منتديات الإسلام اليوم  
   

العودة   منتديات الإسلام اليوم > منتدى الإبداع الثقافي والمعرفي > المنتدى الأدبي

المنتدى الأدبي ميدان لإبداع اليراع فانثره هنا ؛ قصة أو رواية أو خاطرة أدبية أو تمثيلية معبرة أو مسرحية هادفة..

اللإئحة التنظيمية
عدد الضغطات : 2,660
مواضيع مميزة
■  فيسبوكياتي   ■  كتاب مذاهب فكرية معاصرة   ■  كل يوم حديث من أحاديث الاربعين النووية   ■  كتاب اتدارسه معكم الحلقة 1   ■  من أقوال الصالحين 1   ■  اسئلة لفضيلة الشيخ سلمان العودة   ■  من 1ل 3 اكتب 5 حاجات جنبك  

إضافة رد
 
ارتباط ذو صلة أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-11-2005, 01:28 PM   #1 (الرابط)
فتى الوسقة
ضيف
افتراضي تكملة بحث تزكية النفوس4

الأمر بالإخلاص والتحذير من الرياء والشرك:
اعلم ـ أخي المسلم أختي المسلمة ـ أنه لا بد للأعمال من نيّة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" دزء من حديث في الصحيحين.

ولا بد من الاخلاص لله في النية لقوله سبحانه وتعالى:{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة}. سورة البيّنة 5.

وقال تعالى:{ قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} آل عمرن 29، وقد حذر الله تعالى من الرياء فقال سبحانه:{ لئن أشركت ليحبطن عملك} الزمر 65. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند تلبيته للحج:" اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة" رواه الضياء بسند صحيح.

وحذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيرا شديدا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى يعرفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها: قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم! وقرأت القرآن ليقال: قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على زجهه حتى ألقي في النار". رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من تعلم علما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" رواه أبو داود بسن صحيح.

تحذير من الشيطان وبيان مكائده:
إذا كان الأمر قد بلغ هذه الخطورة ما بلغ فلا شك أن المسلم الصادق يهمه الخلاص من الرياء ومبطلات الأعمال وأول ما يجب التنبّه له في هذا الأمر هو معرفة أسباب هذا المرض الخطير، فلتعلم أن عدوّك الشيطان لا يتوقف هو وجنده عن محاولة التسبب في إحباط عملك ووقوعك في الرياء. وانظر الى التحذير من كيد الشيطان الذي جاء في الكتاب والسنة فإنه خير شفاء لشر مرض.

قال الله تعالى:{ إنّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} فاطر 6.

وقال سبحانه:{ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} البقرة 268.

وقال سبحانه:{ إن الشيطان للإنسان عدو مبين} يوسف 5.

وقال تعالى:{ ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} النور 21.

وقال تعالى: وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} النمل 24.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" رواه مسلم.

والشاهد هنا:" إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه" فهو يحضر ليفسد النية والقول والعمل، فإن حسنت نيّتك، دلك على عمل ليس مشروعا تفعله بهذه النية الحسنة، وإن حسن عملك أفسد عليك نيتك، وإن حسنت النية عندك أفسد عليك أسلوبك مع الناس ليوقع العداوة والبغضاء بينك وبينهم ما استطاع الى ذلك سبيلا.
وقال صلى الله عليه وسلم:" ما منكم من أحد، إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا وإياك؟. قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير". صحيح الجامع برقم 5676.

وقال صلى الله عليه وسلم:" ما من أحد إلا ومعه شيطان".قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال:" وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم" صحيح الجامع برقم 5677.

وقال صلى الله عليه وسلم:" إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال فيدنو منه ويقول: نعم أنت". قال الأعمش: أراه قال فيلتزمه. رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

فكن من هذا العدو الرجيم على حذر واعلم أنه لا يقيل، لقوله صلى الله عليه وسلم:" قيلوا فإن الشياطين لا تقيل" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.


من أنواع الرياء:
1-الرياء البدني:
ويكون بإظهار النحول والصفار، ليرى العباد بذلك شدة الاجتهاد، وغلبة خوف الآخرة، ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين، وإظهار ذبول الجسم ليدل بذلك على أنه مواظب على الصوم.
2_ الرياء من جهة الزي:
كإبقاء أثر السجود على الوجه وارتداء نوع معين من الزي ترتديه طائفة يعدهم الناس علماء، فيلبس هذا اللباس ليقال عالم.
3_ الرياء بالقول:
وهو ـ على الغالب ـ رياء أهل الدين والوعظ والتذكير وحفظ الأخبار لأجل المحاورة، وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر من محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن، ليدل بذلك على الخوف والحزن والخشوع.
4_ الرياء بالعمل:
كمراءاة المصلي بطول القيام وتطويل الركوع والسجود وإظهار الخشوع، والمراءاة بالصوم والغزو والحج والصدقة ونحو ذلك.
5_ المراءاة بالأصحاب والزائرين:
كالذي يتكلف أن يستزير عالما أو عابدا ليقال: إن فلانا قد زار فلانا. ودعوة الناس لزيارته قد يقال: إن أهل الدين يترددون عليه.
ما يتوهم أنه رياء وشرك وليس كذلك
1_ حمد الناس للرجل على عمل الخير:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارأيت الرجل الذي يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال:" تلك عاجل بشرى المؤمن".
2_ نشاط العبد بالعبادة عند رؤية العابدين:
قال المقدسي في مختصر منهاج القاصدين: قد يبيت الرجل مع المتهجدين، فيصلون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة، فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط، فربما ظن ظان أن هذا رياء، وليس كذلك على الإطلاق، بل فيه تفصيل، وهو أن كل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالىن ولكن تعوقه العوائق وتستهويه الغفلة فربما كانت مشاهدة الغير سببا لزوال الغفلة، ثم قال: ويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإن رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله، وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم رياء، وقس على هذا. قلت: كسل المرء عند انفراده آت من باب قوله صلى الله عليه وسلم:" فإنما يأكل الذئب القاصية" ونشاطه داخل من باب امتثاله لقوله صلى الله عليه وسلم:" عليكم بالجماعة" متفق عليه.
3_ تحسين وتجميل الثياب والنعل ونحوه:
ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة؟ قال:" إن الله جميل، يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس".
4_ عدم التحدث بالذنوب وكتمانها:
وهذا واجب شرعا على كل مسلم ولا يجوز المجاهرة بالمعاصي لقوله صلى الله عليه وسلم:" كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله". متفق عليه.

والتحدث بالذنوب فيه مفاسد كثيرة ليس هذا موضع تفصيلها منها التشجيع على ارتكاب المعاصي بين العباد، والاستخفاف بأوامر الله تعالى، ومن ظن أن كتمان ذلك رياء، وااتحدث باذنوب إخلاص فهو ممن قد لبس عليه الشيطان، نعوذ بالله منه.
5_ اكتساب العبد الشهرة من غير طلبها:
قال المقدسي: ( المذموم طلب الإنسان الشهرة وأما وجودها من جهة الله تعالى من غير طلب الإنسان فليس بمذموم، غير أن في وجودها فتنة على الضعفاء). محتصر منهاج القاصدين 218.




أسلفت فيما قبل عن مرض الرياء الذي يصيب القلب

وها انا هنا أكمل مابدأت به من تناول لموضوع الرياء

في علاج الرياء والاستبراء منه
1_ معرفة عظمة الله تعالى، وأسمائه، وصفته، والإلمام بالتوحيد ما استطعت الى ذلك سبيلا:
اعلم ـ اخي المسلم ـ أن من أسباب الرياء هو تعظيم الناس ونقصان تعظيم الله تعالى في النفس، فمن أحسن أنواع العلاج لهذا الداء القاتل هو معرفتك لأنواع التوحيد كاملة، وهذا بحثه واسع، نورد طرفا يسيرا منه، ذكرى وعبرة:

أ_ إن الله تعالى وحده هو الذي ينفع ويضر متى شاء، قلتطرح من نفسك الاعتقاد الفاسد بأن الناس ينفعونك ويضرونك متى شاؤوا ومتى أرادوا، وإنما يدخل الشيطان عليك ليجعلك تزين العبادة أمام الناس لظنك بقدرتهم على النفع والضرر، فانظر ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علّم هذا الحديث لابن عباس غلاما:" يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظ، احفظه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت المصاحف".
ب_ اعلم أن الله تعالى سميع بصير، يراك ويسمعك ويعلم ما تخفي وما تعلن، قال الله تعالى:{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وقال تعالى:{ ألم يعلم بأن الله يرى}

فمالي أراك تراقب الناس ولا تراقب الله تعالى وهو سبحانه مطلع عليك! ألا يكفيك إطلاعه عليك سبحانه

جـ_ اعلم أن الله سبحانه عظيم، فليعظمه قلبك وفؤادك ولتتأمل عظمته سبحانه في خلقه، في طائفة من الأحاديث:

_ قال صلى الله عليه وسلم:" إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع، إلا وملك واضع جبهته لله تعالى ساجدا، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم الى الصعدات تجأرون الى الله" رواه الترمذي.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" سلسلة الأحاديث الصحيحة 109.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ما بين شحمة أذنه الى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة". سلسلة الأحاديث الصحيحة 151.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون اليه حتى تقوم الساعة" السلسلة الصححية 474، وفي رواية ثابته:" حيال الكعبة". السلسلة الصحيحة 237.


2_ معرفة ما في القبر من عذاب ونعيم:
اعلم أن من أسباب الرياء والشرك هو عدم اهتداء القلب للخشية من عذاب القبر والنار وأهوال ما بعد الموت، ولما كان مجال ذلك واسعا رأيت ذكر القليل القليل من الكثير الكثير، سائلا الله تبارك وتعالى أن يكون فيما أذكره عظة وعبرة، وإنني لأستند بهذا الرأي لقول الله تعالى:{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمل صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} الكهف 110، فقد قرن سبحانه وتعالى التوفيق في العمل الصالح برجاء لقاء الله، فلا بد من معرفة ما يترتب على لقاء الله تعالى من نعيم وعذاب، وسعادة وشقاء، فإلى طائفة من هذا، وبالله تعالى التوفيق:



_ عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا الى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم [ مستقبل القبر] وجلسنا حوله، وكأن على روؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، [فجعل ينظر الى السماء، وينظر الى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثا]، فقال:" استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا، [ ثم قال: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر" [ثلاثا]، ثم قال:" إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل اليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية المطمئنة) أخرجي الى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها (وفي رواية : حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم) فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، [فذلك قوله تعالى:{ توفته رسلنا وهم لا يفرطون} ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون ـ يعني بها على ملأ من الملائكة ـ إلا قالوا: ما هذه الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان ـ بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها الى السماء الدنيا، فيستفتحون اه، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، الى السماء التي تليها، حتى ينتهي به الى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، [{وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم يشهده المقربون}، فيكتب كتابه في عليين،ثم يقال: أعيدوه الى الأرض، فإني (وعدتهم أني) منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال: فـ ( يرد الى الأرض، و) تعاد روحه الى جسده، [قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه ] [مدبرين] ، فيأتيه ملكان [شديدا الانتهار] فـ (ينتهرانه و) يجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الاسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدقت [ فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله تعالى:{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا} فيقول: ربي الله، وديني الاسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي منا في السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا الى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه [وفي رواية يمثل له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [ وأنت فبشرك الله بخير] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، [فوالله ما علمتك، إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا في معصية الله، فجزاك الله خيرا} ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة، قال: رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع الى أهلي ومالي، [فيقال: له: اسكن]؛ وإن العبد الكافر (وفي رواية الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل اليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد] سود الوجوه، معهم المسوح [ من النار] فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي الى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود [الكثير الشعب] من الصوف المبلول، [فتقطع معها العروق والعصب] [فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم] فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان ابن فلان ـ بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به الى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة، حتى يلج الجمل في سم الخياط}



فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، [ثم يقال: أعيدوا عبدي الى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى]، فتطرح روحه [من السماء] طرحا (حتى تقع في جسده) ثم قرأ { ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}، فتعاد روحه في جسده، (قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه) ويأتيه ملكان (شديدا الانتهار، فينتهرانه و) يجلسانه، فيقولان له: من ربك، [فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري] فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد؟ فيقول: هاه هاه لا أدري [سمعت الناس يقولون ذلك. قال: فيقال: لا دريت]، [ولا تلوت]، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا الى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت فبشرك الله بالشر] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيئ بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمت إلا كنت بطيئا في طاعة الله، سريعا الى معصية الله]، [فجزاك الله شرا، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضرب بها جبلا كان ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: رب لا تقم الساعة" ذكره الألباني في أحكام الجنائز


3_ معرفتك للأحاديث التي تبين عذاب النار:
اعلم أخي المسلم أن هذا الباب واسع، وكلما ازدادت معرفة المسلم فيه، ازداد خوفه من ربه وإخلاصه له سبحانه، ولكني سأذكر الشيء اليسير منه سائلا اللله تبارك وتعالى أن ينفع به عباده:

_ قال صلى الله عليه وسلم:" ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيا للراكب المرسع" متفق عليه.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث" مسلم .

_ وقل صلى الله عليه وسلم:" يرسل البكاء على أهل النار، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيه السفن لجرت" صحيح الجامع رقم 7939.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة" متفق عليه.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" منهم من تأخذه النار الى كعبيه، ومنهم من تأخذه الى ركبيته، ومنهم من تأخذه الى حجزته ومنهم من تأخذه الى ترقوته" رواه مسلم.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم" متفق عليه.

_ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع وجبة فقال:" هل تدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى الى قعرها فسمعتم وجبتها" رواه مسلم.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان: فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" متفق عليه.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه" رواه احمد في مسنده. صحيح الجامع 5126.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر اليها. فذهب فنظر اليها، ثم جاء فقال: أي رب: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره. ثم قال: يا جبريل، إذهب فانظر اليها، فذهب ثم نظر اليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات ثم قال: يا جبريل، اذهب فانظر اليها. فذهب فنظر اليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها" رواه أحمد في مسنده وهو في صحيح الجامع 5086.

4_ معرفتك ـ ما استطعت ـ لما أعد الله تعالى للمتقين في الجنة:
ومن أسباب الرياء والشرك، الشعور باللذة والتنعم بإعجاب الناس ومدحهم وثنائهم، وتقديم ذلك على نعيم الجنة، ـ نسأل الله العافية ـ وذلك تابع لعدم معرفة قيمة الجنة، ولذا رأيت من الضروري أن أذكر شيئا من الأحاديث في نعيم الجنة وما أعد الله للمتقين فيها، وعسى ان ينفع الله تعالى بها.

_ قال صلى الله عليه وسلم:" المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة، كما يشتهي" صحيح الجامع 6525.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" يدخل الجنة من أمتي زمرة، وهم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" متفق عليه.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" يعطى المؤمن في الجنة قوة مائة في النساء" صحيح الجامع 7962.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة" صحيح الجامع 6163.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض". صحيح الجامع 3115.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" طوبى شجرة في الجنة، مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" صحيح الجامع 3813.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" يأكل أهل الجنة فيها، ويشربون، ولا يمخطون ولا يتغوطون، ولا يبولون، إنما طعامهن جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس" رواه مسلم.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة ما يقطعها" متفق عليه.

_ وقال صلى الله عليه وسلم:" إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، أو آخر أخل الجنة دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حبوا، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنه ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله عز وجل له: اذهب وادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشر أمثالها، أو أن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي، أو تضحك بي وأنت الملك"، قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صحك حتى بدت نواجذه فكان يقول:" ذلك ادنى أهل الجنة منزلة". متفق عليه.

5_ تذكر الموت وقصر الأمل:
قال الله تبارك وتعالى:{ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} آل عمران 185.

وقال الله تعالى:{ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} لقمان 34.

وقال الله تعالى:{ حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون} المؤمنون 99-100.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال:" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.

6_ معرفة قيمة الدنيا وعدم بقائها:
قال الله تعالى:{ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا} الكهف 45.

وقال تعالى:{ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} فاطر 5.

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" متفق عليه.

وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله؛ فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله ويبقى عمله".

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا والله ما مرّ بي بؤس قط ولا رأيت شدّة قط" رواه مسلم.

فلتعلم إذن أن صبغة واحدة في النار، تنسيط كل تلذذك بالرياء وحبك ثناء الناس عليك.

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفتيه فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال:" أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟" فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ ثم قال: "أتحبون أنه لكم؟" قالوا: والله لز كان حيا كان عيبا أنه أسك فكيف وهو ميت. فقال:" فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم:" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" رواه مسلم.

فإذا أردت أن تكون في سجن الدنيا وجنة الآخرة فاسجن نفسك عن الرياء وحب السمعة والشهرة.

وقال صلى الله عليه وسلم:"لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء" رواه الترمذي.

7_ الدعاء:
فهذا العلاج هو من أجمل الوسائل للقضاء على الرياء والشرك فلا تتوقف عن الدعاء ما استطعت الى ذلك سبيلا، وتحرّ ما استطعت الساعات المستجابة مع مراعاة آداب الدعاء.

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء يذهب عنا كبار الشرك وصغاره فقال:" الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، وسادلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" صحيح الجامع: 3625.

8_ خوفك أن تكون فترة الرياء هي خاتمة عملك:
قال صلى الله عليه وسلم:" يبعث الناس على نياتهم" صحيح الجامع 7871.

وقال صلى الله عليه وسلم:" يبعث كل عبد على ما مات عليه" صحيح الجامع 7872.

9_ الإكثار من أعمال الخير غير المشاهدة وعدم الأخبار عنها لغير ضرورة:
مثل: قيام الليل، البكاء خاليا من خشية الله تعالى، صوم النافلة، صدقة السر، الدعاء للإخوة في الله بظهر الغيب، صلاتك لما سوى الفرائض في البيت.

10_ مصاحبة من ترى فيهم الإخلاص والصلاح والتقوى:
قال صلى الله عليه وسلم:" مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك، إما أن تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثة" رواه البخاري.

فالمخلص لا يعدمك من إخلاصه شيء، والمرائي والمشرك إما يحرقك في نار جهنم يوم القيامة، أو تجد منه ريح الرياء النتنة التي تزيدك حبا وولعا بالرياء والشرك أعاذنا الله منه.




11_ الخوف من الرياء:
قال تعالى في حق طائفة من عباده الصالحين:{ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} الطور 25-28. فالخوف من المعاصي هو الذي نفعهم بتوفيق الله تعالى. والذي يخشى الشيء يظل حذرا منه فينجو، أما من يأمن ذلك فإنه يقع فيه، لذلك كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يخشى الشرك، فقد كان أكثر دعائه عليه الصلاة والسلام:" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" كما قالت أم سلمة رضي الله عنها صحيح الجامع 4677.

12_ الفرار من ذم الله:
ومن أسرار الرياء الفرار من ألم ذم الخلق والعباد، فهل أنت صادق في الفرار من الذم؟ ففر إذن من ذم الله لك؟ فإن أنت أرضيت الناس بغضبه كرهك وغضب عليك، آلناس تخشى غضبهم؟ فالله أحق أن تخشى غضبه، فأيهما تقدم، خوفك ذم الناس؟ أم خوفك ذم الله؟ وانظر قول الله تعالى:{ أفمن يخلق كمن لا يخلق} النحل 17. ثم اختر ما تشاء وحسابك على الله تعالى.

13_ حبك أن يذكرك الله تعالى وتقديم لك على حب ذكر الخلق لك:
قال الله تعالى:{ فاذكروني أذكركم} البقرة 152.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب اليّ بشبر تقرّبت اليه ذراعا، وإن تقرّب اليّ ذراعا، تقرّبت اليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" صحيح الجامع 7993.
ألا يسرّك أن يذكرك الله تعالى عند ملأ أفضل من الملأ الذين يحيون على الأرض؟، أم هل فضلت ذكر الناس على ذكر الله، وفضلت الناس على الملائكة؟.
14_ معرفة ما ينفر منه الشيطان:
إن الشيطان منبع الرياء والشرك، والشر من نشاطه ـ نعوذ بالله منه ـ وقد تقدم معنا حضوره في كل شيء من شأننا، وإرسال السرايا.

من الويلات الناتجة من الرياء

1_ هزيمة الأمة؛ فقد روينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أسباب نصر الأمة الإخلاص، فإن لم يكن الإخلاص فالهزيمة والدمار.

2_ عذاب الآخرة: قال تعالى:{ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون} الماعون، 4-6.

وقد تقدم في حديث أبي هريرة الطويل عن الثلاثة المعذبين، العالم وقارئ القرآن والذي استشهد، وفيه كيف يسحبون في النار على وجوههم بسبب الرياء.

3_ زيادة الضلال في الدنيا؛ قال تعالى:{ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} البقرة 10، عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: شكا أهل الكوفة سعدا، يعني ابن أبي وقاص رضي الله عنه، الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستعمل عليهم عمارا، فشكوا اليه حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل اليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أخرم عنها، أصلي صلاتي العشلء فأركد في الأوليين وأخف في الآخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلا ـ أو رجالا ـ الى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة فلم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكنّى أبا سعدة، فقال: أما إذا نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره وعرضه للفتن، وكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبدالملك بن عمر الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قط قد سقط حاجباه على عينه من الكبر. وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن. متفق عليه.

4_ بغض أهل السماء للمرائي، لقوله عليه السلام:" إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض" رواه مسلم.

5_ بغض أهل الأرض له، للحديث السابق.

6_ قلق القلب والشعور بالشقاء: قال الله تعالى:{ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى} طه 124.

7_ التهديد بسوء الخاتمة، لقوله سبحانه:{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} النور 63.

8_ فضيحة المرائي على رؤوس الخلائق، لقوله صلى الله عليه وسلم:" ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء، إلا سمّع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة" صحيح الترغيب.



أحاديث في الإخلاص والتحذير من الرياء من صحيح الترغيب والترهيب:

1_ عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوادع: " نضّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن، إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم".

2_ عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه أنه ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم".

3_ عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله".

4_ عن أبيّ بن كعب قال: قال صلى الله عليه وسلم:" بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الاخرة من نصيب".

5_ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من سمّع الناس بعمله، سمّع الله به مسامع خلقه، وصغره، وحقره".

7_ قال صلى الله عليه وسلم:" ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء، إلا سمّع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة".

7_ عن ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال:" ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال،؟" فقلنا بلى يا رسول الله فقال:" الشرك الخفي، أن يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل".

8_ عن محمود بن لبيد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر". قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال:" يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر".

9_ وعن محمود بن لبيد أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:" الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم:
(اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءا)".

10_ وقال صلى الله عليه وسلم:" إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".

11_ عن أبي علي ـ رجل من بني كاهل ـ قال:
خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبدالله بن حزن وقيس ابن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون، فقال: بل اخرج مما قلت: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال:" يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل"، فقال له من شاء أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟، قال:" قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه".
أقوال طيبة في الإخلاص

من كتاب إحياء علوم الدين للامام الغزالي.

1_ إذا أتاك الشيطان وأنت في الصلاة فقال: إنك مراء، فزدها طولا.

2_ وقال قائل: دلوني على عمل لا أزال به عاملا لله تعالى، فقيل له: انو الخير، فإنك لا تزال عاملا وإن لم تعمل. فالنية تعمل وإن عدم العمل.

3_ إني أحب أن يكون لي في كل شيء نية، حتى في أكلي وشربي.

4_ المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.

5_ أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل.

6_ تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال.

7_ الإخلاص يميّز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرث والدم.

8_ مراد الله من عمل الخلائق الإخلاص.

9_ من شاهد في إخلاصه الإخلاص، فقد احتاج إخلاصه الى الإخلاص.

10_ الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر الى الخالق فقط.


وللحديث بقية....

تابع الحديث عن الرياء...

وختاما
من الأقوال التي رويت عن السلف والصالحين في النية والإخلاص
والتحذير من الرياء

من كتاب الزهد لابن المبارك.

1_ ويروى عن الثوري أنه قال: كانوا يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليها جميعا.

2_ روي عن ابن الجوزي عن الحسن أنه قال: كنت مع ابن المبارك فأتينا على سقابة والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس، فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا، يعني حيث لم نعرف ولم نوقر.

3_ روي عن النعيم بن حماد أنه قال: كان عبدالله بن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

4_ روي عن عبدة بن سليمان أنه قال: كنا في سرية مع عبدالله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا البراز فخرج اليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله، ثم دعا الى البراز فخرج اليه رجل فطارده ساعة فطعنه وقتله، فازدحم عليه الناس، وكنت فيمن ازدحم عليه، فإذا هو يلثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبدالله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا؟

5_ روي عن المبارك أنه قال: سمعت جعفر بن حيان يقول: ملاك هذه الأعمال النيات، فإن الرجل يبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله.

6_ كان أحد الحكماء يقول: إذا كان المرء يحدث في المجلس فأعجبه الحديث فليسكت، وإذا كان ساكتا فأعجبه السكوت فليحدث.

7_ روي عن مطرف بن عبدالله الشخير أنه قال: لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب اليّ من أن أبيت قائما فأصبح معجبا.

8_ روي عن النعمان بن قيس أنه قال: ما رأيت عبيدة رحمه الله متطوعا في مسجد الحي.

9_ روي عن عبدالله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن أنه قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده زوار وما يشعرون به. ولقد أدركت أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا. لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول:{ ادعوا ربكم تضرعا وخفية}.

10_ روي عن جعفر بن حيان عن الحسن أنه قال: لا يزال العبد بخير إذا قال، قال لله، وإذا عمل، يعمل لله.

11_ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إن الله لا يقبل من مسمع ولا مراء ولا لاعب، ولا داع إلا دعايا دعاء ثبتا من قلبه.



خامساً : الكِبر والعُجب :
ذلك الداء المحبط للأعمال والذي ابتلي به بعض الناس ـ هداهم الله ـ داء العجب والكبر داءٌ تفشى واستشرى في كثير من المجتمعات ومن أسبابه :
1- فضيلة ونعمة فضل الله بها ذلك الإنسان فيعجب ويغتر بها في نفسه فيترفع بها على عباد الله .
2- عدم معرفة حق الله تعالى عليه من شكر هذه النعم .
3- عدم الخوف من الله عزوجل .
4- كذلك من الأسباب نسي ذلك المتكبر أن هذه النعم لاتدوم إلا بالشكر ، قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } ( إبراهيم7 ) ، فمن كفر النعمة أن لا يعرف حق الله فيها ولايشكره عليها ، فكما أن الله أعطاه هذه النعم فقد يسلبها منه ، وليس الله بظالم له ، بل ذلك المتكبر هو الظالم لنفسه .
5- عدم وقر الإيمان في القلب .
6- عدم تذكر الموت وما أعد الله في القبر للمتكبرين من العذاب .
7- عدم تذكر الوقوف بين يدي الجبار المتكبر سبحانه ، فمن تكبر على الله أذله الله .

أنواع الكبر :
وللكبر أنواع ثلاثة يجب على العاقل الحذر منها وهي :
1- التكبر على الله عز وجل : وهو أفظع أنواع الكبر وأخبثها على الإطلاق وما ذاك إلا بسبب الجهل وسوء الأدب مع الله تعالى ، وعدم معرفته سبحانه حق معرفته ، وأدلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم ، ومنها :
تكبر فرعون الطاغية على رب العزة والجلال حيث قال : [ أنا ربكم الأعلى ] ( النازعات 24 ) .
وقول النمرود لإبراهيم الخليل عليه السلام : [ أنا أحيي وأميت ] ( البقرة 259 ) . وقول كفار قريش عندما أمروا بالسجود للرحمن : [ وما الرحمن أنسجد لم تأمرنا وزادهم نفوراً ] ( الفرقان 60 ) .
2- التكبر على رسل الله عليهم الصلاة والسلام ، وهو أمر خطير ومؤدي إلى الهاوية وآذان بالخسارة لمن فعله ، فالله جل وعلا لم يرسل إلا مبشرين ومنذرين فمن أطاعهم وتواضع لهم كان حظه جنة المأوى ، ومن عصاهم وتكبر عليهم وعاندهم كان له كفل من نار تلظى ، وتلك عاقبة الكفرة والمتجبرين والمتكبرين ، ولذلك أمثلة في كتاب الله تعالى منها :
كقول فرعون وحزبه متكبرين على موسى وأخيه هارون عليهما السلام : [ أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ] ( المؤمنون 47 ) .
وكذلك استهزاء الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم في قولهم : [ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي بعث الله رسولاً ] ( الفرقان 41 )
وقولهم أيضاً في الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم : [ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ] ( الزخرف31 ) .


3- التكبر على عباد الله تعالى ، وحدث عن هذا النوع من الكبر ولا حرج ، وهذا واقع ملموس في عصرنا هذا والشواهد عليه أكثر من أن تحصر .
فإن الإنسان لايتكبر على أحد حتى يعجب بنفسه ويرى لها على غيرها الفضل فمن العجب يتولد الكبر ، قال تعالى : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين } ( القصص83 ) ، قال بن كثير في تفسيره [ يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لايريدون علواً في الأرض أي ترفعاً على الخلق وتعاظماً وتجبراً ولا فساداً فيهم أي عملاً بالمعاصي ] ، وقال بن سعدي في تفسيره [ الدار الآخرة نجعلها داراً وقراراً للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، أي ليس لهم إرادة فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد الله والتكبر عليهم وعلى الحق ، فإن كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض ولا الفساد ، لزم من ذلك أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله وقصدهم الدار الآخرة ، وحالهم التواضع لعباد الله والانقياد للحق والعمل الصالح ، وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة الحسنى ، ولهذا قال : { والعاقبة } أي حالة الفلاح والنجاح التي تستقر وتستمر لمن اتقى الله تعالى ، وغيرهم المتكبرون وإن حصل لهم بعض الظهور والراحة فإنه لا يطول وقته ، ويزول عن قريب ، وعلم من الآية الكريمة أن الذين يريدون العلو في الأرض ، أو الفساد ليس لهم في الدار الآخرة نصيب ولا لهم منها حظ ] .
قال تعالى : { ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً * كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً } ( الإسراء37 ) ، فهذا نهي عن التكبر وأنها صفة سيئة يكتسبها الإنسان ويكتسيها فيبغضه الله تعالى ، ثم يبغضه الناس ، فهو مهما تكبر وأعجب بنفسه فلن يخرق الأرض ولن يبلغ طولاً مثل الجبال ، فعلام يتكبر المرء.
فالمتكبر يختال في مشيته ويتبختر في خطاه ، ولذلك يستحق غضب الله ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في الأدب المفرد : [ ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ] .
والمتكبرون يحشرون يوم القيامة في صور الذر يطؤهم الناس لهوانهم على الله فهم شرار الخلق ، فهاهو قارون عدوالله أعطاه الله عزوجل من الكنوز والأموال ما شاء الله له ذلك فما عرف حق الله فيها ، فبدل أن يشكر الله على هذه النعمة كفر بها ، وتكبر على الناس وتبختر واختال وأعجب بنفسه ، فبينما عدو الله يختال في مشيته ، إذ خسف الله به وبأمواله وبداره الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، فانتبهوا أيها الناس .
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ] فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسناً ؟ قال [ إن الله جميل يُحب الجمال ، الكِبر بطرُ الحق وغمط الناس ] ( مسلم ) ، بطر الحق : عدم قبول الحق ورده على قائله ، غمط الناس : احتقار الناس .
هذا هو الجزاء الأوفى لمن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فجزاؤه أن يحرم يوم القيامة من دخول الجنة ـ نعوذ بالله من ذلك ـ فالمتكبر يرد الحق ولا يقبله وذلك تكبراً وتجبراً وترفعاً على الناس ، فالكبر من الذنوب العظيمة التي تستحق العذاب من الله تعالى في الدنيا والقبر والآخرة .



أدلة في ذم الكبر والعجب :
وإليك أخي الكريم هذه الأحاديث الصحيحة عن ذم الكِبر والعُجب كي تتجنبها وتحذرمنها :
1ـ عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [ ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جواظٍ مستكبر ] ( متفق عليه ) .
العتل : الغليظ الجافي ، الجواظ : الضخم المختال في مشيته .
2ـ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ احتجت الجنة والنار فقالت النار : فيّ الجبارون والمتكبرون ، وقالت الجنة : فيّ ضعفاء الناس ومساكينهم ، فقضى الله بينهما : أنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء ، وأنك النار عذابي أعذب بك من أشاء ولكليكما عليّ ملؤها ] ( مسلم ) .
فالكبر طريق ممهد ، ومسلك سهل إلى النار ، فأين الراغبون في الجنان .
3ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ قال الله عز وجل : العز إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن ينازعني عذبته ] ( مسلم ) .
فصفة العزة والكبرياء لله عز وجل فمن نازع الله في صفة من صفاته أدخله النار والله ليس بظالم له ، بل ذلك المتكبر هو الظالم لنفسه .
4ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه ، مُرجّل رأسه ( أي ممشطه ) يختال في مشيته إذ خسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها ( يغوص وينزل فيها ) إلى يوم القيامة ] ( متفق عليه ) ، فهذا عذابه في القبر إلى أن تقوم الساعة .
فهل بعد كل هذا سيتكبر المتكبرون ، ويتجبر المتجبرون ، أم هل سيختال المختالون ، فالحذر الحذر عباد الله من هذه الصفات الشنيعة الدنيئة .
وما أجمل التواضع لله ولعباد الله ، فهو أساس الرفعة والعلو في الدنيا والآخرة ، وقد أمر الله عباده بالتواضع ولين الجانب لبعضهم البعض وعدم التكبر أو الترفع ، فقال جل جلاله : [ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ] ( الشعراء215 ) ، وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد } ( مسلم ) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله } ( مسلم ) ، وعن أنس رضي الله عنه أنه مر بصبيان فسلم عليهم وقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله . ( متفق عليه ) . فمن الناس اليوم من لا يسلم على الأطفال ولا يداعبهم ولا يلاطفهم ، فالناس فيهم ما بين متكبر وجاهل بهذا الفعل النبوي الكريم.

أنواع التواضع :
1- ومن أنواع التواضع ، التواضع مع نعم الله عز وجل فبالشكر تدوم النعم ، فعن أنس رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث قال : وقال : { إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان } وأمر أن تسلت القصعة قال : { فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة } ( مسلم ) .
2- ومن صور التواضع وأنواعه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم ، قال أصحابه : وأنت ؟ فقال : { نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة } ( البخاري ).
3- وحال الدعوة إلى الوليمة اليوم حال تسخط منها النفوس ويخاف منها الإصابة بجائحة تبدل هذه النعم إلى نقم ، وتحول الغنى إلى فقر ، فالوليمة اليوم لا يُدعى إليها إلا الأغنياء والرؤساء ومن لديهم المصالح المشتركة أما الفقراء والمساكين فلا يجوز أن يُدعوا إليها وهذا والله من الجهل المركب لدى كثير من الناس ، فبئس طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء ، بل هل يُنصر الناس ويُرزقون إلا بضعفائهم وفقرائهم ، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومما يجعل العقول منذهلة مستغربة مستنكرة أن البعض لا يرضى بالدعوة إلا إذا كان فيها أصناف الطعام وألوانه ، وأشكاله وأطايبه ، فإن لم يكن ذلك موجوداً ما أعار تلك الدعوة اهتماماً ولا أقام لها وزناً ولا قدراً ، وهذا من ضعف اليقين وقلة الدين ، والتكبر والغرور على نعم الله وعباد الله ، فأين أولئك من قول النبي صلى الله عليه وسلم : { لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت } ( البخاري ) ، فانظر إلى المعلم الأول صلوات ربي وسلامه عليه كيف يسطر لأمته هذا الأدب الرائع مع نعم الله وعدم ازدرائها أو احتقارها ، وكيف يعلم الأمة الأدب في إجابة الدعوة وصدق الله إذ يقول : [ وضرب الله قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ] ( النحل 112 ) .
هذا هو التواضع لله وهي صفة لعباد الرحمن..



سادساً : الكذب :
داء عظيم وخطير ، ابتلى به البعض ، داء تفاقم وتعاظم في هذا الزمان ، فنسأل الله السلامة والأمان ، وهو مرض أشبه بالميكروب المستوطن في البيئة الإنسانية ، فقلما يخلو منه إنسان ، ندر أن تتنظف منه بيئة ، ويصعب عليك أن تجد طائفة من طوائف البشر تنزهت عن الكذب وتبرأت منه .
وما من حق ضائع ، ولا فقير جائع ، ولا ظلم باطش ، ولا اعتداء جائر ، إلا وله ثوب من الكذب يتلفلف به .
قال تعالى : [ إن الله لا يهدي من مسرف كذاب ] ( غافر 28 ) ، وقال تعالى : [ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ] ( الزمر 60 ) ، وقال عز وجل : [ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بالله وأولئك هم الكاذبون ] ( النحل 105 ) .
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إنه أتاني الليلة آتيان ، وإنهما ابتعثاني ، وإنهما قالا لي : انطلق ، وإني انطلقت معهما ، . . فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه ، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد ، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه ليشرشر شدقه إلى قفاه ، ومنخره إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثلما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى . قال : قلت : سبحان الله ما هذان ؟ قالا لي : انطلق انطلق . . . قال : قلت لهما : فإني قد رأيت الليلة عجباً ، فما هذا الذي رأيت ؟ قال : قالا لي : أما إنّا سنخبرك : وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق . . . } ( البخاري ومسلم ) ، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً ، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه } ( الصحيحة وهو حسن ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : { ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ، ويل له ، ويل له } ( ابوداود والترمذي والنسائي والبيهقي ) .
وعلى النقيض من الكذب امتدح الله جل وعلا أهل الصدق ، وحث العباد على هذه الصفة الحميدة التي هي من خصال الفطرة ، ومن صفات أهل هذا الدين الحنيف دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره من الأديان ، فقال جل من قائل سبحانه : [ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ] ( التوبة 119 ) ، وقال تعالى : [ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً ] ( مريم 54 ) ، ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على الصدق ، وبين لهم أن الصدق من أسباب النجاة عند الله وأنه من الأسباب التي يسعد العبد بها عند لقاء ربه سبحانه لأنه من أسباب دخول الجنة ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة . . } ( البخاري ومسلم ) .

أسباب الكذب :
وللكذب أسباب تنم عن جهل أصحابها ، وقلة حلية مستعمليها لبعدهم عن الله تعالى وتماديهم في الغي والظلال ، ومن أسبابه :
1- ضعف الوازع الديني لدى أولئك الكذابين .
2- جهل أولئك الكذابين بعواقب الكذب الوخيمة .
3- الهوى والشهوات .
4- التقليد الأعمى من البعض
5- إيذاء الناس وإلحاق الضرر بهم .
6- الحصول على غرض دنيوي .
7- الخوف من أمر ما .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( لأن يضعني الصدق ، وقلما يضع ، أحب إلي من أن يرفعني الكذب ، وقلما يفعل ) ، وقال الإمام أحمد رحمه الله : ( الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ) .



مضار الكذب :
1- الكذب وسيلة لدمار صاحبه .
2- الكذب يؤدي بصاحبه إلى النار .
3- الكذب سراب يقرب البعيد ويبعد القريب .
4- الكذب يذهب المروءة والحياء .
5- الكاذب مهان ذليل لخسة ما يقول .
6- الأمم التي كذبت الرسل لاقت مصيرها من الدمار والهلاك .
7- يورث فساد الدين والدنيا .
8- دليل على خسة النفس ودناءتها .
9- احتقار الناس للكذاب وبعدهم عنه .
10- يمقت نفسه بنفسه ويحتقرها .
وقد نسي أولئك الكذابون أن هناك عذاب وعقاب أخروي لهم ، الكذب مرض تفشى وانتشر في كثير من المجتمعات ، وهو صفة من صفات أهل النفاق الذين هم أهل النار ، قال تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً } ( النساء145 ) ، وقال تعالى : { ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } ( آل عمران 61 ) ، فمن لعنه الله تعالى فقد طرده وأبعده من رحمته وذلك هو الخسران المبين ، فلا تستسهل الكذب وتنسى عواقبه ، فعواقبه وخيمة ، والكذب داء عضال من تميز وعُرف به كرهه الناس وأبغضوه ، ونبذوه واعتزلوه ، ولو صدق بعد ذلك فغالب أمره الكذب فهو غير صدوق وغير موثوق بكلامه ، وإذا تكلم وقال ، لم يرغ له أحداً سمعه ، ولم يعره اهتمامه ، فالكذاب عالة وحملاً ثقيلاً على أهله وعشيرته ومجتمعه يمقته الصغير والكبير وإذا قدم للشهادة يرفضه القضاة إذا عرف لديهم بالكذب ، يعيش وحيداً غريباً ، ينفر منه الناس ، لا يرغب في صحبته وصداقته الآخرون ، فهو منبوذ ومكروه .
فالأمر خطير وعظيم ، والعاقبة وخيمة ، فينبغي للمسلم أن يحذر هذه الصفة الشنيعة والفظيعة التي قد تنقله من دائرة المسلمين إلى المنافقين .
فالمسلم إذا قال صدق ، عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : [ إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ] ( متفق عليه ) ، فالواجب علينا جميعاً تحري الصدق والابتعاد عن الكذب حتى ولو كان الإنسان مازحاً ، فتجد أن كثيراً من الأباء والأمهات قد يعد أولاده بهدية أو غيرها ثم لا يفي بهذا الوعد ، فهذا لا ينبغي ، بل كن قدوة حسنة لأبنائك فهم يقلدونك في كل ما تفعل وتقول ، فلا يخرج من فيك إلا أطيب الكلام وأحسنه ، واصدق في كل ما تقول ، كذلك المعلمين والمعلمات من وعد طلابه وتلاميذه بأمر فليوف بهذا الأمر لأنه في مكان ينظر إليه جميع التلاميذ بأنه القدوة والأسوة الحسنة لهم .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن ، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ] ( متفق عليه ) ، يقول النووي رحمه الله تعالى : ( اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرماً فيجوز في بعض الأحوال . . . . . إلى أن قال : ( واستدل العلماء على جواز الكذب بحديث أم كلثوم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ] ( متفق عليه ) ، وزاد مسلم في رواية : [ قالت أم كلثوم : ولم أسمعه يرخص في شئ مما يقول الناس إلا في ثلاث : تعني : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها ] .
فمن كذب في الأمور الثلاثة فهذا ليس من الكذب المذموم ، فالكذب المذموم هو الذي تحصل منه مضرة ، وأشد الكذب عقوبة الكذب على الله تعالى ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن أشد الكذب أيضاً اليمين الكاذبة عمداً ، وهي : أن يحلف ويغلظ في الحلف والأيمان من أجل عرض من أعراض الدنيا وهو كاذب ، قال صلى الله عليه وسلم : [ من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان ] ( متفق عليه ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : [ من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ] فقال رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ، قال : وإن كان قضيباً من أراك ] ( مسلم ) ، فانظر عاقبة الكذب من أجل أمر حقير من أمور الدنيا ، فقد أوجب الله له النار يوم القيامة وحرم عليه الجنة .
فليتنبه لذلك أصحاب العقول وأولوا الألباب ، فالله الله أيها المسلمون اتقوا الكذب واحذروا عاقبته ، وعليكم بما عند الله تعالى وتنافسوا من أجل ذلك النعيم الذي لا يحول ولا يزول .



سابعاً : التجسس :
التجسس : هو البحث عن عورات المسلمين وتتبعها من أجل معايبتهم ، وقال بن الأثير : التجسس : التفتيش عن بواطن الأمور واكثر ما يقال في الشر ، وقال الكفوي : التجسس : هو السؤال عن العورات من غيره ، وقيل : أن التجسس : هو أن تتبع عيب أخيك فتطلع على سره وهو محرم بالكتاب والسنة ، لأن تتبع عيوب الناس مؤذٍ لصاحبه لأنه يريد إخفاء هذا العيب عن الناس وستره عنهم قال تعالى : { ولا تجسسوا } ( الحجرات12 ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : [ لا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تناجشوا ، وكونوا عباد الله إخواناً ] ( متفق عليه ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ففي الآية والحديث النهي عن التجسس وتتبع عورات المسلمين ، فبعض من الناس تجده لاهم له إلا معرفة ما يدور بين الناس وما يحدث داخل بيوتهم ، وهذا هو ديدنه في هذه الحياة تتبع العورات وكلام الناس في كل مجلس ، وفي كل مجتمع ، فهو يتطلع إلى معرفة ما يدور من كلام وحوار بين أي شخصين ، وهذا من التطفل ، وقلة العقل ، وضعف الوازع الديني .
عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتّبع الله عورته ، ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته } ( أبوداود وقال الألباني حسن صحيح ) .
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : إنّا قد نهينا عن التجسس . وعن بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى [ ولا تجسسوا ] ( الحجرات 12 ) ، قال : نهى الله المؤمن أن يتبع عورات أخيه المؤمن . وقال الأوزاعي رحمه الله : التجسس : البحث عن الشيء ، والتحسس : الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون ، أو يتسمع على أبوابهم .
وقال مجاهد رحمه الله في قوله تعالى : [ وفيكم سماعون لهم ] ( التوبة 47 ) ، أي : وفيكم مخبرون لهم يؤدّون إليهم ما يسمعون منكم وهم الجواسيس .


أضرار التجسس :
وللتجسس مضار عديدة نذكر منها :
1- دليل ضعف الإيمان وفساد الخلق .
2- دليل دناءة النفس وخستها .
3- يوغر الصدور ويورث الفجور .
4- يورد صاحبه موارد الهلاك .
5- يؤدي إلى فساد الحياة وكشف العورات .
6- يستحق صاحبه غضب الله ورسوله والمؤمنين .
7- يعيش صاحبه بمعزل عن الناس لحذرهم منه .
8- من أسباب سوء الخاتمة والعياذ بالله .
9- يورد الكراهية والبغضاء والشحناء بين الناس .
فمن تتبع عورات الناس تتبع الله عورته حتى يفضحه ، ثم سيتتبع الناس عورته حتى يوردوه المهالك ، ويفضحوه ولو في عقر داره ـ فكما تدين تدان ـ فاتق الله يامن بليت نفسك وأهلكتها بتجسسك وتتبعك وتقفيك لعورات الناس وكلامهم وأفعالهم ، اتق الله الذي يراك أينما كنت ، اتق الله الذي يسمع ويرى ، فالتجسس صفة قبيحة ، ومرض من أمراض القلوب ، وداء عضال ينبغي على المسلم تركه والإبتعاد عنه ، وذلك بأن لا يفتش عن عورات المسلمين ، ولا يتتبعها ، بل ينبغي ترك المسلم على حاله ، ويستعمل التغافل عن زلاته وأخطائه التي إذا فتش وبحث عنها ظهر منها مالا ينبغي ، فاتق الله أخي الكريم ودع الخلق للخالق سبحانه ، طهر قلبك وجوارحك من هذه الصفة الذميمة والبضاعة المزجاة والرخيصة .




تابع الحديث عن أمراض القلوب:

ثامناً : الشك وسوء الظن :
داء خطير ومرض آخر من أمراض القلوب ، ابتلي به البعض من الناس ، فما إن تقول له كلمة أو تعمل عملاً إلا وبدأ الشك يساوره وسوء الظن يداخله فيما قلت وعملت ـ فلا حول ولا قوة إلا بالله ـ وكان ينبغي عليه أن يتأكد ويمحص الأمر حتى يرى ما الدافع لذلك القول والفعل ، بل كان من الواجب عليه أن يُحسن الظن بإخوانه المسلمين ، فلا يُسئ الظن إلا إذا تبين له ذلك ، فبعض الناس ما إن ينقل له أن فلاناً من الناس قال كذا وكذا حتى يسئ الظن ويشك في ذلك القول ، والله تعالى يقول : { ياأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ( الحجرات6 ) ، يقول بن سعدي في تفسير هذه الآية : [ وهذه أيضاً من الآداب التي ينبغي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها ، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بنبأ ، أي خبر ، أن يتثبتوا في خبره ، ولا يأخذوه مجرداً ، فإن في ذلك خطراً كبيراً ، ووقوعاً في الإثم ، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل ، حُكم بموجب ذلك ومقتضاه ، فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق ، بسبب ذلك الخبر ما يكون سبباً للندامة ، بل الواجب عند سماع خبر الفاسق التثبت والتبين ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : { إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث } ( البخاري ومسلم ) ، أراد الشك يعرض لك في الشيء فتحققه وتحكم به ، وقيل : أراد إياكم وسوء الظن .
فأحسن الظن بالناس ، يُحسن الناس الظن بك ، فينبغي لمن سمع قولاً مثلاً فلم يستطع تفسيره أو تحليله ، ينبغي عليه ألا يُسيء الظن بل يذهب إلى القائل ويقول : يا أخي لقد قلت ذلك القول فماذا تقصد به ، حتى يتبين الأمر .

مساوئ سوء الظن :
فسوء الظن قد يجر إلى عواقب وخيمة ومساوئ عديدة منها :
1- العداوة والبغضاء والشحناء بين الناس .
2- قد يجر الإنسان إلى ماهو أشد منه من غيبة أو نميمة أو كذب من أجل الإضرار بالآخرين.
3- المقاطعة والكراهية .
وعد الإمام بن حجر سوء الظن بالمسلم من الكبائر الباطنة ، وذكر أنه الكبيرة الحادية والثلاثون ، وقال : وهذه الكبائر مما يجب على المكلف معرفتها ليعالج زوالها لأن من كان في قلبه مرض منها لم يلق الله بقلب سليم ، وهذه الكبائر يذم العبد عليها أعظم مما يذم على الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها من كبائر ذنوب البدن وذلك لعظم مفسدتها ، وسوء أثرها ودوامه .

أقسام سوء الظن :
وسوء الظن ينقسم إلى قسمين كلاهما من الكبائر وهما :
1- سوء الظن بالله : وهو أبلغ في الذنب من اليأس والقنوط ( وكلاهما كبيرة ) وذلك لأنه يأس وقنوط وزيادة ، لتجويزه على الله تعالى أشياء لا تليق بكرمه وجوده .
2- سوء الظن بالمسلمين : وهو أيضاً كبيرة من كبائر الذنوب ، وذلك أن من حكم بشر على غيره بمجرد الظن حمله الشيطان على احتقاره ، وعدم القيام بحقوقه والتواني في إكرامه ، بل وإطالة اللسان في عرضه ، وكل هذه مهلكات موبقات ، وكل من رأيته سيئ الظن بالناس طالباً لإظهار معايبهم فاعلم أن ذلك لخبث باطنه وسوء طويته ، فإن المؤمن يطلب المعاذير لسلامة باطنه ، والمنافق يطلب العيوب لخبث باطنه .
والظن مذموم في كثير من الأمور ، قال تعالى : [ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ] ( يونس 36 ) . وعن سعيد بن المسيب قال : كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً ، وأنت تجد لها في الخير محملاً.
يقول الشاعر :
فـلا تـظـنـن بـربـك ظـن سـوء فــإن الله أولــى بــالـجـمـيـل
ولا تـظـنـن بنفـسـك قـط خـيراً فـكـيـف بـظـالـم جـان خجـول
وظـن بـنـفـسـك السـوءَ تجـدها كـذلـك خـيـرهـا كـالمستـحـيل
وما بك مـن تـقىً فيها وخـير فـتـلـك مـواهـب الـرب الجـليل
ولـيـس لـهـا ولا مـنـهـا ولكن مـن الـرحـمـن فاشكـر للـدليـل





تابع الحديث عن الظن :

مضار سوء الظن :
ومن مضار سوء الظن :
1- يؤدي إلى غضب الله وسخطه .
2- دليل على فساد النية وسوء الطوية .
3- خلق من أخلاق المنافقين .
4- يولد الشحناء والبغضاء بين الناس .
5- مفتاح للعواقب الوخيمة والأعمال السيئة .
6- يورث الذل والهوان على الله ثم على الناس .
7- دليل ضعف الإيمان .
8- دليل على عدم الثقة بالنفس .

مضار الشك :
وللشك مضار ومخاطر نذكر منها :
1- الشك يضعف الإيمان بالله عز وجل وبالملائكة والكتاب والنبيين وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره .
2- يدخل الوسواس على القلب فلا يجعله يثبت على يقين .
3- الريب والشك والوسواس آفات نفسية تجعل الثقة مهزوزة بي أفراد المجتمع .
4- المصاب بداء الشك مريض في نفسه لا يستطيع أن يثبت في حال من الأحوال .
5- الشك في الله شرك أكبر .
6- الشك سمة ضعف الإنسان وقوة الشيطان عليه .
7- الشكوك في الرعية تفسدها .
8- الاستكانة للشك تجلب التهم .
9- الشك ينتج إساءة الظن بأقرب الناس .
فاتق الله أخي الكريم ، وأحسن الظن بالناس ، ولا ترتاب ولا يساورك الشك فيهم لتحبهم ويحبونك ، وتألفهم ويألفونك ، فيدوم الود والإخاء والصفاء ، والألفة بين الناس والوفاء ، وإياك وسوء الظن أو الشك فإنهما يوجبان التقاطع والتدابر والتنافر والفرقة والبعد عن الناس ، فالله تبارك وتعالى يُعرض عن المتخاصمين حتى يصطلحا ، فمن حق المسلم على المسلم إذا لقيه أن يسلم عليه ، فبسوء الظن لايمكن أن يحصل ذلك ، وهذا ليس من أخلاق المسلم ، بل الواجب على المسلم التحلي بالأخلاق الفاضلة الحسنة حتى يُرضي ربه سبحانه .
تاسعاً : الغضب :
عاشراً : المزاح العنيف :
حادي عشر : كثرة الضحك :
ثاني عشر : آفات اللسان :
ثالث عشر : الظلم :
رابع عشر : شهادة الزور :
خامس عشر : الحقد :
سادس عشر : ممارسات محرمة :
1- الزنا :
2- اللواط :
3- إتيان البهائم :
4- الاستمناء باليد :
5- سماع الأغاني :
6- مشاهدة ما يدعوا إلى الرذيلة :
7- استخدامات خاطئة للإنترنت :
8- الربا :
9- الرشوة :
10- الغش والخداع :
11- عقوق الوالدين :
12- السخرية والاستهزاء :
13- السب واللعن :
14- إهمال الصلاة :
15- أذية الجار :
سابع عشر : السهر :
ثامن عشر : الطلاق :
تاسع عشر : السلام من أجل المعرفة أو المصلحة :



تابع الحديث عن أمراض القلوب:

عشرون : الغفلة :
أخطر أمراض القلوب وأضرها على الإنسان ، لأنه سبب رئيسي لسوء الخاتمة ـ نعوذ بالله من ذلك ـ فصاحب القلب الغافل لايعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ، لايعرف لحدود الله طريقاً ، لايعرف لله أمراً ولا نهياً ، قريباً من الحرام ، بعيداً عن الحلال ، يعيش على هذه البسيطة ولكن لايعرف لماذا يعيش ، فهو مثل البهائم ، يأكل ويشرب وينام ، أما العبادة فلا مكان لها في قلبه ، قال تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً } ( الفرقان44 ) ، لايدري ما الغاية السامية التي خُلق من أجلها ، والله يقول : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات56 ) .
انقلبت المفاهيم لدى هذا الغافل وحسب أنه سيُخلد في هذه الدنيا وما دار بخلده في يوم من الأيام أنه سيكون جثة لاحراك فيها ثم يقاسي ما يقاسي في قبره مما أعد الله لهذا الصنف من القلوب ، فله رجلان لكنهما ما مشتا يوماً إلى بيت من بيوت الله عزوجل ، ما عرفت رجلاه إلا السفر للخارج لممارسة الحرام ومعاقرة الخمور والمخدرات ، وله يدان لكنهما ماعرفتا كيف تتصفح كتاب الله تعالى ، بل عكفتا على تصفح المجلات الخليعة وتحريك القنوات الفضائية ، وأما العينان والأذنان فسخرهما لرؤية وسماع الحرام ، أما سماع القرآن والخطب والمحاضرات فلا نصيب لها عند ذلك المسكين ، وستشهد عليه كل هذه الجوارح يوم القيامة ، يوم الحسرة والندامة ، يوم لا ينفع آهٍ آهٍ ، ولا تنفع الأصوات والويلات ، وهيهات هيهات أن ينفع ذلك ، يقول تعالى : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ( النور24 ) ، وقال تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } ( الأعراف179 ) ، فمن كان هذا مصيره ، فعدمه أفضل من وجوده ، فانتبه واحذر سخط الله وعقابه ، فالغافل ظلم نفسه ظُلماً كبيراً ، وأشد الظلم أن يظلم الإنسان نفسه ، فالله تبارك وتعالى يملي للظالم ويمهله ولكنه سبحانه لا يهمله ، فإذا أخذه لم يفلته ، قال تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ( هود102 ) . ويقول الله عزوجل في ذم أهل الغفلة والغواية : [ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ] ( الأعراف 146 ) ، وقال تعالى : [ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ] ( يونس 7/8 ) ، وقال تعالى : [ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ] ( ق 22 ) .



أسباب الغفلة :
وللغفلة أسباب عديدة منها :
1- البعد عن منهج الله تعالى .
2- عدم تقبل ماجاء به النبي صلى الله عليه وسلم .
3- التجرؤ على ارتكاب المعاصي والمحرمات بلا خوف ولا حياء من الله جل وعلا .
4- كراهية أهل الخير والصلاح .
5- هجر بيوت الله تعالى جمعة وجماعات .
6- الانهماك والانكباب على ملذات الحياة الدنيا الزائفة الفانية .
7- عدم تذكر الموت وغصصه والقبر ووحشته .
8- الإقبال على الملهيات وكل ما يبعد عن الطاعات .
9- الانخراط في سلك المدمنين .
10- الانجراف وراء أهل الفسق ودعاة السوء والرذيلة .
11- عدم تذكر ما أعد الله للمتقين الصابرين عن محارم الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار في تلك الدار الباقية التي لا تفنى ولا تزول ، وما أعد الله للمتجرئين على ارتكاب ما حرم الله ورسوله من العذاب الأخروي في نار وقودها الناس والحجارة .
12- هجر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
13- تفرح الشيطان وتسخط الرحمن .
14- تنزل الهم والغم على القلب وتبعد عنه الفرح والسرور .
15- مدعاة للوسوسة والشكوك .
16- تورث العداوة والبغضاء وتذهب الحياء والوقار بين الناس .
17- تبلد الذهن وتسد أبواب المعرفة .
وليعلم العاصي الغافل أن الصبر عن الشهوات أسهل من ألم عقوبتها ، فالمعاصي توجب في قلب صاحبها ألماً وعقوبة ، وحسرة وندامة ، وتسلب النعم ، وتجلب الهم والغم ، وتشمت بصاحبها الأعداء ، وتحدث عيباً يبقى صفة لا تزول ، لأن الأعمال تورث الصفات والأخلاق ، وأعظم من ذلك كله فالمعاصي توجب غضب الرب سبحانه وتعالى .

أهمية السلام والمصافحة وفضلهما :
لا يخفى عليك أخي الكريم أهمية السلام وأنه من سمات أهل هذا الدين الإسلامي الحنيف ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على السلام والمصافحة لإزالة ما يعلق في النفوس من البغضاء والكراهية بين الناس وكلنا يعرف فضل السلام والمصافحة في تسوية النفوس وإزالة الخلاف الواقع بين الناس ، وما يعود به من مردود إيجابي على الفرد والمجتمع ، ولقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اله صلى الله عليه وسلم : [ والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ] ( صحيح انظر الإرواء 771 ) .
وعن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ما من مسلمين يلتقيان ، فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا ] ( صحيح بن ماجة 3003 ) .





وفي الختام أيها الإخوة والأخوات:

ينبغي على المسلم الحق أن يتجنب هذه الصفات القبيحة والمحرمة شرعاً ، والمنهي عنها ، حتى يصبح مطمئن القلب ، صافي المزاج ، بعيداً عن الأهواء والوساوس والهواجيس ، ينبغي على المؤمن الحق أن يترك بضائع الشيطان ، لأنها بضائع خاسرة كاسدة ، ولا يتعامل بها إلا أصحاب القلوب المريضة التعيسة ، أصحاب القلوب الخربة المنكوسة .
قال تعالى : [ إنما المؤمنون اخوة ] ( الحجرات10 ) ، فالله الله أيها الاخوة أوصيكم بإخوانكم المسلمين أحسنوا إليهم ولينوا بأيديهم ، وأحبوا لهم ما تحبونه لأنفسكم فالمؤمنون اخوة ، ذبوا عنهم وردوا عن أعراضهم ، وكونوا عباد الله إخواناً ، فمن الظلم عباد الله أن يضر المسلم أخاه المسلم بحسد أو غيبة أو نميمة أو كذب أو سوء ظن أو كبر أو غير ذلك مما قد يضر بالمسلم ، والظلم عباد الله من الأمور المحرمة والتي قد تصيب صاحبها بأضرار في الدنيا والآخرة ، فالله عزوجل حرّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس مُحرماً ، فكيف أنت أيها المسكين تظلم عباد الله بتلك الأمور المحرمة ، أنسيت أن لذلك المظلوم دعوة مستجابة لو دعا بها عليك ثم استجيبت لخسرت الخسران المبين ، فإنه لا شفاء لأمراض القلوب إلا بالدواء الذي أنزله الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور } ( يونس57 ) ، وقال تعالى : { ونُنَزِل من القران ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } ( الإسراء82 ) ، وقال تعالى : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } ( فصلت44 ) .
فأقبلوا على كتاب الله وسنة رسوله لتداووا قلوبكم ففيهما الشفاء والرحمة ، وفيهما الدواء والمودة ، وفيهما النور والهداية ، وفيهما الروح والحياة ، وفيهما العصمة من الشيطان ووساوسه ، وليأخذ كل منا بنفسه فيبعدها عن مواطن الفتن ويقطع عنها وسائل الشر ، وكذلك أبعدوا أولادكم وبيوتكم عن وسائل الشر ودواعي الفساد إن كنتم تريدون الشفاء لقلوبكم والخير لمجتمعكم وأكثروا من هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم [ يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك ] .
اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، اللهم طهر مجتمعات المسلمين من كل فاحشة ورذيلة ، اللهم ألف بين قلوب المسلمين وأصلح ذات بينهم ياحي ياقيوم يا ذا الجلال والإكرام ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .


(((تم الإستفادة من بعض البحوث والدراسات في كتابة هذه المداخلات)))
1- منهج أهل السنة في تزكية النفوس محاضرة للشيخ محمد بن صالح المحمود ألقيت في المخيم الدعوي بمحافظتنا.
2- كتاب الأخلاق للشيخ : محمد بن صالح العثيمين.
3- أكلة لحوم البشر : للشيخ يحيى بن موسى الزهراني
3- سلسلة أمراض القلوب : للشيخ يحيى الزهراني .
4- كتاب الفوائد : لابن القيم .
5- كتاب ضوابط المجتمع الإسلامي من خلال سورة الحجرات للأستاذوسيم فتح الله
6- كتاب مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي
7- تفسير ابن كثير
8- تفسير ابن سعدي
9- الإخلاص للأستاذ حسين عوايشة .
10- كتاب ضعف الإيمان للشيخ محمد بن صالح المنجد
11- أدب الدنيا والدين للماوردي
12- معالم في طريق طلب العلم للشيخ عبدالعزيز السدحان
13- معالم في السلوك وتزكية النفوس للشيخ عبدالعزيز العبداللطيف
14- جامع العلوم والحكم .
15- مدارج السالكين.
16- بعض الملخصات التي كتبتها في محاضرات الدراسة في جامعة أم القرى بمكة المكرمة في كلية الشريعة .
17- بعض الدورات العلمية التي حضرتها في مكة وفي غيرها.

كانت البداية في تجميعها بتاريخ 15/5/1426هـ
والإنتهاء منها بتاريخ 23/5/1426هـ

وبالله التوفيق
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع



الساعة الآن 08:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواضيع والتعقيبات لاتمثل بالضرورة الرأي الرسمي للمنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها