الاستقامة الحقة
اعلم يا أخي ـ سدد الله خطانا جميعاً إلى ما يحبه الله ويرضاه ـ أن الاستقامة هي الاعتدال والسير على الطريق دون انحراف ، وهي روحٌ يحي العبد بها أحواله ، وتصفَّى وتنمو بها أعماله ، فلا صحة ولا عافية بدونها إذ يحقق بها آماله .
وقد حث عليها ربنا جلّ جلاله بقوله : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (فصلت:30) وقال تعالى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (هود:1121) وقال تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (فصلت:6) وقال تعالى : وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً (الجـن:16).
وأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " ووصى بها أحد أصحابه عندما سأله : يارسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك قال :"قل آمنت بالله ثم استقم "
واعلم أن العلماء عرفوا الاستقامة بتعاريف عدة ذكرت لك اثنين منها وثالثهما : (المتابعة لطريقة النبي صلى الله عليه وسلم مع التخلق بالأخلاق الحسنة دون هوىً أو ابتداع )
مظاهر الاستقامة : 1. الاستقامة على التوحيد الخالص :
فيوحد الله توحيداً صادقاً في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ؛ فلا شرك رياء أو شرك إخلاص .ولما سئل أبوبكر الصديق رضي الله عنه عن معنى الاستقامة قال :"أن لا تشرك بالله شيئاً ".
2. الاستقامة على الأمر والنهي :
قال عمر رضي الله عنه "الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب .
فلا يكن ـ يا أخي ـ حالك كحال ال*** يأتي إلى الأسد ويقول يا ملك الغابة غيِّر لي أسمي فإن " *** " أسم قبيح فيقول له الأسد :إذن احتفظ بقطعة اللحم هذه إلى الليل فإن احتفظت بها غيرنا لك الاسم ،فلما كان وقت الظهيرة واشتد به الجوع نظر إلى قطعة اللحم وقال : *** *** إن "*** " اسم جميل ثم التهم قطعة اللحم ، فلما كان الليل أتى إلى الأسد فقال له :غير لي اسمي فقال له الأسد ائتمناك بعض يوم على قطعة من اللحم فلم توفِّ ،فكيف نأتمنك على الاسم الجميل ؟!
3. الاستقامة على المحبة :
وذلك بأن تستقيم على محبته وعبوديته فتحبه وتحب من يحبه وتحب كل عمل يقربك إلى حبه فلا تلتفت عنه يمنة ولا يسرة .
وإن أردت ـ أخي ـ أن تتدرج في سلم الاستقامة فاعلم أنها درجات : أولها : الاستقامة عى الاجتهاد في الاعتدال :فلا إفراط يتجاوز حد الإخلاص ، ورسم العلم ، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تفريط بتضييع أوامر الله والابتداع في دين الله ، وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنه فقال :{إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنة أفلح ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر}
ثانيها :الاستقامة على الأحوال :فتشاهد أفعال الله وحكمه في الأوامر والنواهي والثواب والعقاب والموالاة والمعاداة والفرق بين مايحبه ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه .
ثالثها :الاستقامة بترك رؤية الاستقامة :لأنك يا أخي لو رأيت استقامتك أو ادعيتها حجبك ذلك عن نور المعرفة الإلهية ومشاهدة أن الله هو المقوم لك وما أنت فإنك لله وبالله وعلى أمر الله .
وللاستقامة مراتب ثلاث :
1) التقويم : وذلك من خلال تأديب النفس بإصلاح أحوالك وتعديل أعمالك بميزان الخوف والرجاء فتعتاد الخير وتنفر من الشر .
2) الإقامة :وهي تهذيب النفس وتطهير القلب من الأدران والأوساخ الباطنة من حقد وحسد وعجب ورياء وسمعة وحب الظهور والرئاسة أو كبر ونفاق والعياذ بالله .
3) الاستقامة :بأن تكون أعمال العبد كلها موزونة بميزان الشرع الطهر دون تكلف تقويم أو إقامة .
وإذا أردت أن تعرف من هو المستقيم فهذه علاماته فتأملها:أ) الصبر عند الشدائد .(ب) والثبات عند البلايا. (ج) والإعراض عن الجاهلين .(د) والصفح عن المسيئين .(هـ)وأن لا يكون للهوى والشهوة سلطان على نفسه.(و) وأن زخارف الدنيا لا تصده ولا تشغله عن طاعة مولاه. (ز) وهو يراقب الله في السر والعلن وأنه سبحانه مطلع على جميع أفعاله وأعماله. (ح)ويعلم أنه سبحانه يجازي من أطاعه ويحل غضبه على من خالفه وعصاه ..
فكن ـ أخي ـ يقظاً يقظة تامة متدبراً متحرياً على الدوام لحدود الطريق واضبط انفعالاتك وتصرفاتك حتى لا تميلك ميلاً قلَّ أو كثر عن الاتجاه الصحيح.فالاستقامة إذن ؛ شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة.