اسأل الله ان يكرمنا في هذا الشهر الفضيل، و ان يعنا فيه على ذكره و شكره و حسن عبادته..
أختي غادة...
اسمحي لي ان اتحاور معك و اختلف معك في عدة امور و رؤى...
أولا: قلت التزوح إلى الحضر... و انا لا اعتبر هذا نزوحا، بل ذهبوا إلى الحضر لكي يبحثوا عن شيء يكتسبوا منه وهم في "اوطانهم"، شيء
لا يكلفهم شيء كالرضاع، وهذا اعتبره شيء غريب كان في البدو، انهم، ومهما ضاقت عليهم الحياة، يفضلون العيش في البدو عن العيش في المدن...
ثانيا: السبب في أخذ حليمة لليتيم -صلى الله عليه و سلم-: فهي بين أن تعود بلا شيء وفوق كل ذلك، باحساس أنها لم ترجع بشيء -وهذا في حد ذاته عامل ضيق، ولو ضيق نفسي، او ترجع بالغلام ولو لم يكن مردوده كبيرا ماديا، و شيء أفضل من لا شيء، بل حسبتها و بمنطق لسانها كانت ابسط، فلا تريد الرجوع خاوية و صوحيباتها سبقوها.
ثالثا: وهي اهم نقطة، و اختلف فيها كثيرا مع كثير من الدعاة اليوم، وهو النظرة الحديثة للمجتمع القديم، أو النظرة الدقيقة للمجتمع البسيط، أو النظرة بفكرنا و اساقط طريقة تأويلنا على تاويل غيرنا... وهو ما اسميه انا ظاهرة
التاويل المبني على التاويل، وهو ليس كله سيء، ولكن....المشكلةفي بناء التأويل على تاويل آخر بلا قياس سليم و بارتباط بعيد كل البعد عن الأصل،
-وهذا ليس الحال في رؤيتك-.... نعم نحتاجه مع تشعب و الزمان و المطلبات، و لكنه غاية في دقة، وخصوصا تحديد القصد و المقصد،
بالنظرة الدقيقة بالعين الصحيحة... وهذا ليس فقط في السيرة، و لكن للاسف حتى في القرآن، و إن كانت السيرة و خصوصا
ما لا يتعلق بكلامه و اخباره -صلى الله عليه و سلم- ليست إلا رويات بشر -ليسوا معصومون في تبليغهم و لا تكفل الله بحفظ ما قالوا من حق-، و فليس ما يخبرون عنه وحيا، فالسيرة اهون من وزر اتباع متشابه القرآن، و لكنها قد تكون لها اثر غير سليم في فهم الدين، بل أكثر:
فعدم ادراك اسباب النزول
او دوافع الحوادث
او حيثيتها بكل دقة،
و سماع من طرف دون طرف،
او عدم تحديد العلة السليمة،
او ادراك كيفية القياس
أو عدم شمولية الرؤيا، التي ترى واقعهم و مقاصدهم،
أو الغوص في التفاصيل لا تفيد،
اعرض عنها الرعيل الاول، او حتى القرآن، و لم يروها... (قل ربي اعلم بعدتهم)
فاعطاء كل "حرف" مكانه و وزنه الحقيقي، بلا تكبير او تصغير، و بلا غلو او تفريط، هذا ليس بسهل، و يخشى به على من يطول عليه العهد، فيبي لا على الأصل لا يعلمه بل على قياس غيره، ورواية للقياس ولو كانت صحيحة...
علينا دائما أن نرتبط بالاصول... و نصدرها دائما...
واخيرا أختي اسمحي لي، انا ارى أن ما حصل لحليمة ليس إلا محض فضل من الله عليها... فهي بكل بساطة البدو التقطت الغلام لكي لا ترجع بيد خاوية وقريناتها قد وفقوا... وهي اخبرت بذلك بلسانها... وليس عالمه و لا "نبيه" و سبحان الله و تباركت اسماؤه و كلماته، و لكنها مراه بسيطه اراد الله بها خيرا... لا أكثر و لا أقل...
نعم كما ذكرت نتعلم منها المثابرة، و لكنها قصة عادية، نتعلم من التفاؤل، لا اعلم، فلقد تفائلت بعدما رات البركة... اما انا فاتعلم منها بركة السعي و ان الارزاق اولا و آخرا بيد الله... وطبعا بعد نزول الشريعة بركة السعي بما يرضي الله و بما شرع، وبقصد مرضاة الله... و إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا...و الله أعلم....
أختي الكريمة لا أعلم إن كان قصدي واضحا في كلامي، و لكني وجدت العجب من تآويل قصة واحدة، و انا بين اظهرهم، إلا أن كل من اراد ان يرى فيها شيئا راه، و سمعت نصائح اشكال و الوان، و إلى يومنا هذا لم ينصحي احد النصحية التي قصدت، و ذلك لأن القصة تتكلم على شيء تخلصت منه، بل كان لي بها قصد من وراء القصد، حاجة في صدري قضيتها،
و ذلك الذي لم يلاحظه أحد و إن كان ظاهرا في سياق القصة، و ذلك لرسوخ معنى اقدم عندهم!!!... و لمزيد من التفاصيل إن شئت، اقرأي مقالة
"يا أيتها البنت الصغيرة"
تحياتي لك و للجميع...
والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته.