من أهم عوامل تنمية البصيرة عند الفرد:
أولاً: دراسة الموضوعات دراسة شاملة حتى يصل الفرد إلى إحاطة وإلمام بكل موضوع.
ثانياً: النظر إلى الموضوعات نظرة تفصيلية.
ثالثاً: معرفة الفوارق بين الموضوعات.
رابعاً: النظرة النقدية للموضوع وهو السعي لمعرفة محاسنه ومعايبه.
خامساً: التجارب والممارسة.
هذه عوام تؤدي إلى زيادة قوة البصيرة وإنمائها في الموضوعات بشكل عام، ولكن إذا كان المراد تنمية البصيرة في الدين الاسلامي، فإن هذا الموضوع (الإسلام) يحتاج إلى عامل آخر يزيد عن كل تلك العوامل في الأهمية ألا وهو عامل الوجدان والحب لهذا الدين.
فالإسلام دين الفطرة التي تنطبق تمام الانطباق مع الوجدان.
والإسلام دين حي لا يمكن أن يعطي خفاياه وجوانب من حقيقته إلا لمن أحبه وأولاه ولاءً خاصاً.
فإن للوجدان قدرة خاصة تفوق قدرة العقل على الوصول إلى حقائق الأشياء، ومعرفة وإدراك ما يعجز العقل عن معرفته وإدراكه بوسائله المتاحة. فالوجدان لا يعتمد البرهان والاستنتاج في وصوله إلى الحقائق والخفايا. فإن ميدان الوجدان أوسع من ميدان العقل الذي يعمل في ميدان المحسوسات ولا يستطيع الخروج عن ميدانها، لذلك يكون الوجدان وسيلة لإدراك ما يعجز لعقل عن إدراكه.
وهذا المعنى ما أشار إليه رسول الله )صلى الله و عليه و آله و سلم( حين قال لسائل سأله

استفت قلبك وإن لم يفتك الناس(.
فالوجدان السليم الذي يعبّر عنه بالذوق يرشد صاحبه إلى الحقيقة وقوله تبارك وتعالى

بل الإنسان على نفسه بصيره، ولو ألقى معاذيره((2) .
يؤكد الدور الحقيقي للوجدان الإنساني داخل كل فرد، وقدرته الفائقة في الكشف ومعرفة الحقائق والوصول إليها مهما كانت الحواجز والموانع الموصولة إليها.
لذلك قال العرفاء في بيانهم لحدود العقل وقدرة التذوق الوجداني ووصولها إلى ما يصل إليه العقل قالوا: )العقل كالمطية يصحبك إلى قصر السلطان ولا يدخل معك عليه(.
وهذا يعني أن العقل يوصلك إلى بوابات حقائق الموضوعات ولكنه لا يستطيع إدراك المعاني الحقيقية فيها وإنما ذلك مرده إلى الذوق والوجدان السليم. ولا شك أن هذا في غالبه في الموضوعات الاعتبارية.
ومن ثم فإن البصيرة في الدين الإسلامي من لوازم الداعية لأنها من العناصر الأساسية في الدعوة الإسلامية.
لذلك يلزم الداعية قوة النظر والملاحظة في محاسن الإسلام سواء كان في الشق التشريعي والعبادي أو في شقه الإيمان (العقائدي).
ولا يتحقق ذلك إلا بأمرين أولهما عقلي والثاني وجداني، فالعقلي هو دراسة هذا الدين دراسة تمحيصية الغرض منها معرفة الحقائق الكامنة فيه. ودراسة العقائد والشرائع الأخرى ليكتسب الداعية الفوارق بين ما هو حق صحيح, وما هو باطل خاطئ، حيث أنه لا يمكن اكتساب القدرة على التمييز إلا بمعرفة الشيء وضده، ومعرفة المتشابهات.
وأما الثاني الوجداني هو تنمية الذوق الرفيع والوجدان المتوازن المستقيم لتنمية الشعور بالحقائق وإدراك معانيها.