دروب تحت أشواك السبات
في ساعة تبذل خلالها من الجهود ما تقطع بها مفاوز شاقة وقاصية ، يمكث خلالها آخرون آلاف من السنين المضنية مع الرقاد والانصياع لوطأة التثاقل والتكاسل ، وحينها يندبون الحظوظ التي فارقت أماكنهم وسنحت لغيرهم بأن يرتقوا وينتموا عن مكانتهم إلى مجد الحضارة ، ولحظتها يبررون القصور الذي أحاطوا أنفسهم فيه بوهي من الحجج التي خرت على أعمدتها ، ولم تطق القيام والبقاء أمام داحضيها ، يومهم ليس لهم ، لا يملكون منه حظوة الدقائق ؛ ليقيموا عليه أعمالهم .
وتتراص الأوقات الضائعة هباءً ، وتمتزج في وجوم مع البحر العرمرم ، تأسى للحالة التي وصلت إليها من إهدار لدقائقها أفرط عقدها ، وحطم تسلسلها ، تتجافى جنوبهم عن القيام وتركن بأمان بين الوسائد والحلل والأرائك ، تمتشق الفتور ركاباً ، وإجفال العيون مرتعاً ، والقبض على الفُرُش سلاحاً ، لم يتوانوا لحظة واحدة عن الخوض في هذا المضمار الشائك لنا ، والناعم لهم ، ويوم أن تطيش منهم آهات التذمر والتأفف ، ويعقب آرائهم مضاحك التهكم والدعة في لعاعة الكسل ، وتحصرمت منهم وشائج العمل الجاد ، وغيبوا في شباك عنكبوت التهاون والتضعضع ، رغم أن أبصارهم تشاهد وبجلاء سير القافلة النهم على جادة الهمم العالية ، فهو على ديمومة المسير دون توقف لا يكل ولا يمل .
وقد صعد البعض هذه القافلة محملاً بين جوهرها وزبرجدها ، أدرك خيطاً مما ابتغاه ونسجه في بدايات حياته ، فسعى بحثيث المهتم ورجاء الجاد ، وأنى له أن لا ينال مراده ، وقد طرق كل الأبواب المؤدية إليه بهمة متوقدة ونشاط متحفز .
إنك وبنظرة عابرة تلمح البون بين الفريقين ؛ فالأول استغرق متاعه وجلّ أوقاته في هذر القول ولوي الكلام ، ولم تبدر منهم جدة الفعل والسعي ، أما الثاني فلله أعجب من سكونهم وتبادر أفعالهم ، يعملون بصمت وبحرص ، ويجنون الثمار بأياديهم التي غرستها وسقتها وشذبتها وقامت عليها .
وعند الوصول إلى حزم الموقف يصعق الموقف بصراخ العاجزين وتذمرهم المزعج ، يلقون التهم على الآخرين جزافاً ، لا يملكون مرآة يبصرون فيها لأنفسهم علّهم أن يتذكروها بعدما غيبوها في مطاوي النسيان ، فأنفسهم نسوا بل تناسوها ، وحق لهم ذلك ، وإلا لما وجدوا ذريعة لتخاذل أمرهم وتقاعسها عن سبيل العناية .
ولما يتبادر الندم سيداً على محيا صاحبه ، مطوقاً وجهه بكليته ، فهي البشارة بالعودة ، إلا أن العجب يعالج الوجدان ويرامحه ، وقد ألقى بظلال تقاعسه على من يحيطون به ، فغرس فيهم البذرة وتكفل بسقايتها ، ففيم ندمه وقد أمكنه أن يتلافه ممن يمكنهم أن ينتزعونه من حاله الذي حطّ إليه .
يبدو الأمر شاقاً في بادئه ، ومملاً في قاصي أوله ، إلا أن هذا الطوق المثقل بالهموم ، لا يكسره سوى العزيمة الممتزجة بالطموح وطلب المعالي ، الطموح بعلم يحوزه العقل ، ومعرفة تكسر بها قيود الجهل ، وثمر يقطف سناه بمعالي لمن قطع ليله بنهاره من الجهد المضني والتعب وتحمل المشاق ، أما اللطم والعويل واستباق الندم على ما فات ، فهو شأن من طال مكوثه بين روابي السبات والتمدد بين المخادع والفرش ، أولئك يومهم كحجب سميكة تقتم الضياء في البدر الطالع ، ومن سار على الشوك ونزفت منها الدماء فأولئك أياديهم كشعاع ضوئي يسري بمسافات البقاء ودروب التألق ، والتقدم والرخاء ، والزهو والنماء . |