همسات عالِم (2)
همسات من الزنزانة
________________
من داخل زنزانتي ، أبث شكواي ، لحظات شوقي ... ضعفي ... أمنياتي ، أسأل الله تعالى ثباتاً على أيام ما كنت أدري وقتها متى و أين و كيف و هل ستنتهي ،
فألمح من يحسبني أبث الذي يتبعه الغاوون !
يا قوم ، ألست بشر مثلكم ، آكل مما تأكلون و أشرب مما تشربون ،
أتألم ، أحزن ، أبكي ، تفيض عبراتي ، فعلام تتهموني ؟
أخلقني ربي من غير جنسكم ؟ من أين لي عصمة ، ما كانت ليعقوب ففاضت عيناه من الحزن و هو كظيم ،
و فاضت عيني حبيبي صلى الله عليه و سلم لما فارقه من كتب الله عليّ أن يفارقني مثله ، و ما اتبعت إلا سنته ، و ما قلت إلا مثل ما قال ، و إني لفراقك يا حبيبي لمحزون ،
فَفِيمَ قسوتكم عليّ ، و أي شئ حملكم على سوء الظن بي ، أني لمّا سُقت إليكم بعضي أني نسيت من تنادي و امعتصماه ، و يصم أُذنايّ أنينها ، و يجرح عزتي ذل عفتها ، و يعصف الحزن بي فتفارقني هجعة تقتحمها بطيفها ، تسائلني
متى تكون أُمتك مثل أُمة المعتصم لأِجدد فيكم النداء ؟
فيا من عاتبتني ، يا من أنت من أُمتي ، أَفقهت سؤالها ؟
و هل ستسعى معي لفك أسرها ، أم تراني سأبقى يصدُق فيّ قول القائل
فماذا جنيت بأني عذبٌ
وأني عليل كما النسماتِ
تمر القوافل بي لا تبالي
فقد بُح صوتي و جفت شفاتي .
أنين عالِم
________
أبعد أن كنت أقرب إليّ من نفسي ، سنوات تجاورنا ، أنين شكوانا حَكِينا ، وهم أُمتنا تقاسمنا ،
همسات ، شهِدَ عليها ليل طويل ، بيني و بينك جمعتنا ،
و اليوم يا حبيبي .... أراك ممداً على الفراش ، لا همسة منك أسمعها ، و لا لمسة أقترب بها منك ،
أراك من بعيد ... أي لحظة أقوى على احتمالها ، أي دمعة أُواريها ، أي عبرة أكتمها ، لتكون لي وحدي !
كما هو دوماً حالي ! ، ابتسامتي لمن حولي ، دموعي لي و لسهر ليلي ،
أبعد تجوالك و حلك و ترحالك ، أراك لا تملك من أمر نفسك شيئاً ،
لا صوت ، لا إيماءة ، لا إشارة أنك حتى تشعر بوجودي ،
حلم أعيشه ، أم حقيقة ما عليّ حيالها إلا التسليم و الرضا ،
و لكنك لا زلت أمامي شامخاً كما عرفتك دوماً ،
حبيبي أشعر بالوهن يدُب في كل جزءٍ مني ، ما عادت قدماي تحملني ،
الآن يسألون عنك ، يخافون عليك من أعدائك ،
ما حسبوا حساب يومٍ أن هذا السيل المنهمر و الذي طالما غرفوا منه كؤوساً مترعة ، أن يحافظوا على انتظام تدفقه ، فنهلوا منه في كل لحظة و ثانية من عمرك ، فما احتملت أيامك ، و تمردت عليك أنفاسك ، و كادت أن تتوقف لولا أمر ربها .
و يا قوم إني لست منه ببعيد !
لي جسد يهفو إلى الراحة مثلكم ، و نفس متعبة ، و أنفاس مرهقة ، و عيون أسهدها تسطير أوراق لمستقبل أُمتي ، و مشاعر في عمق وجداني أكتمها ، لخالقي وحده أبُثها ، قد انثر اليسير منها على أوراقي و إني وجلٌ مشفقٌ عليكم أن يلتقطها ذكاؤكم!
فيا من فاضت دموعك في ليل طويل حزناً و ألماً أن يصيبني مثل ما أصابه ،
كفكف دموعك ، فكل شئ بقضاء الله و قدره ، و كما أنت دوماً امنحني في جوف الليل دعائك و زدني ،
و أقرأني ، و اكتب عني ، و احمل معي ، لا تُحملني ،
أما ربيت فكرك ، و سنوات تركتني أرعى عقلك ، و من دون إلحاحٍ غمرتك عطاياي ّ ، ليومِ مثل هذا ،
فهيا ، أم تراني عندك لا حق لي في ثمرة قلمك ، و كف عني عذرك ، غير مقبول لديّ تكرار قولك ، أنك مهما كتبت فلن توفي حقي عليك ،
و لتكن فيوضات مدادك إشراقات لنفسي ، و بعثٌ للأملِ في كل ما حولي ، و لا تنظر إلى ، و لا تنتظر يوماٌ توفي حق عالِمك ، فما أنت ببالغه ، و ما أردته منك ، و لا يقعدن بك هذا عن السعي ،
إنما أريد أن تقول معي ، و أن تكون يدي،
فإذا ما لملمت بعض أوراقي ! و رحلت إلي حين في فضاءاتي ! كنت لي سنداً! تناديني !
لا لتعزي فيّ آهاتي فحسب ،
و إنما لنشيد سوياً صرح الجمال ، عسى بناؤه أن يرتفع يوماً عالياً ، فيراه كل من ينشد السلام و السعادة في هذه الحياة ،
فهلا كنت ؟ |