مقالة رائعة أختي الفاضلة شخصتِ فيها إشكالاً منهجياً يعانيه ثلة من طلبة العلم , وجمهرة من شباب الصحوة الأخيار ,ونحن بحاجة فعلاً لأشخاص أكفاء يسلطون الضوء على هذه الإشكالية بشكل علمي متوازن يجنبهم المبالغة في التحوطات وكذلك يحفظ لهم توازنهم لئلاً يرتد أحدهم في الجهة المقابلة يتتبع الشاذ من الأقوال تحت لافتة سماحة الشريعة ويسرها .
ثمة ملحظ أختي الفاضلة لا يتناول مقالتك بالذات ولكني دائماً ما يدور في خاطري حينما يطرح بعض مشايخنا الفضلاء ومفكرينا الكرام أفكار جديدة على مجتمعنا كإدخال مادة التربية الرياضية للفتيات , أو الدعوة لإنشاء مسرح وسينما "إسلامي" خالي من المحذورات الشرعية بحجة أن الأصل في هذه الأشياء الحل والجواز , وأن التحريم فيه تحوط غير مبرر , أوفيه دلالة على عدم الثقة في نسائنا وبناتنا.
وكلام هؤلاء الكرام جميل ورائع من الناحية النظرية , ولكنه يعد في نظري "كلام في الهواء" لا يملك قائله طرحه إلا على سحب الأماني , أو على طاولة "المعاريض" لصاحب القرار والتي قد تجد طريقها سريعاً لسلة المهملات.
إن دعوة هؤلاء المشايخ الفضلاء أو المفكرين الكرام لإقامة مسارح أو سينما أو حصص رياضية "وفق الضوابط الشرعية" سيستخدمها "دعاة التغريب" لتمرير دعوتهم "وكسر" الرفض الشعبي لمثل هذه المناشط , وبعد أن تقام هذه المشاريع ويستنفذ كلام هؤلاء الفضلاء دوره , ستفتتح هذه المسارح والدور والنوادي "بلا ضوابط ولا كوابح" , وبعدها سينفر إخواننا لخيار "المفاكسة" وينفر القسم الثاني من أصحاب النظرة المصلحية لإنشاء مسارح ودور منضبطة وتنفق الجهود والأموال في صراع غير متكافىء , وقد كان المجتمع في عافية من هذا كله .
إنني أنظر بإحترام وإجلال كبير لكل عالم أو مثقف نزيه يحاول طرح الإسلام وفق نظرة مستنيرة معاصرة بعيدة عن الإفراط والتفريط ولكني كذلك لا أرضى أن يكونوا "جسر عبور" لأصحاب الأهواء وإن حسنت نياتهم.
إنني أقبل أن تُطرح مثل هذه الأفكار الرائعة لمن يملك الأهلية لذلك التي تتركز في نظري في القوة والأمانة ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) وكثير من هؤلاء الفضلاء نحسبهم أمناء ولكن أيديهم كلت وتعبت منافحة عن منبر دعوي يمتلكه أحدهم يخشى أن تطاله يد الاستبداد ضحوة أو عشية ...!!
مثل هؤلاء الأحبة لا يملكون طرح مشاريع "مؤسلمة" على الواقع حقيقة إذ أنهم لا يملكون الإذن لإقامتها , ولا يملكون ضبط آلية إدارتها , ولا يملكون لو أقاموها حمايتها , فخير لهم أن يبدعوا ويجتهدوا بعيداً عن هذا الحمى , وأن يكافحوا سيل الفساد المنهمر فلسنا بحاجة لفتح ثقوب جديدة في سفيتنا المضطربة .
عذراً أختي الفاضلة للإطالة , ولكن مقالك الرائع اثار الكثير من الآمال والأشجان , ففاضت ريشتي الكليلة بهذه اللوحة المتواضعة , بارك الله فيك.
__________________ قال الإمام الذهبي: " ولو أنا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة ". السير [14/39-40].
للتواصل aaw1415@maktoob.com |