أكذوبة عقيدة الهرمجدون الخطرة!!
تقع تلة مجدو في شمال فلسطين بين جنين وحيفا، وهي امتداد لسهول مرج بني عامر، والتلة فيها خربة أثرية تحوي بقايا أسوار وأنفاق وأنظمة مائية وآبار وأدراج، ويعتقد بعض اليهود وبعض الكنائس الغربية المتصهينة بأنها ستكون ميدانٌ لحربٍ كونية هائلة ومحارق نووية وأهوال لم تشهد لها البشرية مثيلاً، ولديهم في ذلك نبوءات ومرويات وفرضيات، أدناها تبشِّر بمقتل مائتي مليون وثني "مسلم"، وأعلاها تشير إلى هلاك واحد من كل اثنين من البشر؛ بمعنى ثلاثة مليارات إنسان لا سمح الله.
وبحسب القس الإنجليكاني كين بوغ "ان النهاية قادمة واعتقد أنه يمكن كثيرًا أن تحدث في أيامنا"، وهو ذات المعنى الذي يعبِّر عنه النجم التلفزيوني القس الإنجليكاني جيري فولويل بقوله: "إننا جزء من جيل النهاية، من الجيل الأخير"، ويضيف في نهاية خطبةٍ طويلة ينعي فيها الكون ".. إن المليارات من البشر سوف يموتون في هرمجدون".
والمؤلم هو أن المسألة ليست حالة من الهوس يعيشها بعض القساوسة أو المنصِّرين، بل هي تيار كاسح يسيطر على القرار الأمريكي ويتحكم في حلقات الإدارة الأمريكية، بل إن 51% من الشعب الأمريكي يعتقدون بأن كارثة سوف تمحق الحضارة قريبًا جدًا، ومن أبرز من رسَّخوا هذه العقيدة من الكهنة الإعلاميين الذين أصبحوا نجومًا تلفزيونية:
1- الكاهن جاك فان ايمب، يقدم برنامجًا أسبوعيًا من 90 قناة تلفزيونية و43 محطة إذاعية.
2- تشارلز تايلور، المشهور ببرنامجه "اليوم في نبوءات الكتاب المقدس".
3- جيمس دوبسون، مؤسس جمعية عدد منتسبيها مليونان، وتصل برامجه إلى 28 مليون شخص.
4- بات روبرتسون الذي بنى شبكة البث المسيحية C.B.N، وهو كاهن متشعب ومؤثر، وله أتباع كثر وفروع كثيرة، ويشكل "التحالف المسيحي" الذي يشكل منفردًا المنظمة السياسية الأوسع نفوذًا في أمريكا.
5- وهناك مجموعة من المؤثرين أمثال جيمي سويغارت، وستيوارت ماك بيرني، وتشاك سميث، والكاهن لويس بالاو، والكاهن تلسا اورال روبرتس وكريسول من دالاس، إضافة إلى بول كرادش المتخصص في نبوءات اليوم الآخر، وراي برد بيكر صاحب برنامج "ما وراء الأخبار".
والمعروف أن كهنة عقيدة الهرمجدون يجذبون أعدادًا ضخمة من المستمعين، ولديهم أموال ومشاريع عملاقة وخطرة، وكتبهم تنافس شهرة الروايات العملاقة وتتفوق عليها، فمثلاً كتاب هول ليندسي "الكرة الأرضية المأسوف عليها" بيع منه نحو 30 مليون منشور وهذا الكاهن ما كتب كتابًا إلا وجوهره عقيدة الهرمجدون.
80 ألف قسيس وعشرون ألف مدرسة لاهوتية و200 كلية لاهوت ومئات المحطات التلفزيونية كلها جنَّدت لنشر عقيدة هؤلاء الأصوليين المهووسين بخصوص نهاية الكون وفناء البشرية وارتطام الشرق بالغرب وشطب محور الشر، واستكمال المشوار الذي بدأ بمحو إمبراطورية الشر في الأندلس!، والمرعب هو أن هؤلاء بأيديهم السلطة والنفوذ ويصنعون القرار في الإدارة الأمريكية، ولهم السطوة على القرار الإنجليزي والأسترالي؛ لأنهم يصدرون عن نبعٍ واحد.
يتوجب على كل مسلم معرفةُ المعادلة الفكرية لأكبر حركة دينية وأشدها خطرًا وأكثرها شيوعًا وأعرضها اتساعًا؛ حتى يعرف لماذا تدوس أمريكا على مصالحها الحيوية في المنطقة إرضاءً للكيان الصهيوني، الذي أضحى هو حجر الأساس لسياساتها في المنطقة.
إن عقيدة الهرمجدون كما يقول ديك ماك بيرسون: "قاتلة ومعدية وتأثيرها وصل إلى نخاع أكثر من 1200 حركة إنجيليكانية فتكت بها هذه العدوى وانزلقت إلى هذه العقائد الخطرة التي تضع مصلحة الكيان الصهيوني في مركزية مسرح الأحداث.
صهاينة متطرفون
والأخطر من ذلك أن رُبع الراشدين من الشعب الأمريكي اعتنقوا هذه الأفكار الخطرة بمن فيهم عدد من رؤساء أمريكا في الحقب الأخيرة، مثل هاري ترومان الذي ساهم في إقامة الكيان الصهيوني عام 1948م، ورونالد ريجان الذي كان لا يتورع عن التبشير بالهرمجدون صراحة، تمامًا كما فعل نابليون بونابرت عندما زار تل مجدو وبشر باستئصال الوثنين المسلمين، رغم أنه كان أعلن إسلامه أمام البلهاء من موظفي الأزهر!!
الهرمجدون فكرٌ خطير يحمله أخطر الرجال الذين يؤمنون بمواجهة رومانية جديدة مع الشرق الوثني لأجل القدس والهيكل حيث يسيل الدم أنهارًا في سهل مرج بني عامر.
إنها ترهات الأكاذيب وهذيان الأساطير وركام النبوءات التي تشكل عقولهم وتصنع قراراتهم السياسية؛ حيث إن لهم أجندة دينية بخصوص القدس، ولأجلها شطبوا بغداد مرتين في ثمانية عقود.
والمؤسف "أن المحنة جميعها من أجل الكيان الصهيوني" كما يقول الكاهن كين باخ من كنيسة فرجينيا، ولأجل ذلك أحدث مجموعة من الكهنة إحداثات جوهرية في بعض الكنائس البروتستانتية المنحازة أصلاً لليهود وبحكم وحدة المرجعية منذ قرون، ولعل أشرسهم سايروس سكوفيلد الذي جاء بإنجيل "سكوفيلد" الجديد الذي يهيئ الناس "لوقائع محددة".
والعجيب أن هؤلاء المتصهينين ودعاتهم اللاحقون أبدعوا في الانحياز لليهود، وروجوا للنبوءات التوراتية، وكشفوا عن مهارة في التعاطي السياسي والإعلامي وغزو المذياع والتلفزيون، وهم الآن أنشط المبشرين وإنجيل سكوفيلد أكثر الأناجيل انتشارًا، وهو الإنجيل الذي أُضيف له هوامش تسمح للإنجليكان بفهمٍ أوضح لعودة المسيح إلى فلسطين عقب عودة اليهود إلى وطنهم!!
إن مبيعات هذا الإنجيل تتجاوز مبيعات كل الأناجيل الأخرى، وإذا أضفنا إليها أن الإعلام الأمريكي أصلاً منحاز بل واقع بالكلية تحت قبضة اليهود وللأسف، مما يجعل أمريكا إدارة وشعبًا تمرُّ في ممر إجباري نحو إسناد الكيان الصهيوني في باطله.
إن الكنائس المتصهينة ليست أكثر من قوة دفع إضافية إلى قوة اليهود الطاغية التي انبعثت بدورها مما يسمونه كتبًا مقدسة وترتكز على ثالوث المال والسياسة والإعلام، حيث إن قوة الكلمة هي سر القوة اليهودية التي تشعل العقول وتصنع الرأي العام، فاليهود الأمريكان يشكلون 2% من الشعب و50% من العاملين في المجال الإعلامي و24% من القيادات الإعلامية، والحال كذلك مع الإعلام الإلكتروني الأكثر تأثيرًا في المجتمع الأمريكي.
ولا ننسى أن الشركات الخمس الكبرى يحتكرها اليهود بنسبة 95% وهي: C.N.N. التي أسسها تيد تيرز، وشبكة A.B.C. ويرأسها يهودي، وشبكة C.B.C. وتملكها شركة ويستنجهاوس، ويرأس الشبكة يهودي، وشبكة FOX سيئة الصيت، وشبكة N.B.C. وتملكها شركة جنرال إليكترك، ويرأس قطاع الأخبار فيها يهودي!.
ناهيك عن القطاعات المؤثرة الأخرى كالسينما مثلاً، وهذه الصناعات الواقعة تحت هيمنة اليهود أسهمت مجتمعة في إعادة صياغة المجتمع الأمريكي وِفق هواها إلى درجة أن تجرأ ريجان للقول: "إن الله لا يحب من لا يحب إسرائيل".
إن فرية الهرمجدون أكذوبة جديدة رسَّخها هؤلاء في وجدان الأمة الأمريكية بشكل متدرج، حتى غدت أولوية ذات أحقية في العقل والوجدان عند العموم، وغدت نوعًا من الهوس عند الخصوص، فهم في سبيل ذلك على استعدادٍ لتدمير الكون دون أن يبالوا، ونسأل الله السلامة للبشرية من هذا العبث والجنون، ونسأله أن يحفظ القدس والأقصى من هذا الإفك المبين والشر المستطير.
بقلم: أ. سعود أبو محفوظ
http://www.ikhwanonline.com/Article....&SectionID=139