأصبحنا كثيراً ما نسمع من يقول : ماذا نفعل ؟ ضاع الإسلام والمسلمون ! ويقفون على ذكريات الماضي ، ويتغنون بأمجاده فأدركت أن الأمر كبير ، والقضية خطيرة ورأيت أن الأمة في أمس الحاجة إلى من يرد إليها ثقتها بربها ، ومنهجها ، في حاجة إلى من يوقظ الإيمان في قلبها ، ويرشدها للأخذ بأسباب التمكين وشروطه ، ويبين لها طبيعة الطريق ، وكيفية السير فيه ، ويوضح لها المعالم لتعرف كيف تعمل ؟ وإلى أين تسير ؟
إن الأمة في أشد الحاجة إلى فهم فقه التمكين والعمل به ... )
ويكأنه يصف حالي قبل عامين !!!
وفي هذه الأيام المؤلمة ( فعلاً مؤلمة ومبكية ) وجدت نفسي أعود للاحباط الذي كنت أعيشه لم أعد أرغب أن أشاهد التلفاز ولا اتصفح مواقع الأخبار ، أريد أن أنقطع عن العالم وأنساه ... فوقعت عيني مرة أخرى على ذلك الكتاب وبدأت اقرأ فيه من جديد ليجدد في تلك المعاني ... !
والآن بعد أن استعدت شيئاً من الفأل والعزيمة أكتب شيئاً يسيراً لعله يحفز القارئ لاقتناء الكتاب وقراءته ، فلقد وفق المؤلف في هذا الكتاب وسد كثيراً من مواضع الخلل التي خلفها بعض المؤلفين بين غالٍ في الأمل وجافٍ !!!
...
ابتدأه بتمهيد ومقدمة حول التمكين والنصر ومفهومها وأنواعهما
وقسم كتابه لأبواب
بدأها بالباب الأول : ( أنواع التمكين في القرآن الكريم )
وضم فيه فصولاً ومباحثاً رائعة ربطها ربطاً بينا واضحاً بواقعنا وبعض نتائج الحركات الإسلامية في بلدان قد أقصتها زمناً ، وذكر شيئاً من قصص السابقين من الأنبياء والمرسلين وربطها بواقعنا واستخلص الدروس وقدمها لنا فهل من عامل ومتعظ ؟!
والباب الثاني ( شروط التمكين وأسبابه )
فبدأه بـ : ( إن الاستخلاف في الأرض ، والتمكين لدين الله ، وإبدال الخوف أمناً ، وعدٌ من الله تعالى متى ما حقق المسلمون شروطه . ولقد أشار القرآن بكل وضوح إلى شروط التمكين ، ولوازم الاستمرار فيه ، قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون " . ) أ.هـ
كأن هذه الآية تنبئنا من باب مفهوم المخالفة بأسباب مذلتنا الحالية وأننا ما قمنا بالشروط لذلك ما استمررنا على عزنا السابق ... !
وهذه الأسباب قد أهلكتنا وأودت بنا في قيعان من الذل والألم ، ولكن المؤلف لم يغفل هذا الجانب وعالجه معالجة بديعة رائعة رابطاً كل نقطة بأدلة ، مبحراً في الشروط والأسباب رابطاً بالمقاصد في منظومة بديعة كأنها تضع بين أيدينا خطة نهضة أمة !
ثم ختم الكتاب بالباب الثالث ( مراحل التمكين وأهدافه )
كأنه يقول لنأخذ نفساً عميقاً ففي الباب الأول ربطنا بالنماذج وعلمنا مبادئ النصر وقدم لنا الدروس والعبر ، وفي الباب الثاني قدم لنا أسباب التمكين وكأنه يرتب نتائج تمكين الدروس السابقة في الباب الأول ، ويعطينا الأسباب والشروط والمقاصد كرجلٍ حمل بين يديه خريطة كنز وجده وبين للناس أين هو ، فمن طمع بذلك الكنز صدّق وعمل ومن أراد الاستئناس استمع وابتسم واعجب بالحديث ولكنه رحل ، وأما من تهكم فقد استعجل لذة راحته الزائلة وغفل عن عظيم الفضل والمثوبة ، وأما من تكاسل فخلد إلى النوم وتناسى والواقع وأنه سيحتاج يوماً لرداء يقيه من البرد ليهنئ في سباته الفكري والإيماني العميق ! لأن راحته هذه راحة وهمية ... !
مراحل التمكين : أسهب فيها وكأن أسهابه دررٌ تقتطف ، ولكنها تحتاج لمتطلع صبور يبادر نحوها بعزيمة قوية .
ثم ساق البشر بحركات إسلامية قد مُكنت جزئياً أو كلياً في مناطقها ... فلما ذكرها ذكرنا بأهداف التمكين وكأنه يعيدنا لقصة ذو القرنين عندما قال : " هذا رحمة من ربي " ... فهاهو يشرح تلك القصة ويفيض بالنقولات ثم يختم بها كتابه ، وأن التمكين ما طلب لذاته ولا للذاته ... بل مطلوب لإقامة شرع الله . بإقامة مجتمع إسلامي ينشر الدعوة إلى الله .
ياله من كتاب ... جزى الله مؤلفه خير الجزاء وأجزل له في المثوبة والعطاء
...
يتبع بإذن الله تعالى ...