| ضيف | تكملة لبحث تزكية النفس
28- وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه : 75]
29- وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً [طه : 112]
30- فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء : 94]
31- إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [الحج : 14]
32- ِإنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج : 23]
33- فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الحج : 50]
34- الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الحج : 56]
35- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور : 55]
36- ِإلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء : 227]
37- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت : 7]
38- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [العنكبوت : 9]
39- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [العنكبوت : 58]
40- فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم : 15]
41- لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [الروم : 45]
42- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان : 8]
43- أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة : 19]
44- لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [سبأ : 4]
45- الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [فاطر : 7]
46- قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [صـ : 24]
47- أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [صـ : 28]
48- وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ [غافر : 58]
49- َترَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ [الشورى : 22]
50- ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [الشورى : 23]
51- وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى : 26]
52- أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية : 21]
53- فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [الجاثية : 30]
54- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد : 2]
55- إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ [محمد : 12]
56- مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح : 29]
57- رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً [الطلاق : 11]
58- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق : 25]
59- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة : 7]
60- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر : 3]
61- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة : 62]
62- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة : 69]
63- مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل : 97]
64- وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً [الكهف : 88]
65- إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً [مريم : 60]
66- وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه : 82]
67- فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص : 67]
68- وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص : 80]
69- وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ : 37]
وأسأل الله أن ينفع الجميع بكتابه ويرزقنا وإياكم العمل الصالح والإيمان الصادق ......
رابعا :اقتران العلم بالعمل :
وهذان جزآن لا ينفكان أبدا فالعلم يورث العمل والعمل لا ينفع دون علم وأهل السنة والجماعة وسط بين اليهود والنصارى في هذا الجانب لذلك يقرأ المسلم كل يوم في صلاته (( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم , غير المغضوب عليهم ولا الضالين )) فسماه الله تعالى صراطا مستقيما ونسبه إلى الذين أنعم عليهم خير من زكت نفوسهم وصلحت من الأنبياء والصديقين والشهداء , أما الفئة الأخرى فهم :
1- القسم الأول وسماهم الله المغضوب عليهم : وهم اليهود الذين آتاهم الله التوراة والعلم فلم يعملوا بهذا العلم فحق عليهم الغضب من الله جل وعلا وهذا هو مدار حديثنا اقتران العلم بالعمل فمن تعلم ولم يعمل دخل في دائرة الغضب والسخط والعياذ بالله .
2- القسم الثاني : وسماهم الله تعالى الضالين وهم النصارى لأنهم نشدوا زكاة لنفوسهم بعمل لم يتأسس على علم فكان كالذي يبني بيته على شفا جرف هار فانهار به ولا حول ولا قوة إلا بالله ومثل هؤلاء في زماننا الذين يعبدون الله على غير علم من الضلال أصحاب البدع الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام والإسلام منهم براء فليحذر العبد المؤمن من اتباع هؤلاء فيضل ويختم على قلبه وسمعه ويجعل على بصره غشاوه فمن يهديه من بعد الله والعياذ بالله
لقد وقفت على كلام نفيس لابن القيم رحمه الله :
يقول ابن القيم :
((الطلب لقاح الايمان, فاذا اجتمع الايمان والطلب أثمرا العمل الصالح. وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار اليه, فاذا اجتمعا أثمرا اجابة الدعاء. والخشية لقاح المحبة, فاذا اجتمعا أثمرا امتثال الأوامر واجتناب المناهي. والصبر لقاح اليقين, فاذا اجتمعا أورثا الامامة في الدين, قال تعالى:{ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} السجدة24. وصحة الاقتداء بالرسول لقاح الاخلاص, فاذا اجتمعا أثمرا قبول العمل والاعتداد به.
والعمل لقاح العلم, فاذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة, وان انفرد أحدهما عن الآخر لم يفد شيئا. والحلم لقاح العلم, فاذا اجتمعا حصلت سيادة الدنيا والآخرة حصل الانتفاع بعلم العالم, وان انفرد أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع. والعزيمة لقاح البصيرة, فاذا اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة وبلغت به همّته من العلياء كل مكان.
فتخلف الكمالات اما عن عدم البصيرة واما عن عدم العزيمة.
وحسن القصد لقاح لصحة الذهن, فاذا فقدا فقد الخير كله واذا اجتمعا أثمرا أنواع الخيرات. وصحة الرأي لقاح الشجاعة, فاذا اجتمعا كان النصر والظفر, وان فقدا فالخذلان والخيبة, وان وجد الرأي بلا شجاعة فالجبن والعجز, وان حصلت الشجاعة بلا رأي فالتهوّر والعطب. والصبر لقاح البصيرة, فاذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما.
قال الحسن: اذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته, واذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته, فاذا رأيت صابرا بصيرا فذاك.
والنصيحة لقاح العقل, فكلما قويت النصيحة قوي العقل واستنار. والتذكّر والتفكّر كل منهما لقاح الآخر, اذا اجتمعا أنتجا الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. والتقوى لقاح التوكل, فاذا اجتمعا استقام القلب. ولقاح أخذ الهبة الاستعداد لقصر الأمل, فاذا اجتمعا فالخير كله في اجتماعهما والشر في فرقتهما. ولقاح الهمّة العالية النيّة الصحيحة, فاذا اجتمعا بلغ العبد غاية المراد.))
خامسا : الدعاء :
وهو من الوسائل المهمة لتزكية النفس وهو الحبل المتين الذي يصل العبد بالسماء .
وفي الدعاء تتحقق مقامات عبودية منها : الإستعانة , والتوكل , والذل , والخوف, والرجاء .
والله عزوجل قد أمر عباده بالدعاء وسؤالهم إياه لأن فيه خير لأنفسهم وزكاة لها
كيف لا والعبد قلبه معلق بالسماء حيث الوسع والأرحب أما إذا تعلق قلبه بالدنيا فهو إلى الضيق ركن .
يقول الله تعالى (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )).
ولي وقفة مع هذه الآية العظيمة في هذا الباب :
يقول الله نعالى يامحمد إذا سألك عبادي ..... لا حظ هنا قال ( عبادي ) .... لم يقل الخلق ولم يقل الناس ولم يقل المؤمنين دل هذا أن في الدعاء أشرف مقامات العبودية (عبادي) نعم نحن عباده نحن خلق من خلقه لا نجاة لنا ولا فلاح دونه خلقنا ورزقنا وهدانا وأنعم علينا بشتى صنوف الإنعام وهو في هذه الآية ينادينا بالعبودية ويذكرنا بها وأنَّا لضعفنا وعبوديتنا نحن في حاجة عن هذا الذي سيذكره بعده .
( عني ) فيا سائلا , دونك الذي تسأل عنه .......
هذا هو الطريق فالزمه فإنه يوصلك إلى المقصود .
( فإني قريب ) أي أني قريب منكم أسمعكم وأراكم وأعلم بحالكم فإذا كان الإنسان يحس أن الذي يسأله عن حاجته قريب منه ويعلم بحاله فهذا أكبر دافع على أن يسأل ويسأل ويسأل ويلح في السؤال فإنه قريب منه
يرجوه لأنه قريب منه......
يحسن الظن به لأنه قريب منه.....
يسأله في كل شيء لأنه قريب منه........
يعلق قلبه به لأنه قريب منه .....
يعلم علم اليقين بل حق اليقين بل عين اليقين أن حاجته عنده لأنه ربه وهو عبده ولأنه قريب منه .
(( أجيب دعوة الداعي )) الله أكبر الله أكبر يا أيها الناس هذا الوعد من الواحد الأحد لن يخلف وعد من مالك الملك وعد من الغني (( ومن أوفى بعهده من الله )) أجيبوا يا من قنط من رحمة ربه يا من أساء الظن بربه
هذا الوعد يقول للقانط لا مكان لقنطك مع رحمة وسعة الكون كله وزيادة وتقول لمسئ الظن ألا تترك لؤم نفسك وتؤوب إلى ربك وتدعك من هذا العناد فضيق صدرك تسعه رحمة الكريم الرحمن.
يا أيها الإخوة والأخوات هذا هو ربكم تبارك وتعالى رحيم كريم سميع بصير قريب مجيب و إن منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب يتعلق بالأسماء والصفات التي عليها يبني الإنسان دعاءه فإن منهج أهل السنة أنهم يثبتون لله من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه . فأنت عندما تدعو تقول (( ياسميع يابصير )) وهكذا تؤمن أن لله سمعا وبصرا لكن سمعا يليق بجلاله وبصرا يليق بجلاله ليس بصرا ولا سمعا كأبصارنا ولا كأسماعنا وبهذا المنهج يكون أهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة الذين جردوا الأسماء من الصفات وقالوا أن الله سميع بلا سمع وبصير بلا بصر وبين المشبه الذين شبهوا الله تعالى بخلقه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ...
فمن هذا الباب لما يؤمن العبد أن الله سميع بصير عليم مجيب يكون هذا دافع له أن يسأل ربه ويرفع شكايته إليه لإيمانه .
أعود إلى الآية الكريمة :
((وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )).
لما قال الله تبارك وتعالى (( أجيب دعوة الداع )) اشترط بأداة الشرط المعروفة (( إذا )) وكان جواب الشرط (( دعان )) فالأول فعل الشرط والأخير جوابه فالشرط معروف والجواب معروف فهذا وعد من الله ولن يخلف الله عهده
أيها الإخوة والأخوات الدعاء هو سلاحنا الوحيد الذي ننتصر به ضد كل ظالم ذو بطش أليم وهو الدواء النافع لكل علة عجزت عن حلها الأدوية بأنواعها وصنوفها .
غفل الناس عن الدعاء لأنهم لم يكن لديهم ذلك الإيمان الذي تتزلزل له الجبال ولو كان عندهم هذا الإيمان لكانوا مثل أسلافهم في الثقة بربهم وحسن الظن به يرفع أحدهم إصبعه عند فتح أحد من الحصون ويسأل عنه أميرهم فيقال إنه جالس في تلك الناحية رافع إصبعه فقال الأمير (( تلك الإصبع خير لي من ألف رجل )) لماذا لأنهم يعرفون أنه ما دعا شخص منهم إلا وهذا بريد إلى مالك الملك يطلبه النصر والعزة والله وعد بالإجابة كما في هذه الآية (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان )).
ثم بعد ذلك يقول الله (( فليستجيبوا لي )) أي فليستجيبوا لأمري وليتبعوا ما أمرتهم به من الإيمان والعمل الصالح ((وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ))
والله تعالى كما في أحد الأحاديث (( يغضب إذا لم يسأله عبده )) أي كرم أي رحمه إله كريم غني عن عباده يتفضل كل هذا التفضل سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك.......
ثم أيها الإخوة :
يقول الله تعالى ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ))
وهذه الآية تؤكد سابقتها وقال ربكم- أيها العباد-: ادعوني وحدي وخصُّوني بالعبادة أستجب لكم, إن الذين يتكبرون عن إفرادي بالعبودية والألوهية, سيدخلون جهنم صاغرين حقيرين.
أيها الإخوة :
الدعاء وسيلة مهمة لتزكية هذه النفس فإنك أيها الإنسان ضعيف كما خلقك الله (( وخلق الإنسان ضعيفا )) ولن تستمد قوتك إلا من العزيز الجبار الذي لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء وهو على كل شئ قدير فهيا إلجأ إليه واطرح بين يديه عسى أن يرحمك ويرفع ما بك من ضر .
إرفع حاجتك وشكايتك إليه أشكو من نفسك ومن حبها للإثم عسى الله أن يعينك عليها فتتأطر على الصلاح وتنفطم عليه .
واعلم أن الله جل في علاه مالك الملك بابه مفتوح إلى يوم الدين ليس على بابه لا حجام ولا حرس ولا حشم بل برحمته التي تقول لك هلم هلم .
تحرى ساعات الإستجابة وليس معنى هذا أنه لا يقبل في غيرها بل حتى يعلم وهو العليم أنك صادق في دعاءك وفي مسألتك ففرق بين من يقف بباب الملك طويلا حتى يحين إجابة دعوته ورفع مسألته وبين من يقف بالباب ثم يراه مغلقا ثم يذهب , فذاك صادق ينال المراد وذاك ليس بصادق فيمنع من بغيته .....
ولله المثل الأعلى ......
هذه مقدمه سندخل به إن شاء الله إلى موضوع من مواضيع الدعاء على منهج أهل السنة والجماعة في تزكية النفوس ..........
خامسا :الدعاء :
وقد تقدمت بمقدمة فيه من قبل والآن مع موضوع آخر من مواضيع الدعاء ألا وهو :
شروط الدعاء وآدابه:
لكي يكون الدعاء على منهج صحيح يضمن به الإنسان تزكية نفسه لا بد أن يتقيد بشروط وضوابط وآداب له أذكر منها :
أولا : قال الله تعالى (( هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [غافر : 65]
ثانيا: قال الله تعالى ((ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف : 55]
ثالثا : قال الله تعالى ((إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء : 90]
رابعا: وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال : (( سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته , لم يمجد الله تعاالى ولم يصل على رسوله صلى الله عليه وسلم : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء )) رواه أبو داود والترمذي.
خامسا : وعن عائشة رضي اللعنها قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدعو ما سوى ذلك )) رواه أبو داود
سادسا : وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ )) رواه الترمذي
سابعا : وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت وارزقني إن شئت ولكن ليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء لا مكره له )) رواه البخاري ومسلم
ثامنا : وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (( حدِّث الناس كل جمعة مرة أو مرتين فإن أكثرت فثلاث مرات ولا تمل الناس هذا القرآن ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الإجتناب )) رواه البخاري
تاسعا : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )) وقال (( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم )) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك )) رواه مسلم.
عاشرا : وعن ابن لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : سمعني أبي وأنا أقول : (( اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا فقال : يابني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكونقوم يعتدون في الدعاء . فإياك أن تكون منهم إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير وإن أعذت من النار أعذت منها ومما فيها من الشر )) رواه أبو داود
إحدى عشر : وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم مالم يستعجل قيل يارسول الله ما الإستعجال : قال : يقول : قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء )). رواه مسلم .
اثنا عشر : وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ما على الأرض مسلم يدعو الله بدهوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم : إذاً نكثر؟ قال : الله أكثر )) رواه الترمذي.....
هذا ما تيسر لي حول الدعاء وفضله وآدابه ودوره في (( تزكية النفوس على منهج أهل السنة والجماعة )).....
سادسا : الإخلاص :
"إن الإخلاص هو حقيقة الدين ولب العبودية ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلام والشرط في قبول العمل , قال تعالى (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء )) وقال سبحانه (( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ))
والمقصود بالإخلاص : إفراد الله تعالى بالقصد في الطاعة , وتصفيته عن ملاحظة المخلوقين وتنقيته من كل شوب ."ا.هـ ((معالم في السلوك)).
والنية أيها الإخوة والأخوات هي ركن العمل وأساسه وإذا تخللها خلل أو دخن فإن العمل يعتريه من الدخن والخلل بقدر ما يعتري النية .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )) فالنية الركن الراكن والأساس القائم :
والبيت لايبتنى إلا بأعمدة******ولا عماد إذا لم يبنى على أركان
فإذا كانت النية مصحوبة بشئ من اللوث على اختلاف أنواعه من حب التصدر وحب ثناء الناس أو حب شهوة أو تسنم مجالس أو محبة لتعظيم الناس له فإن هذا كفيل بأن يكون حاجزا منيعا في طريق صاحب تلك النية والنية يعتريها ما يعتريها لكن (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين ))
ومما يدل على أهمية إخلاص النية في العبوديات :
قوله صلى الله عليه وسلم : (( أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة : يؤتى بقارئ القرآن فيعرفه الله نعمه فيعرفها فيقال له : فيم قرأت القرآن ؟ فيقول : قرأت القرآن فيك يارب , فيقول : كذبت ولكنك قرأت القآن ليقال قارئ فقد قيل فيأمر الله ملائكته فيأخذوه إلى النار ,, ويؤتى بالمتصدق فيعرفه الله نعمه فيعرفها فيقال له : فيم تصدقت ؟ فيقول : تصدقت فيك يارب فيقول كذبت تصدقت ليقال سخي فقد قيل خذوه فتأخذه الملائكة إلى النار ويؤتى بالمقاتل الذي قتل في المعركة فيعرفه الله نعمه فيعرفها فيقال : فيم قاتلت ؟ فيقول : قاتلت فيك يارب فيقول كذبت ولكن قاتلت ليقال مقدام فقد قيل خذوه فتاخذه الملائكة إلى النار )) او كما قال صلى الله عليه وسلم ......
ولقد حكي عن أن أحد الأئمة أنه رأى رجلا يصلي فأعجبته صلاته فقال لمن بجواره انظروا إلى عجيب صلاة هذا !! فسمعهم الرجل يمدحونه فطاش به عقله وقطع صلاته وإلتفت إليهم وقال : وأيضا صائم!!!!!
ومما يؤكد أهمية النية في العمل اشتراطها في كل العبادات فلن يميز الصلاة التي هي حركات وأقوال عن غيرها سوى النية وكذلك لن يميز الصلوات بعضها عن بعض إلا النية ولن يميز الزكاة التي هي تبرع عن سائر عقود التبرعات سوى النية فالنية لها أهميتها الكبرى المعروفة عند أهل السنة والجماعة لذى كان من القواعد الخمس الكبرى المعروفة عند الفقهاء ((الأمور بمقاصدها)) وإذا كان هذا قدر النية في اشتراط صحة العبادات فإنه من باب أولى أن يكون صلاح هذه النية واجب إذ أن الذي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
ولقد اعتنى سلف هذا الأمة بهذا الجانب لتزكو نفوسهم وتصلح فإليك يا أخي ويا أختي مقتطفات من ذلك :
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع – وهنا أنبه أنه إذا كان منقطع فالحكم في الإسناد وليس على المتن فالمتن صحيح أي صحيح المعنى أما من جهة ثبوته أو لا فهذا الحديث منقطع وهو أحد أنواع الضعيف من الأحاديث – عن عمر قال : لا عمل لمن لانية له ولا أجر لمن لا حسبة له يعني : لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله عزوجل .
وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال لا ينفع قول إلا بعمل ولا ينفع عمل إلا بنية ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة – وإخلاص النية مما وافق السنة –
وعن يحيى بن أبي كثير قال تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل – أي أن العمل لا عبرة له إلا بنية خالصة لوجه الله تعالى –
وعن داوود الطائي قال : (( رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيرا وإن لم تنصب . قال داود : والبر همة التقي ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله .))
وعن سفيان الثوري قال : ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تتقلب عليَّ
وعن يوسف بن أسباط قال : تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الإجتهاد .
وعن مطرف بن عبدالله بن الشخير قال : صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصلاح النية .
وعن بعض السلف قال : من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته فإن الله عزوجل يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة .
يقول ابن تيمية رحمة الله (( إذا كان العبد مخلصا له اجتباه ربه فيحيي قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء ويخاف من حصول ضد ذلك بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإنه في طلب وإرادة وحب مطلق فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مر به بعطفه أماله فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة فيبقى أسيرا عبدا لمن لو اتخذه هو عبدا له لكان ذلك عيبا ونقصا وذما ونارة تجتذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة ويستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي التي تستعبد القلوب , ومن لم يكن خالصا لله عبدا له قد صار قلبه معبدا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه ويكون ذليلا له خاضعا وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين وكان من الغاوين , وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه )).
سابعا : الحرص على اتباع الكتاب والسنة في جميع الأمور
ثامنا : وهي خاصة بطلاب العلم عدم كتمان العلم .
تاسعا :مجاهدة النفس .
عاشرا: التوبة والإستغفار
إحدى عشر :الحرص على الصلوات .
اثنا عشر :مصاحبة من يعين على تزكية النفس .
ثلاثة عشر : الحذر من أمراض النفس :
- الحذر من الحقد
- الحذر من الحسد
- الحذر من العجب
- الحذر من الرياء
- الحذر من الشهوات الخفية
* التعلق المحرم
* حب الرئاسة
@ الرئاسة في الجاه
@ الرئاسة في المال
@ الرئاسة في الشرف
--------- طلب الشرف بالمال والجاه والسلطان
--------- طلب الشرف بالعلم والعمل والزهد (وهذا أفحش)
هذا باختصار ((منهج أهل السنة والجماعة في تزكية النفس))
آثار هذه التزكية:
أيها الإخوة والأخوات فحديثنا هذا يدور حول الحديث عن حسن الخلق ومكارم الأخلاق التي هي عبارة عن نتاج لتزكية النفس وقد تكلمت فيما سبق عن (((منهج أهل السنة والجماعة في تزكية النفس))) فكان لزاما أن يأخذني تسلسل الكلام عن نتائج هذه التزكية المنهجية .
وقد استفدت من بعض الكتب منها كتب شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين أسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله والخلق : هو السجيةُ والطبع , وهو كما يقول أهل العلم : صورةُ الإنسان الباطنة , لأن الإنسان صورتين :
صورة ظاهرة : وهي شكل خلقته التي جعل الله البدن عليه , وهذه الصورة الظاهرة منها جميل حسن , ومنها ما هو قبيح سيئ , منها ما بين ذلك .
وصورة باطنة : وهي حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر , من غير حاجة إلى فكر وروية .
وهذه الصورة أيضاً منها ما هو حسن إذا كان الصادر عنها خلقاً حسناً , ومنها ما هو قبيح إذا كان الصادر عنها خلقاً سيئاً , وهذا ما يُعبر عنه بالخلق , فالخلق إذن هو الصورة الباطنة التي طبع الإنسان عليها .
والواجب على المسلم أن يتخلق بمكارم الأخلاق أي أطايبها , والكريم من كل شيء هو الطيب منه بحسب ذلك الشيء , ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ ( إياك وكرائم أموالهم ) حين أمره بأخذ بالزكاة من أهل اليمن .
فعلى الإنسان أن تكون سريرته كريمة , فيحب الكرم , والشجاعة , والحلم , والصبر ,أن يلاقي الناس بوجه طلق , وصدر منشرح , ونفس مطمئنة , فكل هذه الخصال من مكارم الأخلاق .
وقد قال الني صلى الله عليه وسلم ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) , فينبغي أن يكون هذا الحديث دائماً نصب عين المؤمن , لأن الإنسان إذا علم بأنه لن يكون كامل الإيمان إلا إذا أحسن خلقه كان ذلك دافعاً له على التخلق بمكارم الأخلاق ومعالي الصفات وترك سفا سفها و رديئها .
***
(((كمال الشريعة الإسلامية من ناحية الأخلاق)))
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من مقاصد بعثته إتمام محاسن الأخلاق , فقال عليه الصلاة والسلام ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )
فالشرائع السابقة التي شرعها الله للعباد كلها تحث على الأخلاق الفاضلة , ولهذا ذكر أهل العلم أن الأخلاق الفاضلة مما طبقت الشرائع على طلبه , ولكن الشريعة الكاملة جاء النبي عليه الصلاة والسلام فيها بتمام مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال . ولنضرب مثلاً .
مسألة القصاص : ذكر أهل العلم في مسألة القصاص , أي : لو أن أحداً جنى على أحد فهل يقتص منه أم لا ؟ ذكروا أن القصاص في شريعة اليهود حتميٌّ ولابد منه , ولا خيار للمجني عليهم فيه , وأن الأمر في شريعة النصارى العكس , وهو وجوب العفو , لكن شريعتنا جاءت كاملة من الوجهين , ففيها القصاصُ وفيها العفو , لأن في أخذ الجاني بجنايته حزماً وكفاً للشر , وفي العفو عنه إحساناً وجميلاً , وبذل معروف فيمن عفوت عنه , فجاءت شريعتنا والحمد لله مكملة , خيرت من له الحق بين العفو والأخذ , لأجل أن يعفو في مقام العفو , وأن يأخذ في مقام الأخذ . وهذا بلا شك أفضل من شريعة اليهود التي ضيعت حق المجني عليهم في العفو الذي يكون فيه مصلحة لهم , وأفضل من شريعة النصارى التي ضيعت حق المجني عليهم أيضاًً فأوجبت عليهم العفو وقد تكون المصلحة في الأخذ وإنزال العقوبة .
(((الأخلاق بين الطبع والتطبع)))
وكما يكون الخُلقُ طبيعة , فإنه قد يكون كسباً , بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعاً على الخلق الحسن الجميل , فإنه أيضاً يمكن أن يتخلق بالأخلاق الحسنة عن طريق الكسب والمرونة .
ولذلك قال الني صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس ( إن فيك لخلقين يحبهما الله : الحلم والأناة ) قال يا رسول الله , أهما خلقان تخلقت بهما , أم جبلني الله عليهما , قال ( بل جبلك الله عليهما ) . فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما ورسوله ).
فهذا دليل على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعاً وتكون تطبعا , ولكن الطبع بلا شك أحسن من التطبع , لأن الخلق الحسن إذا كان طبيعياً صار سجية للإنسان وطبيعة له , لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف , ولا يحتاج في استدعائه إلى عناء ومشقة , ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء , ومن حُرم هذا – أي حُرم الخلق عن سبيل الطبع – فإنه يمكنه أن يناله
عن سبيل التطبع , وذلك بالمرونة , والممارسة كما سنذكر إن شاء الله تعالى فيما بعد
(((من الأفضل ؟)))
وهنا مسألة وهي : أيهما أفضل رجل جُبل على خلق حميد , ورجل يجاهد نفسه على التخلق به , فأيهما أعلى منزلة من الآخر ؟
يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله-
ونقول جواباً على هذه المسألة : إنه لاشك أن الرجل الذي جُبل على الخلق الحسن أكمل من حيث تخلقه بذلك , أو من حيث وجود هذا الخلق الحسن فيه , لأنه لا يحتاج إلى عناء ولا إلى مشقة في استدعائه , ولا يفوته في بعض الأماكن والمواطن , إذ أن حسن الخلق فيه سجيه وطبع , ففي أي وقت تلقاه تجده حَسَن الخلق , وفي أي مكان تلقاه حَسَن الخلق , وعلى أي حالٍ تلقاه حَسَن الخلق , فهو من هذه الناحية أكمل بلا شك .
وأما الآخر الذي يجاهد نفسه ويروضها على حسن الخلق , فلا شك أنه يؤجر على ذلك من جهة مجاهدة نفسه , وهو أفضل من هذه الجهة , لكنه من حيث كمالُ الخلق أنقص بكثير من الرجل الأول .
فإذا رزق الإنسان الخلقين جميعاً , طبعاً وتطبعاً كان ذلك أكمل , الأقسام هي :
1- من حرُم حسن الخلق طبعاً وتطبعاً
2- من حرمه طبعاً لا تطبعاً
3- من رُزقه طبعاً لا تطبعا
4- من رُزقه طبعاً لا تطبعاًً
ولا شك أن القسم الثالث هو أفضل الأقسام لأنه مع بين الطبع والتطبع في حسن الخلق .
***
مجالات حسن الخلق
إن كثيراً من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق خاص بمعاملة الخلق دون معاملة الخالق ولكن هذا الفهم قاصر , فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق , يكون أيضاً في معاملة الخالق , فموضوع حسن الخلق إذن : معاملة الخالق جلا وعلا , ومعاملة الخلق أيضاً وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها الجميع .
أولاً / حـسن الخلق في مـعاملة الخالق : حـسنُ الخلق في مـعاملة الخالق يجمع ثلاثة أمـور : تلقي أخبار الله بالتصديق وتلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق وتلقي أقداره بالصبر والرضا .
هذه ثلاثة أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله تعالى ,
1/ تلقي أخبار بالتصديق : بحيث لا يقع عند الإنسان شك , أو تردد في تصديق خبر الله تبارك وتعالى , لأن خبر الله تعالى صادر عن علم , وهو سبحانه أصدق القائلين كمال قال تعالى عن نفسه ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ), ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان واثقاً بها , مدافعاً عنها , ومجاهداً بها وفي سبيلها , بحيث لا يداخله شك أو شبهة في أخبار الله عز وجل و أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم .
وإذا تخلق العبد بهذا الخلق أمكنه أن يدفع أي شبهة يوردها المغرضون على أخبار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , سواء أكانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه , أم كانوا من غير المسلمين الذين يلقون الشبه في قلوب المسلمين بقصد فتنتهم وإضلالهم .
ولنضرب لذلك مثلاً - حديث الذباب - ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ولغ الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر الدواء ) .
هذا خبر صادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم في أمور الغيب لا ينطق عن الهوى , لا ينطق إلا بما أوحى الله تعالى إليه لأنه بشر , والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له (قل لا أقُولُ لَكمْ عِندي خَزائنُ اللَّه ولا أَعلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ )
وهذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخلق وحسن الخلق نحو هذا الخبر يكون بأن نتلقاه بالقبول والانقياد , فنجزم بأن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فهو حق وصدق , وإن اعترض عليه من اعترض , ونعلم علم اليقين أن كل ما خالف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه باطل , لأن الله تعالى يقول ( فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ )
النقطة الثانية في الخلق مع الخالق تبارك وتعالى// ومن حسن الخلق مع الله عز وجل , أن يتلقى الإنسان أحكام الله بالقبول والتنفيذ والتطبيق فلا يرد شيئاً من أحكام الله , فإذا رد شيئاً من أحكام الله فهذا سوء خلق مع الله عز وجل , سواءٌ ردها منكراً حكمها , أو ردها مستكبراً عن العمل بها , أو ردها متهاوناً بالعمل بها , فإن ذلك كله منافٍ لحسن الخلق مع الله عز وجل .
مثال على ذلك – الصوم – الصوم لا شك فيه أنه شاقٌ على النفوس , لأن الإنسان يترك فيه المألوف , من طعام وشراب , ونكاح , وهذا أمر شاق على الإنسان ولكن المؤمن حسن الخلق مع الله عز وجل , يقبل هذا التكليف , أو بعبارة أخرى : يقبل هذا التشريف , فهذه نعمة من الله عز وجل في الحقيقة , فالمؤمن يقبل هذه النعمة التي في صورة تكليف بانشراح صدر وطمأنينة , وتتسع لها نفسه فتجده يصوم الأيام الطويلة في زمن الحر الشديد , وهو بذلك راضٍ منشرح الصدر , لأنه يحسن الخلق مع ربه , لكن سيئ الخلق مع الله عز وجل يقابل مقل هذه العبادة بالضجر والكراهية, ولولا أنه يخشى من أمر لا تُحمد عقباه , لكان لا يلتزم بالصيام .
مثال آخر – الصلاة – فالصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس , وهي ثقيلة على المنافقين , كمال قال النبي عليه الصلاة والسلام ( أثقل الصلاة على المنافقين : صلاة العشاء وصلاة الفجر ) .
لكن الصلاة بالنسبة للمؤمن ليست ثقيلة قال تعالى ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) , فهي على هؤلاء غري كبيرة وإنما سهلة يسيرة , ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( و جعلت قُرة عيني في الصلاة ) .
فالصلاة هي قرة عين المؤمن , وزاده اليومي الذي يتزود به للقاء الله تعالى , ولذلك فهو يعظم قدرها لها أعظم الاهتمام , لأنها عماد الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة .
فحسن الخلق مع الله عز وجل بالنسبة للصلاة أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن ,وعينك قريرة تفرح إذا كنت متلبساً بها , وتنتظرها إذا فات وقتها , فإذا صليت الظهر , كنت في شوق إلى الصلاة العصر , وإذا صليت المغرب كنت في شوق إلى صلاة العشاء , وإذا صليت العشاء كنت في شوق إلى صلاة الفجر . و لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( يا بلال أرحنا بالصلاة ).
يقول : أرحنا بها , فإن فيها الراحة والطمأنينة والسكينة , لا كما يقول البعض : أرحنا بها , لأنها ثقيلة عليهم , وشاقة على نفوسهم . وهكذا دائماً تجعل قلبك معلقاً بهذه الصلوات فهذا لا شك أنه من حسن الخلق مع الله تعالى .
النقطة الثالثة//ومن حسن الخلق مع الله تعالى : تلقي أقدار الله تعالى بالرضا والصبر ,وكلنا نعلم أن أقدار الله عز وجل التي يجريها على خلقه ليست كلها كلائمة للخلق بمعنى أن منها ما يوافق رغبات الخلق ومنها ما لا يوافقهم .
فالمرض مثلاً : لا يلائم الإنسان , فكل إنسان يحب أن يكون صحيحاً معافى .
وكذلك الفقر : لا يلائم الإنسان , فالإنسان يحب أن يكون غنياً .
وكذلك الجهل : لا يلائم الإنسان فالإنسان يحب أن يكون عالماً . لكن أقدار الله عز وجل تتنوع لحكمة يعلمها الله عز وجل , منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتضى طبيعته , ومنها ما لا يكون كذلك . فمت هو حسن الخلق مع الله عز وجل نحو أقدار الله ؟
حسن الخلق مع الله نحو أقداره : أن ترضى بما قدر الله لك , وأن تطمئن إليه وتعلم أنه سبحانه وتعالى ما قدره إلا لحكمة عظيمة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد والشكر .
وعلى هذا فإن حسن الخلق مع الله نحو أقداره , هو أن يرض الإنسان ويستسلم ويطمئن , ولهذا امتدح الله الصابرين فقال ( ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) .
ثانياً : حسن الخلق في معاملة الخَلق :
أما حسن الخلق مع المخلوق فعرّفه بعضُهم بأنه كفُّ الأذى ، وبذلُ النّدى، وطلاقة الوجه . ويذكر ذلك عن الحسن البصري – رحمه الله.
1/ معنى كفى الأذى : معنى كف الأذى أن يكف الإنسان أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس بحسن الخلق، بل هو سيئ الخلق.
وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم حُرمة أذية المسلم بأي نوع من الإيذاء وذلك في أعظم مجمع اجتمع فيه بأمته حيث قال ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا )
إذا كان رجل يعتدي على الناس بأخذ المال، أو يعتدي على الناس بالغش، أو يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس بالسبّ والغيبة والنميمة، لا يكون هذا حسنَ الخلق مع الناس، لأنه لم يكف أذاه، ويعظم إثم ذلك كلما كان موجهاً إلى من له حق عليك أكبر.
فالإساءة إلى الوالدين مثلاً أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيراناً لك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ) قالوا : من يا رسول الله؟ قال ( من لا يأمن جاره بوائقه )
2 / معنى بذل الندي : الندى هو الكرم والجود، يعني: أن تبذل الكرم والجود. والكرم ليس كما يظنه بعض الناس أنه بذل المال فقط، بل الكرم يكون في بذل النفس، وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، وفي بذل العلم.
إذا رأينا شخصاً يقضي حوائج الناس، يساعدهم، يتوجه في شئونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليهم، ينشر علمه بين الناس، يبذل ماله بين الناس، هل نصفُ هذا بحس الخلق؟ نعم، نصفه بحسن الخلق، لأنه بذل الندى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخلق حسن )
ومن مخالفة الناس بخلق حسن : أنك إذا ظُلمت أو أسيء إليك، فإنك تعفو وتصفح وقد امتدح الله العافين عن الناس، فقال في أهل الجنة ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )
وقال تعالى ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... )
وقال تعالى ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ... )
وقال تعالى ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )
وكل إنسان يتصل بالناس، فلابد أن يجد من الناس شيئاً من الإساءة، فموقفه من هذه الإساءة أن يعفو ويصفح، وليعلم علم اليقين أنه يعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى، سوف تنقلب العداوة بينه وبين أخيه إلى ولاية، ومحبة، وصداقة، قال تعالى ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ]فصلت 34[
وتأملوا أيها العارفون باللغة العربية كيف جاءت النتيجة بإذا الفُجائية، لأن ( إذا ) الفجائية تــدل على الحــدوث الفــوري في نتيجتها ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنــَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِــيٌّ حَمــِيمٌ ) ]فصلت 34[ , ولكن ليس كل أحد يوفق لذلك قال ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ]فصلت 35[ .
هل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني محمود مطلقاً ومأمور به؟
وقد يفهم البعض من الآية هذا الكلام، ولكن ليكن معلوماً أن العفو إنما يُحمد إذا كان العفو أحمد، فإن كان الأخذ أحمد فالأخذ أفضل. ولهذا قال تعالى ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) ]الشورى 40[ , فجعل العفو مقروناً بالإصلاح.
فالعفو قد يمكن أن يكون غير إصلاح، فقد يكون هذا الذي جنى عليك واجترأ عليك رجلاً شريراً معروفاً بالشر والفساد، فلو عفوت عنه لتمادى في شره وفساده فالأفضل في هذا المــقام أن تــأخذ هذا الرجل بجريـرته، لأن في ذلك إصــلاحا ً. قال شيــخ الإسلام ابــن تيمـيه ( الإصلاح واجب، والعفو مندوب، فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوباً على واجب، وهذا لا تأتي به الشريعة ) وصدق رحمه الله .
والحاصل أن من حسن الخلق: العفو عن الناس وهذا من باب بذلك الندى، لأن بذل الندى إما إعطاء وإما إسقاط، والعفو من الإسقاط.
حسن الخُلق مع الخَلق
3 / طلاقة الوجه : وطلاقة الوجه: هو إشراقه حين مقابلة الخلق، وضدُّ ذلك عبوس الوجه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن البر فقال ( وجه طـلق ولسان لـيـّن )
وقد نظمه بعض الشعراء فقال:
بني إن البر شيء هين *** وجه طليق ولسان لين
فطلاقة الوجه وتُدخل السرور على الناس، وتجذب المودة، والمحبة، وتوجب انشراح الصدر منك وممن يقابلك.
لكن إذا كنت عبوساً ، فإن الناس ينفرون منك، ولا ينشرحون بالجلوس إليك، ولا بالتحدث معك، وربما تصاب بعُقدٍ نفسيه، وربما تصاب بالمرض الخطير وهو ما يسمى بالضغط، فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أنجع العقاقير المانعة من هذا الداء ولهذا ينصح الأطباء من ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عما يثيره ويغضبه، لأن ذلك يزيد في مرضه، فانشراحُ الصدر، وطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض، ويكون بذلك الإنسان محبوباً إلى الخلق كريماً عليهم.
هذه هي الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسنُ الخلق في معاملة الخلق.
ومن علامات حسن الخلق مع الخلق : أن يكون الإنسان حسن المعاشرة مع من يعاشره من أصدقاء وأقارب , لا يضيق بهم ولا يضيق عليه , بل يدخل السرور على قلوبهم بقدر ما يمكنه في حدود شريعة الله , وهذا القيد لا بد منه , لأن من الناس من لا يسر إلا بمعصية الله – والعياذ بالله –فهذا لا ينبغي أن نوافقه عليه , لكن إدخال السرور على من يعاشرك من أهل ,
وأصدقاء وأقارب في حدود الشرع من حسن الخلق . ولهذا قال النــبي عليه الصلاة والــسلام ( خيركم لأهله , وأنا خيركم لأهلي )
وكثير من الناس – مع الأسف الشديد يحسن الخلق مع الناس , ولكنه لا يحسن الخُلُق مع أهله , وهذا خطأ عظيم , وقلبٌ للحقائق , إذ كيف تحسن الخُلق مع الأباعد وتسيء الخلق مع الأقارب ؟ قد يقول : لأن الأقارب أمونُ عليهم . فنقول : هذا ليس بسبب يجعلك تسيء الخلق معهم , فالأقارب أحق الناس بأن تحسن إليهم في الصحبة والعشرة , ولهذا قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن مصاحبتي ؟ قال ( أمك ) قال : ثم من ؟ قال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أبوك )
والأمر عند بعض الناس على العكس تجده يسيء العشرة مع أمه , ويحسن العشرة مع زوجته , فيكون مقدماً إحسان العشرة مع زوجته التي هي عنده بمنزلة الأسير , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ) , يعني : بمنزلة الأسرى .
والحاصل : أن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من مكارم الأخلاق .
((((كيفية اكتساب مكارم الأخلاق))))
ذكرنا أولاً حسن الخلق يكون بالطبع ويكون بالتطبع , وأن حسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطـبع وذكـرنا لذلك دلـيلاً وهو قول النبــي صلى الله عليه وسلم للأشج بن عبدالقيس ( بل جبلك الله عليهما ) .
وكذلك لأن حسن الخلق بالطبع لا يزول عن الإنسان لكن حسن الخلق بالتطبع قد يفوت الإنسان في مواطن كثيرة , لأنه يحتاج إلى ممارسة وإلى معاناة وإلى رياضة ومجاهدة , وإلى تذكر ذلك عند حدوث كل ما يثير الإنسان . ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام , فقال : يا رسول الله أوصني قال ( لا تغضب ) .
فردد مراراً . قال ( لا تغضب ) وقال النبي عليه الصلاة والسلام ( ليس الشديد بالصرعة , إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) .
و الصرعة : والذي يصرع الناس كهُمزة , ولًمزة . فهمزة الذي يهمز الناس , ولمزة : الذي يلمز الناس بالعيون .
فليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم ( إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) يتحكم فيها ويملكها في مواطن الغضب , وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من محاسن الأخلاق , فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب , ولكن استعذ بالله من الشيطان الرجيم , وإذا كنت قائماً فاجلس , وإذا كنت جالساً فاضطجع , وإذا ازداد الغضب فتوضأ حتى يزول عنك .
ويستطيع الإنسان اكتساب مكارم الأخلاق , وذلك عن طريق الممارسة , والمجاهدة , والتمرين فيكون الإنسان حسن الخلق لأمور منها :
أولاً : أن ينظر في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم : ينظر النصوص الدالة على مدح ذلك الخلق العظيم الذي يريد أن يتخلق به . فالمؤمن إذا رأى النصوص تمدح شيئاً من الأخلاق أو الأفعال , فإنه سوف يقوم به .
والنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى ذلك في قوله ( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وأما أن تجد منه ريحاً طيبة ونافح الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة ).
ثانياً : أن يصاحب من عرفوا بحسن الأخلاق , والبعد عن مساوئ الأخلاق و سفاسف الأعمال حتى يجعل من هذه الصحبة مدرسة يستعينُ بها على حسن الخلق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ).
ثالثا ً : أن يتأمل الإنسان ماذا يترتب على سوء خلقه : فسيئ الخلق ممقوت سيئ الخلق مهجور سيئ الخلق مذكور بالذكر القبيح فإذا علم الإنسان أن سوء الخلق يفضي به إلى هذا فإنه يبتعد عنه .
رابعاً : أن يستحضر الإنسان دائماً صورة خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكيف أنه كان يتواضع للخلق , ويحلم عليهم , ويعفو عنهم ويصبر على أذاهم , فإذا استحضر الإنسان أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه خير البشر وأفضل من عبد الله تعالى , هانت على الإنسان نفسه وانكسرت صولة الكبر فيها فكان ذلك داعياً إلى حسن الخلق .
والآن هاك أخي وأخيتي صورا من مكارم الأخلاق :
(((صور من مكارم الأخلاق)))
ومن مكارم الأخلاق أن تصل من قطعك : من الأقارب ممن تجب صلتهم عليك , إذا قطعوك , فصلهم ولا تقل : من وصلني وصلته ! فإن هذا ليس بصلة , كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ( ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من إذا قطعت رحمها وصلها ) فالواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها .
وسأل النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال : يا رسول الله , إن لي أقارب أصلهم ويقطعوني , وأحسن إليهم ويسيئون إلي , وأحلم عنهم ويجهلون علي ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن كـنت كما قلـت فكأنـما تسفهم الملَّ ولا يـزال مـعك من الله ظهير عليهم ما دمـت على ذلـك ). وقوله ( تسفهم المل ) أي : كأنما تضع التراب أو الرماد الحار في أفواههم .
وإذا كان وصل من قطعك يعد من مكارم الأخلاق فكذلك وصل من وصلك هو أيضاً من هذا الباب , لأن من وصلك وهو قريب , صار له حقان : حق القرابة , وحق المكافأة , لقول النبي عليه الصلاة والسلام ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ) .
وكذلك عليك أن تعطي من حرمك . أي : من منعك ولا تقل : منعني , فلا أعطيه .
وتعفو عمن ظلمك , أي من انتقصك حقك : إما بالعدوان وإما بعدم القيام بالواجب .
والظلم يدور على أمرين : اعتداء وجحود : إما أن يعتدي عليك بالضرب وأخذ المال وهتك العرض وإما أن يجحدك فيمنعك حقك .
وكمال الإنسان أن يعفو عمن ظلمه , ولكن العفو إنما يكون عند القدرة على الانتقام , فأنت تعفو مع قدرتك على الانتقام لأمور :
1 / رجاء لمغفرة الله عز وجل ورحمته فإن ممن عفا وأصلح فأجره على الله .
2 / لإصلاح الود بينك وبين صاحبك لأنك إذا قابلت إساءته بإساءة , استمرت الإساءة بينكما , وإذا قابلت إساءة بإحسان , عاد إلى الإحسان إليك وخجل .
قال تعالى ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ).
فالعفو عند المقدرة من مكارم الأخلاق , لكن بشروط أن يكون العفو إصلاحاً , فإن تضمن العفو إساءة فإنه لا يندب إلى ذلك , لأن الله اشترط , فقال ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ )أي كان في عفوه إصلاح , أما من كان في عفوه إساءة أو كان سبباً للإساءة , فهنا نقول : لا تعف ! مثل أن يعفو عن مجرم , ويكون عفوه هذا سبباً لاستمرار هذا المجرم في إجرامه فترك العفو هنا أفضل وربما يجب ترك العفو حينئذٍ .
والآن هاك أخي وأخيتي صورا من مكارم الأخلاق :
(((صور من مكارم الأخلاق)))
ومن مكارم الأخلاق أن تصل من قطعك : من الأقارب ممن تجب صلتهم عليك , إذا قطعوك , فصلهم ولا تقل : من وصلني وصلته ! فإن هذا ليس بصلة , كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ( ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من إذا قطعت رحمها وصلها ) فالواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها .
وسأل النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال : يا رسول الله , إن لي أقارب أصلهم ويقطعوني , وأحسن إليهم ويسيئون إلي , وأحلم عنهم ويجهلون علي ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن كـنت كما قلـت فكأنـما تسفهم الملَّ ولا يـزال مـعك من الله ظهير عليهم ما دمـت على ذلـك ). وقوله ( تسفهم المل ) أي : كأنما تضع التراب أو الرماد الحار في أفواههم .
وإذا كان وصل من قطعك يعد من مكارم الأخلاق فكذلك وصل من وصلك هو أيضاً من هذا الباب , لأن من وصلك وهو قريب , صار له حقان : حق القرابة , وحق المكافأة , لقول النبي عليه الصلاة والسلام ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ) .
وكذلك عليك أن تعطي من حرمك . أي : من منعك ولا تقل : منعني , فلا أعطيه .
وتعفو عمن ظلمك , أي من انتقصك حقك : إما بالعدوان وإما بعدم القيام بالواجب .
والظلم يدور على أمرين : اعتداء وجحود : إما أن يعتدي عليك بالضرب وأخذ المال وهتك العرض وإما أن يجحدك فيمنعك حقك .
وكمال الإنسان أن يعفو عمن ظلمه , ولكن العفو إنما يكون عند القدرة على الانتقام , فأنت تعفو مع قدرتك على الانتقام لأمور :
1 / رجاء لمغفرة الله عز وجل ورحمته فإن ممن عفا وأصلح فأجره على الله .
2 / لإصلاح الود بينك وبين صاحبك لأنك إذا قابلت إساءته بإساءة , استمرت الإساءة بينكما , وإذا قابلت إساءة بإحسان , عاد إلى الإحسان إليك وخجل .
قال تعالى ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ).
فالعفو عند المقدرة من مكارم الأخلاق , لكن بشروط أن يكون العفو إصلاحاً , فإن تضمن العفو إساءة فإنه لا يندب إلى ذلك , لأن الله اشترط , فقال ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ )أي كان في عفوه إصلاح , أما من كان في عفوه إساءة أو كان سبباً للإساءة , فهنا نقول : لا تعف ! مثل أن يعفو عن مجرم , ويكون عفوه هذا سبباً لاستمرار هذا المجرم في إجرامه فترك العفو هنا أفضل وربما يجب ترك العفو حينئذٍ .
ومن مكارم الأخلاق أيضاً بر الوالدين : وذلك لعظم حقهما . فلم يجعل الله لأحد حقاً يلي حقه وحق رسوله صلى الله عليه وسلم إلا للوالدين . فقال ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )
وحق الرسول ضمن الأمر بعبادة الله , لأنه لا تتحقق العبادة حتى يقوم العبد بحق الرسول عليه الصلاة والسلام , بمحبته واتباع سبيله , ولهذا كان داخلاً في قوله ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) وكيف يعبد الله إلا من طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!
وإذا عبد الله على مقتضى شريعة الرسول صلى اله عليه وسلم , فقد أدى حقه .
ثم يلي ذلك حق الوالدين , فالوالدين تعبا على الولد , ولا سيما الأم قال الله تعالى ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيــْهِ إِحْسَانًا حَمــَلَتْهُ أُمُّهُ كُــرْهًا وَوَضَعـَتْهُ كُرْهًا ) , وفي آية أخـرى ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) . فالأم تتعب في الحمل , وعند الوضع , وبعد الوضع وترحم صبيها أشد من رحمة الوالد له , ولهذا كانت أحق الناس بحسن الصحبة والبر حتى من الأب .
قال رجل يا رسول الله من أحـق الناس بحـسن مصـاحبتي ؟ قال ( أمـك ) قال : ثم مـن ؟ قـال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أمك ) قال ثم من ؟ قال ( أبوك ) .
والأب أيضاً يتعب على أولاده ويضجر بضجرهم ويفرح لفرحهم ويسعى بكل الأسباب التي فيها راحتهم وطمأنينتهم وحسن عيشهم , يضرب الفيافي والقفار من أجل تحصيل العيش له ولأولاده .
فكل من الأب والأم له حق , ومهما عملت من العمل فلن تقضي حقمها , ولهذا قال الله عز وجل ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا )]الإسراء24[ فحقهم سابق , حيث ربياك صغيراً حين كنت لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً فواجبهما البر .
*والبر فرض عين بالإجماع على كل واحد من الناس , ولهذا قدمه النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله , كما في حديث ابن مسعود , قال , قلت : يا رسول الله , أي العمل أحب إلى الله ؟ قال ( الصلاة في وقتها ) وقلت : ثم أي ؟ قال ( بر الوالدين ) قلت : ثم أي ؟ قال ( الجهاد في سبيل الله ) .
*والولدان هما الأب والأم , أما الجد والجدة فلهما بر , لكنه لا يساوي بر الأم والأب , لأن الجد والجدة لم يحصل لهما ما حصل للأم والأب من التعب , والرعاية والملاحظة , فكان برهما واجباً من باب الصلة , أما البر فإنه للأم والأب .
لكن ما معنى البر ؟
البر : إيصال الخير بقدر ما تستطيع , وكف الشر .
إيصال الخير بالمال , وإيصال الخير بالخدمة , وإيصال الخير بإدخال السرور عليهما , من طلاقة الوجه وحسن المقال والفعال ’ وبكل ما فيه راحتهما .
*ولهذا كان القول الراجح وجوب خدمة الأب والأم على الأولاد إذا لم يحصل عليه بضرر , فإن كان عليه ضرر , لم يجب عليه خدمتهما , اللهم إلا عند الضرورة .
ولهذا نقول : إن طاعتهما واجبة فيما فيه نفع لهما , ولا ضرر على الولد فيه , أما ما فيه ضرر عليه , سواء كان ضرراً دينياً , كأن يأمراه بترك واجب , أو فعل محرم , فإنه لا طاعة لهما في ذلك , أو كان ضرراً بدنياً , فلا يجب عليه طاعتهما . أما المال فيجب عليه أن يبرهما ببذله , واو كثر , إذا لم يكن عليه ضرر , ولم تتعلق به حاجة , والأب خاصة له أن يأخذ من مال ولده ما شاء ما لم يضر .
وإذا تأملنا في أحوال الناس اليوم , وجدنا كثيراً منهم لا يبر بوالديه , بل هو عاق , تجده يحسن إلى أصحابه , ولا يمل الجلوس معهم , لكن لو يجلس إلى أبيه أو أمه ساعة نهار لوجدته متمللاً , كأنما هو على الجمر , فهذا ليس ببار , بل البار من ينشرح صدره لأمه , وأبيه , ويخدمهما على أهداب عينيه , ويحرص غاية الحرص على رضاهما بكل ما يستطيع .
وكما قالت العامة ( البر أسلاف ) فإن البر مع كونه يحصل به البار على ثواب عظيم في الآخرة , فإنه يجازى به في الدنيا , فالبر والعقوق كما يقول العامة ( أسلاف ) أقرض , تستوف إن قدمت البر لأبيك وأمك , برك أولادك , وإن قدمت العقوق عقك أولادك .
وهناك حكايات كثيرة في أن من الناس بر والديه فبر به أولاده , وكذلك في العقوق هناك حكايات تدل على أن الإنسان إذا عق أباه عقه أولاده .
ومن مكارم الأخلاق أيضاً صلة الأرحام : وهناك فرق بين الوالدين , والأقارب الآخرين , فالأقارب لهم الصلة , والوالدان لهما البر . والبر أعلى من الصلة , لأن البر كثيرة الخير والإحسان , لكن الصلة ألا يقـطع , ولهذا يقال في تارك الــبر : إنه عاق , ويـقال فيمن لم يصل : إنه قاطع !
فصلة الأرحام واجبة , وقطعها سبب للعنة والحرمان من دخول الجنة , قال الله تعالى ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) , وقال النبي عليه الصلاة والسلام ( لا يدخل الجـنة قاطع ) أي قاطع رحم , والصلة جاءت في القرآن والسنة مطلقة .
وكُل ما أتى وَلَم يُحددِ *** بِالشرعِ كالحرِز فالعُرفِ احْدُدِ
وعلى هذا , يرجع إلى العرف فيها , فما سماه الناس صلة , فهو صلة , وما سموه قطيعة , فهو قطيعة , وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة والأمم .
إذا كان الناس في حالة فقر وأنت غني , وأقاربك فقراء , فصلتهم أن تعطيهم بقدر حالك .
*وفي زماننا هذا الصلة بين الناس قليلة , وذلك لانشغال الناس في حوائجهم , وانشغال
بعضهم عن بعض والصلة التامة أن تبحث عن حالهم , وكيف أولادهم , وترى مشاكلهم , ولكن هذه الأمور مع الأسف مفقودة عند كثير من الناس .
ومن مكارم الأخلاق أيضاً حسن الجوار مع الجيران:
والجيران : هم الأقارب من المنزل , وأدناهم أولاهم بالإحسان والإكرام قال تعالى ( ... وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّــبِيلِ وَمَا مَلَكَــتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللــَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخــُورًا ) , فأوصى الله بالإحسان إلى الجار القريب والجار البعيد .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر, فليكرم جاره ).
وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا طبخت مرقة , فأكثر ماءها , وتعاهد جيرانك ).
وقال صلى الله عليه وسلم ( وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) .
وقال صلى الله عليه وسلم ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) قيل من يا رسول الله ؟ قال ( الذي لا يأمن جاره بوائقه ), أي شروره وغوائله .
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالجار والإحسان إليه وإكرامه .
*والجار إن كان مسلماً قريباً , كان له ثلاثة حقوق : حق الإسلام , وحق القرابة , وحق الجوار .
وإن كان قريباً جاراًً , فله حقان : حق القرابة وحق الجار .
وإن كان مسلماً غير قريب وهو جار فله حقان : حق الإسلام وحق الجوار .
وإن كان جاراً كافراً , فله حق واحد فقط , وهو : حق الجوار .
*فمن مكارم الأخلاق حسن الجوار مطلقاً : أياً كان الجار , ومن كان أقرب فهو أولى .
*ومن المؤسف أن بعض الناس اليوم يسيئون إلى الجار أكثر مما يسيئون إلى غيره , فتجده يعتدي على جاره بالأخذ من ملكه وإزعاجه .
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله في آخر باب الصلح في الفقه شيئاً من أحكام الجوار فليرجع إليه
ومن مكارم الأخلاق أيضاً الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل :
واليتامى : جمع يتيم وهو الذي مات أبوه قبل بلوغه . وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى اليتامى , وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم حث عليه في عدة أحاديث .
ووجه ذلك : أن اليتيم قد انكسر قلبه بفقد أبيه , فهو في حاجة إلى العناية والرفق .
والإحسان إلى اليتامى يكون بحسب الحال .
والمساكين : هم الفقراء , وهو هنا شامل للمسكين والفقير .
فالإحسان إليهم مما أمر به الشرع في آيات متعددة من القرآن , وجعل لهم حقوقاً خاصة في الفيء وغيره .
ووجه الإحسان إليهم أن الفقراء أسكنهم , وأضعفهم وكسر قلوبهم , فكان من محاسن الإسلام ومكارم الأخلاق أن نحسن إليهم جبراً لما حصل لهم من النقص والانكسار .
والإحسان إلى المساكين يكون بحسب الحال : فإذا كان محتاجاً إلى طعام , فالإحسان إليه بأن تطعمه , وإذا كان محتاجاً إلى كسوة , فالإحسان إليه بأن تكسوه , ويكون أيضاً بأن توليه اعتباراً , فإذا دخل المجلس , ترحب به , وتقدمه لأجل أن ترفع معنويته .
فمن أجل النقص الذي قدره الله عز وجل عليه بحكمته أمرنا عز وجل أن نحسن إليهم .
كذلك ابن السبيل وهو المسافر : وهو هنا المسافر الذي انقطع به السفر أو لم ينقطع بخلاف الزكاة , لأن المسافر غريب , والغريب مستوحش , فإذا آنسته بإكرامه والإحسان إليه , فإن هذا مما يأمر به الشرع .
إذا نزل ابن سبيل بك ضيفاً , فمن مكارم الأخلاق أن تكرم ضيافته , لكن قال بعض العلماء : إنه لا يجب إكرامه بضيافته إلا في القرى دون الأمصار !
ونحن نقول : بل هي واجبة في القرى والأمصار , إلا أن يكون هناك سبب , كضيق البيت مثلاً , أو أسباب أخرى تمنع أن تضيف هذا الرجل , لكن على كل حال ينبغي إذا تعذر أن تحسن الرد .
ومن مكارم الأخلاق أيضاً الرفق بالمملوك والخادم : والمملوك يشمل المملوك الآدمي والبهيم , فالرفق بالمملوك الآدمي بأن تطعمه إذا طعمت وتكسوه إذا اكتسيت , ولا تكلفه ما لا يطيق .
والرفق من البهائم سواء كانت مما تركب , ا, تحلب أو تقتنى , يختلف بحسب ما تحتاج إليه , ففي الشتاء تجعل في الأماكن الدافئة إذا كانت لا تتحمل الحر ويؤتى لها بالطعام , وبالشراب إن لم تحصل عليه بنفسها بالرعي , وإذا كانت مما تحمل , فلا تحمل ما لا تطيق .
وهذا يدل على كمال الشرع ,وأنه لم ينس حتى البهائم بل جعل لها حقاً .
ومن مكارم الأخلاق أيضاً ترك الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق : فالفخر بالقول والخيلاء بالفعل والبغي والعدوان والاستطالة : الترفع والاستعلاء .
فالإنسان منهي أن يتفاخر على غيره بقوله , فيقول : أنا العالم ! أنا الغني ! أنا الشجاع !
وإن زاد على ذلك يستطيل على الآخرين ويقول : ماذا أنتم عندي ؟ فيكون هذا فيه بغي واستطالة على الخلق .
والخيلاء تكون بأفعال , يتخايل في مشيته وفي وجهه وفي رفع رأسه ورقبته إذا مشي , كأنه إلى السماء , والله عز وجل وبخ من هذا الفعل فقال ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا )
فالواجب أن تكون متواضعاً في القول وفي الفعل , لا تثن على نفسك بصفاتك الحميدة , إلا حيث دعت الضرورة أو الحاجة إلى ذلك , كقول ابن مسعود رضي الله عنه ( لو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه ) , فإنه رضي الله عنه قصد بذلك أمرين :
الأول : حث الناس على تعلم كتاب الله تعالى .
الثاني : دعوتهم للتلقي عنه .
والإنسان ذو الصفات الحميدة لا يظن أن الناس تخفى عليهم خصاله أبداً , وساء ذكرها الناس أم لم يذكرها , بل إن الرجل إذا صار يعدد صفاته الحميد أمام الناس , سقط من أعينهم, فاحذر هذا الأمر .
والبغي : العدوان على الغير ومواقعه ثلاثة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله ( إن دماءكم , وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ), فالبغي على الخلق يكون في الأموال , والدماء والأعراض .
ففي الأموال : مثل أن يدعي ما ليس له , أو ينكر ما كان عليه , أو يأخذ ما ليس له , فهذا بغي في الأموال .
وفي الدماء : القتل فما دونه , كأن يعتدي على الإنسان بالجرح والقتل
وفي الأعراض : يحتمل أن يراد بالأعراض : السمعة , فيعتدي عليه بالغيبة التي يشوه بها سمعته , ويحتمل أن يراد بها الزنى وما دونه , والكل محرم , فمن مكارم الأخلاق ترك الاعتداء على الأموال والدماء والأعراض
*وكذلك الاستطالة على الخلق , يعني : الاستعلاء عليهم بحق أو بغير حق , وحقيقة الـأمر أن يكون من شكر الله عليه أن إذا منَّ عليك بفضل على غيرك من مال أو جاه أو سيادة , أو علم , أو غير ذلك , فإنه ينبغي أن تزداد تواضعاً , حتى تضيف إلى الحسن حسنى , لأن الذي يتواضع في موضع الرفعة هو المتواضع حقيقة
(((أخلاق غير المسلمين)))
يورد كثير من الناس أن أهل الغرب أحسن أخلاقاً منا في تعاملهم و وبيعهم وشرائهم بينما تجد الغش والكذب وإنفاق السلة بالحلف الكاذب منتشراً بين صفوفنا نحن المسلمين .
وللرد على هذه الفرية نقول : قال النبي عليه الصلاة والسلام ( البينة على المدعي ) , وما كان مشهوراً بين الناس من أن الغرب عندهم حسن الخلق في المعاملة فهذا ليس بصحيح , فإن عندهم من سوء المعاملة ما يعرفه من ذهب إليهم ونظر إليهم بعين العدل والإنصاف دون النظر إليهم بعين الإجلال , والإكبار فقد قال الشاعر :
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ *** كما أن عين السخط تبدي المساويا
ولقد حدثني كثير من الشباب الثقات الذين ذهبوا إلى الغرب عن أفعال من أسوأ الأخلاق , لكنهم هم إذا نصحوا فيما ينصحون فيه من البيع والشراء , فليس لأنهم ذوو أخلاق , وإنما لأنهم عباد مادة , والإنسان كلما كان أنصح في معاملة من هذه المعاملات الدنيوية كان الناس إليه أقبل وإلى شراء سلعته وترويجها أسرع .
فهم لا يفعلون ذلك لأنهم كاملوا الأخلاق , لكن لأنهم أصحاب مادة , ويرون من أكبر الدعايات لتنمية أموالهم أن يحسنوا المعاملة , من أجل أن يجذبوا إليهم الأعداد الكبيرة . وإلا فهم كما وصفهم الله عز وجل ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) , ولا أظن أحداً أصدق وصفاً من الله عز وجل للكافرين , فإنهم شر البرية , وكيف يرجى خيرٌ مقصود لذاته من قوم وصفهم الله بأنهم شر البرية , لا أعتقد أن ذلك يكون أبداً , لكن ما يوجد فيهم من الصدق والبيان , والنصح في بعض المعاملات , إنما هو مقصود لغيره عندهم , وهو الحصول على المادة والكسب , وإلا فمن رأى ظلمهم وغُشمهم واستطالتهم على الخلق في مواطن كثيرة , عرف مصداق قوله تعالى (أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ).
وأما بالنسبة لما وقع من كثير من المسلمين , من الغش والكذب والخيانة في المعاملات فإن هؤلاء المسلمين نقصوا من إسلامهم وإيمانهم بقدر ما خالفوا الشريعة فيه من هذه المعاملات
فلا يعني أن مخالفة بعض المسلمين وخروجهم عن إطار الشريعة في مثل هذه الأمور , لا يعني ذلك النقص في الشريعة نفسها , فالشريعة كاملة , وهؤلاء الذين أساءوا إلى شريعة الإسلام , ثم إلى إخوانهم المسلمين , هؤلاء أساءوا إلى أنفسهم فقط , والعاقل لا يجعل إساءة العامل سوءاً في الشريعة التي ينتمي إليها هذا العامل .
ولذلك فإنني أرجو من جميع المسلمين أن تكون لهم حملة قوية في محاربة هذه الأمور التي لا يقرها الإسلام من الكذب والخيانة والغش والخداع وما أشبه ذلك .
فلا بد أن نبين للناس أن من كمال الدين كمال الخلق كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) .
وعلى هذا فكل من كان ناقص الخلق فهو ناقص الدين , فكمال الدين بكمال الخلق , ولذلك فإن تأثير كامل الخلق على غيره من جَلبِهِ إلى الإسلام وإلى الدين أكبر من تأثير ذي الديانة السيئ الخلق , فإذا وفق من كان قوياً في العبادة إلى كمال الخلق كان ذلك أحسن وأكمل .
آداب وضوابط المجتمع الإسلامي
من خلال سورة الحجرات
المبحث الأول : تعريف عام بسورة الحجرات:
تتألف سورة الحجرات من ثمانية عشرة آية وهي سورة مدنية، وقد حكى الإمام القرطبي الإجماع على ذلك،واسمها "الحجرات" بضمتين جمع حجرة – بسكون الجيم – والمراد بها بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لمكان نداء الرجل من وفد بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات كما ورد من عدة طرق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإن المتأمل في مضمون هذه السورة يجدها تتناول الكثير من الضوابط والآداب التي تحكم سير المجتمع الإسلامي بما يضمن له الانضباط والانقياد لإمرة هذا الدين العظيم، ويجدها ترتقي بالمجتمع الإسلامي وأفراده إلى آفاق خُلقية سامية، ولقد تأملت السورة فاستخلصت بعض الخصائص المميزة التي ساهمت في تحقيق مهمتها من حيث توجيه وتأصيل المنظومة الأخلاقية للمجتمع الإسلامي حتى صح أن توصف هذه السورة بأنها سورة الأخلاق في القرآن الكريم. وفيما يلي بيان بعض هذه الخصائص :
1- تناولت هذه السورة على قِصرها كل محاور العلاقات الاجتماعية فبيَّنت ضوابط علاقة المجتمع المسلم بمصدر التشريع، وعلاقة المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات، وعلاقته ببعضه البعض أفراداً وجماعات وبيَّنت منظومة المجتمع الأخلاقية التي تحلي جِيده، كما بيَّنت علاقته بالإنسانية جمعاء، فكانت آية في الإيجاز والإعجاز بحيث قدمت ما عجزت الحضارات الإنسانية جمعاء من تقديمه أو تقديم جزء منه على مدى التاريخ، وها نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين والإنسانية لا تزال تتخبط وتتناقض في ضبط علاقاتها وتكييف أخلاقها، ولكن هيهات أن يأتي المخلوق بمثل ما أتي به الخالق عز وجل.
2- يلاحظ أن معظم آيات هذه السورة الكريمة قد نزلت في مناسبات محددة، ومعلوم أن آيات القرآن تنقسم إلى ما نزل لمحض هداية البشر وما نزل للحكم والفصل على واقعة معينة، ولهذا الأمر أهميته القصوى بسبب طبيعة الأمور التي تعالجها هذه السورة، فالأخلاق النظرية المتولدة عن أهواء واضعيها تبقى نظريات مدفونة في كتابات أصحابها ومُنظِّريها لا تلبث أن تئدها الفطرة السليمة فورما تصطدم بها في معترك الواقع، أما الأخلاق السليمة فهي القادرة على التعامل المباشر مع الواقع الاجتماعي بكل ما فيه من انحراف وخطأ بحيث لا تعجز عن النزول إلى الميدان الاجتماعي مهما كان، فتتعامل معه وتترجم التوجيهات الأخلاقية إلى سلوكيات واقعية عملية تصحح الزلل وتقوم الانحراف، وهذا ما تم فعلاً من خلال تنزلات آي السورة على جملة من الوقائع والأحداث الحقيقية كما سيتبين معنا إن شاء الله.
3- التناسب الدقيق ما بين الآيات وخواتيمها – وهو متحقق في القرآن الكريم كله – ولكنه شديد الوضوح والأهمية في هذه السورة بسبب طبيعة الأمر الذي تتناوله. ففي مقام التنفير من أبشع السلوكيات وفي أكثر مشاهد السورة نفوراً للطبع السليم يأتي التذكير بالتقوى مشفوعاً بالتذكير بأن الله تواب رحيم، وفي مقام رد جفاة الأعراب عن اقتحامهم مجال العلم والعقيدة والسلوك على غير هدى يفتح باب التوبة بالتذكير بأن الله غفور رحيم، وهكذا.
والحقيقة أن أي وصف لخصائص هذه السورة سيأتي قاصراً عن الوفاء بحق الموصوف، ولا مندوحة للمرء من معاينة هذه السورة تلاوةً وتدبراً وتطبيقاً حتى يستطيع التحليق في سمائها والتمثل بتوجيهاتها، نعم إنها سورة الأخلاق في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: آداب المجتمع الإسلامي :
إن المجتمع الإسلامي مجتمع محكوم بشرع الله سبحانه وتعالى؛ وهذا يعني أن تركيب هذا المجتمع يعتمد على ثلاثة أقطاب : مشرِّع ومبلِّغ ومنفِّذ منقاد. وإن هذا التركيب يفرض أنواعاً من التعاملات والسلوكيات ما بين الرعية والسلطة التشريعية من جهة، والقيادة والرعية من جهة، وأفراد المجتمع المسلم من جهة أخرى. ولسوف نتناول فيما يلي مجموعة الآداب هذه بحسب جهة التعامل كما وردت في هذه السورة إن شاء الله.
النقطة الأولى: آداب التعامل مع السلطة التشريعية :
لا شك أن تحرير آداب التعامل مع الله تعالى ومع الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار دوره التشريعي هو الخطوة الأولى في تزكية المجتمع الإسلامي، وهو ما افتتحت السورة الكريمة به تأصيلاً وتأديباً لجماعة المسلمين، قال تعالى:" يأيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضُّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم" ولقد تعددت روايات أسباب نزول هذه الآيات ولكنني أقتصر على ذكر بعضها ملتزماً ما صح من جهة ومقتصراً على ما يفي بغرض إظهار المسلك التربوي لهذه السورة من جهة أخرى؛
فقد روى ابن أبي مليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع وأشار الآخر برجلٍ آخر – قال نافع -لا أحفظ اسمه – فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي. قال : ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله :"يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم" الآية، وفي رواية ابن جريج :فنزلت : " يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله – إلى قوله – ولو أنهم صبروا"، ولقد وردت – كما قلت – أسباب أخرى لنزول الآيات، ولكن في هذه القصة الصحيحة الثابتة ما يكفي من حيث بيان معالم الأدب في التعامل مع الجهة المشرِّعة عموماً ، وبعض خصائص التعامل مع شخص النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً، كما سنبينه لاحقاً، ولكني أردت التعليق على بعض الأمور الظاهرة في قصة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما :
إن نفس القصة وكونها في تقديم الرأي في تعيين أميرٍ على وفد من الوفود قصة قد يراها البعض هينة غير ذات شأن، ومع ذلك كان الأخذ شديداً على يد من خرق ضوابط وقواعد الأدب في التعامل مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من حيث التقدم بالحديث والرأي قبل بيان الأمر من جهة المشرِّع؛ إن الجرأة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم غير مقبولة وغير واردة البتة من أي فرد من أفراد المجتمع الذي يجب أن يكون دأبه : من الله الأمر وعلى الرسول البلاغ وعلينا السمع والطاعة.
1- إن الأخذ على يد الشيخين الصحابيين الجليلين المبشرين بالجنة وهما خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم دليل آخر على حساسية الأمر وأهمية المبدأ؛ وتأمل معي لفظ راوي الحديث : كاد الخيِّران أن يهلكا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. قلت: فإذا كاد الخيران أن يهلكا بمثل هذه المعصية فما بالك بمن هو دونهما في الفضل والإيمان والسبق والمكانة؟! الأمر عظيم إذاً والخطب جلل بلا ريب.
2- تكفل الوحي بذم هذه المخالفات مباشرة لا عن طريق الس
|